نهج الباشا بوابة عتيقة إلى تاريخ تونس

طلبة وهواة الفن والمسرح يرتادون مقاهي نهج الباشا وسط المدينة القديمة ليسترجعوا تاريخ المماليك والعائلات الأندلسية والبايات من خلال القصور والبيوت.
الأربعاء 2018/04/04
سحر الهندسة المعمارية يجمع التونسيين والأجانب

تونس – يجلس طلبة وهواة للفن والمسرح على جانبي زقاق ضيق يعج بالمارة والسياح وهم يدخنون النرجيلة بينما تتهادى الأدخنة إلى مبنى قديم لولي صالح محاذ للمقهى، يتصدره باب نصف دائري يرجع إلى العصور الوسطى.

يقول فراس -وهو طالب يدرس الميكانكا- إن أكثر ما يستهويه عندما يجلس في المقهى المطل على “نهج الباشا” الشهير داخل المدينة القديمة، هو أن يتخيل المكان والبنايات على هيئتها القديمة، وهي تضج بحركة السكان القدامى وباعة الأقمشة والعطور في الزقاق.

يضيف فراس الشارني -وهو من الشباب الذين ولدوا وترعرعوا في”نهج الباشا” في العاصمة تونس- “نحن نتعايش باستمرار مع التاريخ هنا، إنه حاضر معنا في كل مكان وفي كل بناية، كل زاوية تخبرنا عن قصص وروايات وحتى أساطير”.

يؤدي الزقاق المتموج أحيانا، بشكل مباشر إلى “نهج الباشا” حيث تنتشر مجموعة حضائر داخل بنايات متداعية، وقصور قديمة، من أجل إعادة ترميمها وصيانتها. ويخضع منزل عائلة فراس الذي ورثته عن الأجداد للصيانة أيضا وهذا أحدث عبئا ماليا كبيرا على كاهل العائلة.

وسط النهج يبرز الفندق العتيق ذو الشهرة الواسعة في الحي “دار بن قاسم” بمعماره الخليط بين الأندلسي والأمازيغي والروماني، لكن الباب الخارجي ومثل أغلب قصور نهج الباشا لا يوحي مطلقا بما يخفيه في الداخل من مساحات وتزويق مذهل.

تحيط بصحن الدار المربع أقواس نصف دائرية مسنودة إلى أعمدة منحوتة جلبت من المواقع الأثرية الرومانية، وخلفها رواق يعلوه سقف خشبي صنع بطراز عربي، يضم ثلاث غرف إحداها مخصصة للأكل واثنتان للزائرين.

وينسحب ذلك التقسيم على الطابق العلوي للدار، لكن تختص كل غرفة بتزويق مختلف عن الأخرى مستلهم من إحدى الثقافات المكونة للتاريخ الحضاري لتونس.

يتوسط صحن الدار ماجل وبئر بينما تعلو سقفه المزركش بالقرمود الأخضر شرفة مطلة على المدينة القديمة تحاكي شرفات قصر الحمراء في إسبانيا.

Thumbnail

تعود ملكية الدار في بداية تشييدها في القرن السابع عشر إلى عائلة برناز التركية العريقة التي ذاع صيتها في مجال القضاء والفقه والتدريس في تونس، قبل أن تنتقل الملكية لاحقا إلى عائلة عنون النافذة في الدولة في القرن الثامن عشر زمن حكم الأمراء الحسينيين.

واستلمت الدار عائلة بن قاسم المرموقة في العام 2006 لتبدأ فيها عمليات ترميم واسعة وتهيئة بعناية فائقة إلى حين افتتاح الفندق للزائرين بحلته الجديدة المنمقة عام 2013.

يقول زبير الموحلي مدير جمعية صيانة مدينة تونس، “تحويل دار بن قاسم إلى دار ضيافة كان يمثل تحديا، فمن جهة يجب المحافظة على الطابع التقليدي للمنزل ومن جهة ثانية يجب توفير كل الخدمات العصرية التي نجدها في الفنادق”. لم تجد ليلى بن قاسم صاحبة الدار حرجا في أن تتحول من اختصاص الهندسة الطبية إلى خبيرة ومستثمرة في التراث لتبدأ في تحقيق حلمها بتحويل البناية العريقة إلى فندق جذاب ومختلف. واليوم يتجاوز مشروع دار بن قاسم مجرد فندق صغير في مدينة تونس القديمة، إلى مغامرة للإبقاء على تراث معماري وفني وتمكينه من الاستمرارية على الرغم من الكلفة الباهظة لهذا التحدي.

