نهاية كورونا رهينة التغلب على هواجس الخوف

خبراء صحة بالأمم المتحدة يحذرون من أن أزمة صحة نفسية تلوح في الأفق، حيث تحاصر هواجس الموت والمرض الملايين في أنحاء العالم.
السبت 2020/05/16
الخوف سلوك بشري ينتشر من دون وباء

هل ينتهي فايروس كورونا وكيف؟ وهل هناك إمكانية لرجوعه؟ لعل هذه الأسئلة هي الأكثر طرحا في أيامنا هذه. ووفقا للمؤرخين فإن للجوائح نوعين من النهايات، الأولى النهاية الطبية التي تحدث عندما تنخفض معدلات الإصابة والوفيات. والثانية هي النهاية الاجتماعية حين تتضاءل هواجس الخوف من المرض. لذلك يأمل الخبراء في أن تضع المجتمعات نهاية اجتماعية للفايروس خاصة وأن الحلول الطبية من الممكن أن تتأخر.

لندن - بينما بدأت دول ترفع تدريجيا القيود المفروضة للحدّ من انتشار جائحة فايروس كورونا الذي ظهر في الصين خلال ديسمبر الماضي، أطلقت منظمة الصحة العالمية رسالة مقلقة، حيث قال مدير القضايا الصحية العاجلة في منظمة الصحة العالمية مايكل راين أثناء مؤتمر صحافي عبر الإنترنت في جنيف “لدينا فايروس جديد يخترق البشرية للمرة الأولى، لذلك من الصعب جدا القول متى يمكن دحره”. مضيفا أنّ “هذا الفايروس قد يصبح مستوطنا في مجتمعاتنا وقد لا يختفي أبدا.. ففايروس نقص المناعة المكتسبة HIV (المسبب لمرض الإيدز) لم يختف”.

ورغم أن راين أكد أنه لا يعقد مقارنة بين المرضين، فهو يعتقد أنه من المهم أن نكون واقعيين. وتابع “لا أعتقد أن أي شخص يمكنه التنبؤ بموعد انتهاء أو اختفاء هذا المرض”. وأوضح المسؤول الرفيع بمنظمة الصحة العالمية، أنه مع اللقاح “قد تكون لدينا فرصة للتخلص من هذا الفايروس،

ولكن يجب أن يكون اللقاح متاحا، ويجب أن يكون فعالا للغاية، ويجب أن يكون متيسرا للجميع”. وبحسب تعبير عالمة الأمراض المعدية والأوبئة في منظمة الصحة العالمية، الدكتورة ماريا فان كيرخوف، “ومع ذلك، فإن مستقبل فايروس كورونا لا يجب أن يكون هلاكا وكآبة”.

ويحذر خبراء من انتشار وباء الخوف حتى من دون الوباء المرَضي. فقد قالت الدكتورة من الكلية الملكية للجراحين في دبلن “إذا لم نكن مستعدين لمحاربة الخوف والجهل بالقدر نفسه من النشاط والعناية التي نكافح بها أي فايروس آخر، فمن الممكن أن يؤدي الخوف إلى إلحاق ضرر فادح بالمجتمعات، حتى في الأماكن التي لم تسجل فيها حالة واحدة قط من العدوى أثناء تفشي المرض. ويمكن أن تكون لوباء الخوف عواقب أسوأ بكثير”.

الصحة النفسية

هل تصبح الكمامة تقليدا حياتيا
هل تصبح الكمامة تقليدا حياتيا

تقول هاجر (40 عاما) “ألح عليّ زوجي كثيرا حتى نخرج في جولة بالسيارة. كنت كل مرة أقول له: اذهب أنت لا أريد. لم أخرج من شقتي منذ 20 مارس الماضي، خرجت أخيرا في جولة لمدة عشر دقائق بعد أن قضيت قرابة شهرين في منزلي”.

وتضيف “لم يكن الأمر خوفا من الفايروس، بقدر ما هو اختيار شخصي سعدت به، يبدو أن متلازمة الكوخ تناسبني”.

وبعد أكثر من شهرين ونصف الشهر من الحجر المنزلي وتدابير الإغلاق بسبب فايروس كورونا، تفشت ظاهرة طبية جديدة تثير القلق تعرف بـ”متلازمة الكوخ”، أصبحت تهدد الملايين من حول العالم.

وشعر الملايين من البشر حول العالم بعدم رغبتهم في العودة إلى مناهج الحياة الطبيعية، بالإضافة إلى خوفهم من عدم التكيف مع الحياة الجديدة.

