نهاية موسم الدموع وتايتانيك الفقراء

السبت 2016/01/23

هذا هو تمام ما يحدث في مشرقنا ومغربنا العربي المنكوب بناسهِ وبالغزاة. في أوّل أيام الاشتعال الغبي، يُصدَم الناس بمقتل واحدٍ وجرح خمسة أوادم. تتراكم أيام الموت مع زخيخٍ تلفزيوني هائل وإظهار لجثث الضحايا وزيادة عددية لافتة، فيزداد الألم وتتعالى صرخات الاعتراض والاشمئزاز والتعاطف. تتحول البلاد إلى متوالية متصلة من التوابيت، وتنزرع الأرض العراء بخيام الذلّ والجوع والبرد والمهانة، فيضاف إلى المشهد المخزي مقطعٌ ملون يستدرج الدمع ويزيد العديد من الشعرات البيض في الرأس والمنابت. بعدها بشهور سيبدأ العدّ التنازليّ لقياس منسوب القهر في الدم، فتتفرج الرعية التي صارت مثل قطيع طيّب مسالم، فترى بعينٍ جثث الأبرياء الكثيرة، وبالعين الأخرى ما تيسر من أثاث يلبط بماعون العشاء. يصير الموتُ عادةً ويتحول أهل العزاء إلى شحاذي مواساة، ويصير خبر موت ثلاثة خبرا ثانويا غير مقروء، لأنّ العادة الآن هي بموت وسبي ومصيبة الحشود.

في موسم الثلوج والمطر والريح القوية العاوية، كانت صفحات الفيسبوك تكتظّ بالمرثيات والعطف والبكاء الذي يكاد ينزل من كلّ حرفٍ مرسوم على الصفحة، أما اليوم فإنّ مشهد الكارثة قد بدا للناظر، مثل تحصيل حاصل بعد أنْ تدبّغتْ الجلود والعقول والعيون بمرأى الموت الشاسع.

قبل ثلاثة شهور مثلا، كانت قلوبنا تغرق مع الغارقين المحمولين ببطن سفينة أو قارب اسمه “تايتانيك الفقراء” وكانت صورة طفلٍ منفوخٍ على ساحل المتوسط، كافية لرفع الصوت أو الترحّم أو الدعاء، لكنّ غرقى الآن لن يحصلوا حتى على ربع آهةٍ. بنك الدمع يجفّ ومصرف الدم لم يعد بحاجة ملحّة لمتبرّع، لأنّ الجثث كريمةٌ ولا تكلف الناس بعض دمها.

في باب الحرامية والخيانات، يتمّ الكشف ببلاد ما بين القهرين العظيمين عن سرقة مليارات ممليرة من دولارات الحرام، فتتحول التلفزيونات والجرائد والندوات إلى عياط ولغوة.

الناس تشتم وتلعن، والحاكمين اللصوص ممتنّون وفرحون لسباب الرعية، وفي نهاية التمثيلية، سيبقى الحرامي على كرسي الحكم، ويبقى المحتج راسخا على حنجرة الاعتراض المسموح به، في ألعن وأسوأ تطبيق لديمقراطية الغفلة فوق الأرض.

24