تقول ليلى عن هذه التجربة “في بعض الأحيان أجلس في بهو الدار، انظر إلى الجدران المنتصبة منذ قرون غير مصدقة أن هذا الحلم قد تحقق فعلا”.

وتضيف الخبيرة قائلة “تخبرنا الدار عن اللحظات السعيدة والحزينة التي عرفتها على مدى ثلاثة قرون، وعن الحرفيين التونسيين الذين حافظوا على حرف في طريقها للاندثار مع غزو المصنوعات الحديثة”.

تذكر روايات المؤرخين المتناقلة في “نهج الباشا” حيث تنتصب الدار، أنه كان عرضة للنهب والسطو عند اجتياح الإسبان لمدينة تونس في العام 1535، لكنه أيضا رحب كباقي أنهج وأزقة المدينة القديمة بالمهجرين اليهود من أوروبا والأندلسيين المنفيين من إسبانيا بعد سقوط غرناطة في العام 1492.

كما يذكر مؤرخو المدينة أن نهج الباشا كان أكثر أنهج المدينة القديمة قبلة للمماليك والعائلات الأندلسية، فعلى مقربة من دار بن قاسم يقع مقر سكن عائلة “الأخوة” الموريسكية كما نجد قصور عائلة بلقاضي والنيفر وبن خوجة والمحجوب وعنون.

Thumbnail

ويستمد نهج الباشا أهميته من كونه كان يضم فضلا عن تلك القصور والعائلات، مقر الباشا ممثل السلطان العثماني في تونس، بدءا من العام 1574. ويعني ذلك أن هذا النهج كان يمثل في الربع الأخير من القرن السادس عشر المقر الأول للسلطة السياسية في البلاد.

تحول مقر الباشا لاحقا إلى مقر ملحق للعسكر توزع فيه مرتبات الجنود وموظفي الدولة العثمانيين ويمكن ملاحظة مسجد قريب يضم ضريح قائد عسكر تونس مصطفى داي المتوفى عام 1666، لكن السلطة تحولت تدريجيا إلى البايات في منطقة باردو ومن ثم إلى قصر القصبة، مقر الحكومة اليوم.

ويمثل هذا الامتداد والترابط التاريخي بين الأمس واليوم، أمرا مثيرا وملهما للوافدين من السياح والمستكشفين لمدينة تونس القديمة.

يقول عامل الاستقبال في دار بن قاسم “أغلب الزائرين المقيمين في الدار صحفيون ونشطاء في منظمات دولية ودبلوماسيون أوروبيون، يحب النزلاء هنا أن يعملوا في هدوء وأن يتعايشوا مع الحقبة القديمة”.

بجانب دار بن قاسم يجري العمل على قدم وساق لترميم مدرسة “بئر الأحجار” التي أمر علي باشا ببنائها في منتصف القرن الثامن عشر لتكوين المؤدبين.

وتلعب المدرسة اليوم دورا ثقافيا محوريا في احتضان العروض الموسيقية والمعارض الفنية والأمسيات الشعرية بالمدينة القديمة، بجانب المكتبة العاشورية ومعهد الموسيقى الرشيدي. لكن أقدم معالم نهج الباشا قطعا هو “مسجد سيدي حديد” الذي يعود إلى القرن الثالث عشر، نسبة إلى الشيخ سيدي أبوحديد أحد المقاومين الأشداء للحملة الصليبية التي قادها الملك الفرنسي لويس التاسع على تونس عام 1270.

بالنسبة لليلى بن قاسم، فإن أكبر تحد تواجهه المعالم التاريخية في “نهج الباشا”على أهميتها وثرائها، هو الصمود أمام تقلبات قطاع السياحة في تونس بجانب الصعوبات اليومية المرتبطة بالكلفة العالية للصيانة والترميم.

20