رئيسا الجمعية الإيطالية للطب النفسي ماسيمو دي جيانانتونيو وإنريكو زانالدا، قالا في تقرير نشره موقع “tgcom24”، إنّ العديد من الأشخاص يعيشون الآن أوقاتا صعبة خوفا من مواجهة حياتهم السابقة، ومغادرة المنزل الذي أصبح ملجأ يحميهم ويحفظهم من الفايروس.

هذا الإضراب النفسي المعروف بـ”متلازمة الكوخ”، شُخص لأول مرة عام 1900 في أوساط الصيادين والمنقبين عن الذهب في الولايات المتحدة الأميركية، حيث كان يشعر بعضهم بقلق كبير من الخروج من الأكواخ بعد أشهر من العيش فيها.

يذكر أن استطلاعا للرأي، أجرته منظمة “يو جوف” الدولية المختصة في أبحاث الأسواق، والتي تتخذ من المملكة المتحدة مقرا لها، أفاد أن 9 في المئة فقط من البريطانيين يريدون عودة الحياة إلى وضعها الطبيعي بعد انتهاء أزمة تفشي فايروس كورونا.

وخلص استطلاع الرأي، الذي أجري على آلاف البريطانيين، إلى أن المواطنين في المملكة المتحدة لاحظوا تغييرات ومميزات كبيرة لعمليات الحظر والإغلاق.

وقال البروفيسور توم ماكميلان، من الجامعة الزراعية الملكية في لندن “يشير استطلاع الرأي إلى وجود نية حقيقية لدى المواطنين للتغيير والتعلم من أزمة كورونا؛ حيث يحاول الناس إيجاد أشياء جديدة، بعد أن لاحظوا الاختلافات في المنزل وفي عملهم وفي المجتمع”.

التعايش مع الخطر

Thumbnail

وعلى عكس هاجر، لم يكن هذا رأي سناء التي تتوق بلهفة إلى سماع خبر الإعلان عن عودة الحياة الطبيعية، ورغم المجازفات تسأل “متى أستطيع رؤية عائلتي؟ أو دعوة أصدقائي إلى منزلي؟ أو الخروج في المساء؟ أو حتى العودة إلى مقر العمل؟”.

من ناحية أخرى حذر خبراء صحة بالأمم المتحدة الخميس، من أن أزمة صحة نفسية تلوح في الأفق، حيث تحاصر هواجس الموت والمرض الملايين في أنحاء العالم، الأمر الذي وضعهم في حالة عزلة وقلق بفعل جائحة كوفيد – 19. وقالت ديفورا كيستل مديرة إدارة الصحة العقلية بمنظمة الصحة العالمية “الانعزال والخوف والضبابية وعدم الاستقرار الاقتصادي تتسبب جميعها أو قد تكون سببا في أزمة نفسية”.

وخلال عرض تقرير وتقديم خط استرشادي للأمم المتحدة بشأن كوفيد – 19 والصحة العقلية، رجحت كيستل زيادة عدد الأمراض النفسية وشدتها وطالبت الحكومات بوضع هذا الأمر “في صدارة ومحور خططها لمكافحة الجائحة”. وقالت في إفادة للصحافيين “تضررت الصحة النفسية ورفاهية المجتمعات بأسرها بشدة بفعل هذه الأزمة وهما أولوية تتعين معالجتها على نحو عاجل”.

يقول المؤرخون إن أحد الاحتمالات هو أن جائحة فايروس كورونا يمكن أن تنتهي اجتماعيا قبل أن تنتهي طبيا. فقد يتعب الناس من القيود إلى الدرجة التي تجعلهم يعلنون عن انتهاء الجائحة، حتى مع استمرار انتشار الفايروس بين الناس وقبل العثور على لقاح أو علاج فعال.

وتؤكد المؤرخة نعومي روجرز من جامعة ييل الأميركية “أعتقد أن هذا النوع من القضايا النفسية الاجتماعية يسبب الإرهاق والإحباط. قد تأتي اللحظة التي يقول فيها الناس “هذا يكفي. أنا أستحق أن أعود إلى حياتي الطبيعية”.

الناس سيتعبون من القيود إلى الدرجة التي تجعلهم يعلنون عن انتهاء الجائحة، حتى مع استمرار انتشار الفايروس بينهم

هذا يحدث بالفعل؛ في بعض البلدان، رفعت القيود، ما سمح بإعادة فتح صالونات تصفيف الشعر وصالونات تقليم الأظافر والصالات الرياضية، في تحدٍّ لتحذيرات مسؤولي الصحة العامة من أن مثل هذه الخطوات سابقة لأوانها. ومع تفاقم الكارثة الاقتصادية التي سببتها عمليات الإغلاق، قد يكون المزيد والمزيد من الناس مستعدين لقول “كفى”.

