نهاية قوة عظمى.. 25 عاما على تفكك الاتحاد السوفيتي

الأربعاء 2016/12/28
روسيا تسعى إلى استعادة تأثيرها

موسكو - كانت النهاية في منتصف ليلة الحادي والثلاثين من ديسمبر عام 1991، انتهى وجود الاتحاد السوفيتي للأبد مع بداية العام الجديد قبل 25 عاما. لم يعد هذا البلد موجودا، لقد انتهت دولة لينين وستالين، دولة ثورة أكتوبر، بلد معسكرات الاعتقال في سيبريا والتي عرفت بـ "جولاج" وبلد أول رحلة للفضاء، القوة الشيوعية العظمى ذات الأهداف الثورية التي تشمل العالم كله، كل ذلك لم يعد موجودا.

بدأت الجمهوريات السوفيتية طريقها كدول مستقلة آملة في مستقبل ذهبي. كانت روسيا من بين هذه الدول وكذلك أوكرانيا الطموحة وكازخستان الحذرة وجورجيا المتعجلة والعدوتان أرمينيا وأذربيجان. عاد نحو 25 مليون من الجنس الروسي ليجدوا أنفسهم مواطني دول أخرى. كانت دول البلطيق الثلاث قد حصلت على استقلالها بالفعل في صيف عام 1991.

سبق ذلك عامان من التفكك الذي أخذ وتيرة متسارعة وجدت ذروتها في استقالة ميخائيل جورباتشوف من رئاسة الاتحاد السوفيتي. في الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1991 كان الرئيس السوفيتي يجلس في الكرملين في موسكو أمام سجادة حريرية بيضاء بائسة وتحدث في التلفاز للمرة الأخيرة وقال بطريقته الملتوية: "بسبب الموقف الناشئ عن تشكيل رابطة الدول المستقلة أنهي عملي كرئيس للاتحاد السوفيتي".

كان الإصلاحي السوفيتي والحاصل فيما بعد على جائزة نوبل للسلام قد سلم قبل ذلك بدقائق السلطة على الأسلحة النووية للرئيس الروسي بوريس يلتسين. وبعد قليل من خطاب جورباتشوف تم إنزال العلم السوفيتي الأحمر ذي المطرقة والمنجل من على الكرملين. وبعد ذلك بيوم واحد أي مع نهاية العام بارك برلمان الاتحاد السوفيتي، أعلى سلطة سوفيتية، انحلال الامبراطورية السوفيتية على صعيد القانون الدولي.

تعددت أسباب التفكك، وكان الاقتصاد السوفيتي الخاضع تماما لسيطرة الدولة يعاني من أزمة مغرقة ولم يعد قادرا على الاستمرار في سباق التسلح مع الولايات المتحدة. أعاد جورباتشوف الذي كان يتولى السلطة منذ عام 1985 الاستقلال للدول السوفيتية الموجودة في أطراف الاتحاد السوفيتي وسط أوروبا ليصبح بذلك أيضا أحد آباء الوحدة الألمانية.

ولكن إصلاحاته الداخلية التي عرفت بالشفافية والبيريسترويكا (إعادة البناء) لم تحدث تحسنا حيث لم يتعد تأثيرها سوى فتح الأنظار على الكارثة الاقتصادية والماضي المظلم لستالين والصراعات القومية التي تم قمعها.

لم يؤد الانقلاب الذي قام به محافظون في الجيش وموظفون في المخابرات الروسية في أغسطس 1991 سوى إلى تقوية القوى الطاردة حيث أسس يلتسين ورؤساء كل من أوكرانيا وروسيا البيضاء، ليونيد كرافتشوك وستانيسلاف شوشكيفيتش، رابطة الدول المستقلة وكان ذلك في ديسمبر .1991 وأدت هذه الخطوة لإخراج جورباتشوف والقيادة السوفيتية المحيطة به من المعادلة بشكل نهائي.

وكيف أصبح الحال اليوم، وبعد مرور ربع قرن على تفكك الاتحاد السوفيتي؟ لم يكن هذا التطور سعيدا لا لدول الاتحاد السوفيتي السابقة ولا لروسيا نفسها التي عانت في تسعينات القرن الماضي مما عرف بـ "شدة التسعينيات" حسبما يسميها الروس والتي سادت فيها سياسة رأسمالية قاسية وفقر وجريمة طاغية. ثم عادت روسيا للاستقرار تحت حكم الرئيس فلاديمير بوتين منذ عام 2000 ولكنها أصبحت تحكم باستبداد متزايد حيث اعتبر بوتين انحلال الاتحاد السوفيتي بمثابة "أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين". وحاولت روسيا بصفتها مركز الإمبراطورية استعادة تأثيرها على الجمهوريات الأخرى التي كانت عضوا في الاتحاد السوفيتي.

القوة الشيوعية العظمى.. تلاشت

وموضحا ما يقصده الرئيس قال دميتري بيسكوف المتحدث بالسم الكرملين بمناسبة ذكرى تفكك الاتحاد السوفيتي: "لقد كانت كارثة أعادتنا للخلف في تطورنا". وأكد بيسكوف أن عودة الاتحاد السوفيتي مستحيلة "ولكن المنطق يفرض علينا اندماجا جديدا في منطقة الاتحاد السوفيتي السابقة".

لا يزال 56% من السكان السوفيت نادمون على تفكك الاتحاد السوفيتي في حين أن 28% من سكان الاتحاد السوفيتي سابقا لا يؤلمهم فقدان الاتحاد، وذلك حسبما أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز ليفادا المستقل بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لانحلال الاتحاد السوفيتي. ولكن نسبة المواطنين الذين يحنون لأيام الاتحاد تراجعت مع مرور السنوات.

قال جورباتشوف (85 عاما) في لقاء مع وكالة تاس الروسية للأنباء بمناسبة ذكرى تفكك الاتحاد إنه كان من الممكن إنقاذه "كان علينا جعل السلطة في الاتحاد السوفيتي غير مركزية وكان ذلك سيجعل الجمهوريات الجديدة قوية سواء اقتصاديا أو اجتماعيا".

أصبحت دول البلطيق اليوم أعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي "ناتو" في حين سقطت جمهوريات أخرى مثل مولدافيا وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان و طاجيكستان في حروب وحروب أهلية بعد انتهاء الاتحاد السوفيتي. ولم تبرح أوكرانيا مكانها الذي كانت عليه قبل 25 عاما؛ سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتسعى للانضمام للاتحاد الأوروبي، ولكنها فقدت شبه جزيرة القرم لصالح موسكو وعليها أن تدافع عن نفسها ضد أي حرب هجين من قبل روسيا في مناطقها الشمالية.

كثيرا ما ينظر لجورباتشوف في بلاده على أنه خائن ومدمر للإمبراطورية الروسية رغم أنه يجرى تمجيده في الغرب. أما هو نفسه فقد قال في ذلك الخطاب التلفزيوني الأخير: "لازلت مقتنعا بالإصلاحات التي عادت علينا بالحرية، هذه هي النتيجة الأهم".

1