نهب آثار العراق والكوارث التي حلت بإرثه الثقافي

معدو كتاب "الكارثة: نهب آثار العراق وتدميرها" يعترفون بأن ما حدث لم يكن مجرد سرقات ونهب عشوائي لمواقع أثرية ومتاحف، وإنما كان تدميرا مبرمجا.
الجمعة 2018/05/11
استهداف جذور العمق الحضاري الذي تفرّد به العراق تاريخيا

ما حدث في العراق، إثر الاحتلال الأميركي، لم يكن مجرد نهب عشوائي للمتاحف والمواقع الأثرية، بل كان تدميرا مبرمجا يستهدف تهشيم الذاكرة الجمعية للبلد وتحويلها إلى صفحة بيضاء يسهل على الطارئين استبدالها بذاكرة مزيّفة. ولم تكن غاية المتسللين من وراء الحدود سرقة نفائسه الأثرية وبيعها لتجار الآثار في العالم طمعا في المال، بل الانتقام منه وإعادته إلى العام صفر.

تختلف الروايات حول القطع المنهوبة من المتحف العراقي، فما بين تصريح المحقق الأميركي في حادثة النهب ماثيو بوكدانوس بأنّ عدد القطع المفقودة من 12 ألفا إلى 14 ألف قطعة، فإنّ رقم مدير المتحف العراقي دوني جورج يرفع الرقم إلى 15 ألف قطعة، في حين كانت تقارير صحافية ترفع الرقم إلى 170 ألف قطعة، والتي تُشكل مجموع محتويات المتحف.

كتاب “الكارثة: نهب آثار العراق وتدميرها”، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بدعم من مؤسسة مسارات التعايش الثقافي في الشرق الأوسط، يبحث في هذا الموضوع من خلال 14 مقالة، سبع منها لأكاديميين أميركيين متخصصين في الآثار العراقية هم إليزابيث سي. ستون، مغواير جبسون، جون م. راسل، كاثرين هانسن، كليمنز رايشيل، وباتي كيرستينبليت، وسبع أخرى لباحثين عراقيين هم عبدالأمير الحمداني، عبدالسلام صبحي طه، وزينب البحراني.

أعدّ الجزء الإنكليزي من الكتاب، الصادر عن متحف المعهد الشرقي في جامعة شيكاغو عام 2008، كل من كاثرين هانسن مديرة المعهد الأميركي للأبحاث الأكاديمية في العراق، والآثاري جيف إمبرلينغ، الذي عمل منقبا في العديد من المواقع الأثرية في الشرق الأوسط، وترجمه وحرّره عبدالسلام صبحي طه.

تداول دولي غير شرعي بالآثار العراقية المسروقة والمهرّبة
تداول دولي غير شرعي بالآثار العراقية المسروقة والمهرّبة

يتناول الكتاب، الذي يتألف من قسمين، أربعة محاور، الأول يغطي الأبعاد الكارثية على الحقل الآثاري جراء حصار العراق في التسعينات بُعيد حرب الخليج، خاصة في ما يتعلق بالنبش المتفاقم للمواقع الأثرية في أمهات الحواضر السومرية من قبل لصوص الآثار المحليين، وبالتعاون مع المهربين الدوليين، إضافة إلى جهود وقف هذه السرقات بعد 2003.

ويتعلق المحور الثاني بحادثة نهب المتحف العراقي إبان دخول القوات الأميركية بغداد في أبريل 2003، حيث اعتمد هذا المحور على شهادات لآثاريين محليين وعالميين، مع الوقوف على تفاصيل الجهود المبذولة لإحصاء الخسائر والطرق التي اتُبعت لإيقاف التداول بهذه الآثار عالميا.

ويتناول المحور الثالث نتائج عسكرة القوات المحتلة في أمهات الحواضر العراقية القديمة، والمخاطر المترتبة على ذلك، وجهود المتخصصين آنذاك لثنيها عن استمرار تواجدها في تلك المواقع.

وينقّب المحور الأخير من الكتاب عما يحصل من تداول دولي غير شرعي بالآثار العراقية المسروقة والمهرّبة والتي تفتقر إلى شهادات تنقيب وملكية وتصدير صريحة، فيتناول بعضا من قضايا موثّقة تم تداولها في الإعلام العالمي، بحق مقتنين أثرياء، ودور مزادات، إضافة إلى جامعات ومراكز بحوث، وطرق الاحتيال التي تُمارس رغم عن التشريعات القانونية الدولية التي تحرّم الاتجار بالإرث الثقافي.

من أبرز المقالات التي تفضح الدور الأميركي في عملية نهب الآثار، مقال الأكاديمي مغواير جبسون الذي يشير صراحة إلى مشاركة الكادر الأكاديمي والعلمي الأميركي في عمليات النهب والتشجيع عليها داخل العراق، معترفا بأن بعضا من زملائه كانوا يقدمون المساعدة لبعض التجّار والجامعيين في المصادقة على القطع المسروقة من العراق.

 كما يرصد ما نُشر في المجلات والصحف الأميركية من مواد كانت تحث التجار -في ظل التقلبات الاقتصادية عام 2007- على التوجه إلى تجارة الآثار.

الكتاب في مجمله وثيقة مهمّة جدا لإحصاء الخسائر والكوارث التي حلت بالإرث الثقافي العراقي، ويحذر من أخرى قادمة، ويصب في إطار الجهود الحثيثة للحفاظ على هذا الإرث، الذي يشكّل أحد الأركان المهمة المؤسسة للهوية الوطنية العراقية.

ويعترف معدو الكتاب، في النهاية، بأن ما حدث لم يكن مجرد سرقات ونهب عشوائي لمواقع أثرية ومتاحف، وإنما كان تدميرا مبرمجا يستهدف جذور العمق الحضاري الذي تفرّد به العراق تاريخيا، ليسهل محو ذاكرته بتفتيت هوية أبنائه وتهشيم صورته المستقبلية.

15