تقول نعومي “هذا النوع من الصراع هو ما يدور الآن”. لدى مسؤولي الصحة العامة هدف لنهاية طبية للفايروس، لكن بعض أفراد الجمهور يهدفون إلى نهاية اجتماعية. وتسأل نعومي “من يمتلك حق المطالبة بوضع نهاية للفايروس؟ إذا رفضت فكرة نهاية الفايروس، فما هي دوافعك؟ ما هو اعتقادك حين تقول: لا، إنه لا ينتهي؟”.

من جانبه يقول مؤرخ الطب بجامعة جونز هوبكنز، الدكتور جيريمي غرين، لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية “عندما يسأل الناس: متى سينتهي هذا؟ فهم يسألون عن النهاية الاجتماعية”.

وبعبارة أخرى، يمكن أن تحدث النهاية ليس بسبب التغلب على المرض، ولكن لأن الناس يتعبون من حالة الذعر ويتعلمون التعايش مع المرض.

بدوره يقول المؤرخ في جامعة هارفارد، آلان برانت، إن شيئا مشابها يحدث مع فايروس كورونا المستجد “كما رأينا في الجدل الدائر حول فتح الاقتصاد، فإن العديد من الأسئلة حول ما يسمى بالنهاية لا تُحدد من خلال البيانات الطبية وبيانات الصحة العامة، ولكن من خلال عمليات اجتماعية سياسية”.

أما المؤرخة في جامعة إكستر، دورا فارغ، فتقول إن النهايات “فوضوية للغاية. وإذا نظرنا إلى الماضي، فلدينا روايات ضعيفة. من هم الذين انتهى الوباء بالنسبة إليهم، ومن يملك أن يقول ذلك؟”.

الأوبئة المنسية

العالم سيكون بخير
العالم سيكون بخير

تقف إنفلونزا عام 1918 اليوم كمثال للدمار الذي تُسببه الجوائح وقيمة الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي.

وقبل أن تنتهي هذه الجائحة، كانت قد قتلت بين 50 مليونا و100 مليون شخص في جميع أنحاء العالم. كانت تفترس البالغين اليافعين وحتى من كانوا في منتصف العمر.

في خريف عام 1918، أُرسل ويليام فوغان، وهو طبيب بارز، إلى كامب ديفينز بالقرب من بوسطن؛ تقريرا عن إنفلونزا منتشرة هناك.

تحدث فيه أنه رأى “مئات من الشباب الجامعيين في الزي العسكري وهم يُودعون عنابر المستشفى في مجموعات من عشرة أشخاص أو أكثر”.

ويتابع “لقد وُضعوا فوق الأسرّة حتى امتلأت جميعها، بينما كان لا يزال آخرون يدخلون إلى المستشفى. وسرعان ما تحولت وجوههم إلى اللون الأزرق، وجلب السعال المؤلم البلغم الملطخ بالدم. وفي صباح اليوم التالي تُكدّس الجثث في المشرحة مثل أكوام الخشب”.

وأضاف أن الفايروس “أظهر دونية الاختراعات البشرية في مواجهة قدرته على تدمير الحياة البشرية”.

وبعد أن اجتاحت العالم، تلاشت هذه الإنفلونزا، وتحوّرت إلى شكل مختلف من الإنفلونزا أكثر اعتدالا، وصارت تأتي كل عام. لقد انتهى الوباء اجتماعيا.

ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى، كان الناس مستعدين لبداية جديدة، وعصر جديد، وكانوا حريصين على وضع كابوس المرض والحرب وراءهم. وحتى في وقت قريب، كانت إنفلونزا 1918 منسيّة إلى حد كبير.

وتلتها أوبئة إنفلونزا أخرى، جميعها ليست بالخطورة ذاتها، ولكن رغم ذلك كانت مؤثرة. خلال تفشي إنفلونزا هونغ كونغ عام 1968، توفي مليون شخص بجميع أنحاء العالم، من بينهم 100 ألف في الولايات المتحدة، معظمهم من كبار السن الذين تجاوزوا 65 عاما. ولا يزال هذا الفايروس ينتشر كإنفلونزا موسمية، لكن مساره القاتل الأوّلي -مع الخوف الذي رافقه- نادرا ما يتذكره أحد.

كخلاصة يمكن أن تحدث النهاية ليس بسبب التغلب على المرض، ولكن لأن الناس يتعبون من حالة الذعر ويتعلمون التعايش مع المرض.

20