نهر النيجر رئة مالي تشكو صعوبات في التنفس

إذا قيل قديما إنّ مصر هبة النيل، فإنّ مالي لا يزال يتنفّس إلى اليوم من رئته العظيمة المتمثلة في نهر النيجر.. يعدّ بلا منازع، شريان الحياة الحقيقي في بلد ليس لديه ساحل بحري.. ويمرّ عبر العاصمة باماكو جنوبا، ومدن تمبكتو وجينيه وغاو وموبتي شمالا ووسطا، ليغذي مساحات شاسعة من الأراضي، ويغدق على أهاليها خيراته من الأسماك، لكنّ هذه الثروة باتت مهدّدة بالتراجع المخيف.
الاثنين 2015/05/25
نهر النيجر شكل دائما شريان الحياة للماليين، لكن استغلاله المفرط ينبئ بتراجع ثرواته

يعدّ نهر النيجر النهر الرئيسي في غرب أفريقيا.. يمتد طوله إلى حوالي 4200 كلم، وتقدّر سعة حوضه بـ1.1 مليون كلم²، ينبع من غينيا، ويعبر مالي والبلد المسمّى باسمه قبل إتمام مساره في نيجيريا. ويمتد على واحدة من أكثر المناطق التي تغمرها المياه في الكوكب تسمى دلتا الداخلية.

تمثل الأرض التي يشع عليها النهر قرابة 35 ألف كلم2 في مالي، حيث تتيح للحيوانات والنباتات البقاء في بيئة سكنية ملائمة، وتوفر موارد لا تقدر بثمن لنحو مليون شخص ينظمون حياتهم حوله، خاصة المزارعين ومربي الماشية والصيادين شبه الرحل الذين يتنقلون في مساراته حسب المواسم.

عندما ينتهي موسم الأمطار في شهر أغسطس، يسارع الصيادون إلى قواربهم، للإقبال على إحدى أهم الحرف المرتبطة بالنهر وهي صيد الأسماك وتصديرها. وتوجد منطقة الصيد الرئيسية في مالي، في دلتا الداخلية، وتمثل 80 إلى 90” من الإنتاج الوطني. وعندما تكون الفيضانات في مستوياتها القصوى يبلغ الصيد السنوي من الأسماك 130 ألف طن، وفقا للبيانات الرسمية.

هذا النهر هو إذن رئة مالي التي تجلب المياه والرواسب ليستفيد منها المزارعون والصيّادون وجميع الماليين. فعلى ضفافه في منطقة باماكو يمكن رؤية نساء غالبيتهن من المسنّات يعتنين بزراعة الخضروات، والقطن والبنجر والبصل والطماطم بفضل مياه النهر قبيل جمع الحصاد، ثم بيعه إلى المطاعم أو سكان باماكو.

وعلى بعد أمتار قليلة من براري المزارعين، يمكن أن نلمح فئة الغاسلين يقومون، رجالا ونساء، بغسل الملابس على حافة النهر، وعادة ما يأتون للغرض منذ الصباح الباكر، وأيديهم مليئة بالملابس الخاصة بعملائهم من سكان باماكو.

تقول إحدى عاملات بهذا النمط التقليدي من التنظيف “أغسل البنطلون الجينز مقابل 50 فرنكا ماليا، (بما يعادل عشر دولار)، بينما الغطاء بـ250 فرنكا ماليا (نصف دولار)”.

النهر فقد بضعة كيلومترات من طوله وزاد تآكله بسبب النهب المستمر لرمال النهر، وتكاثر السدود الكهرومائية

ومع ذلك، تعاني مياه نهر النيجر استنزافا هائلا، من المنبع إلى المصبّ، بسبب الإفراط في الاستغلال والتغيّرات المناخية والسدود الكهرومائية المنتشرة في مسارها.

في هذه الفترة من السنة، تسري المياه بقوّة بسبب الموجة الأولى من الأمطار التي تعلن عن قدوم موسم هطول الأمطار، في حين تقلل السدود الكهرومائية الواقعة عند منبع النهر كثيرا من كمية الأسماك التي تصل إلى باماكو.

يقول عثمان كونتا، صياد في العاصمة المالية، “أنا هنا منذ الساعة الثانية بعد الظهر، ولكن لم أتمكن طيلة 3 ساعات من صيد كمية كبيرة من الأسماك. السدود الكهرومائية التي نحدثها هنا وهناك على النهر تتسبّب في عدم وصول الأسماك إلى باماكو”.

التوازن في حوض النهر يتعرّض هو الآخر لعملية تآكل واختلال كبيرة منذ سنوات بسبب عمليات الإزالة المفرطة للرمل والحصى من قبل ما يقارب 15 ألف صياد للرمال يذهبون يوميا لاستخراج الرمال والطين المستخدم في عمليات البناء والتوسع العمراني في العاصمة باماكو، كما نبهت دراسة حديثة لباحثين من المعهد الفـرنسي لبحوث التنمية.

وقد أدت عملية التجريف هذه أيضا إلى انخفاض كمية الطمي التي توفرها مياه النهر، ممّا أدّى إلى تسجيل تراجع في الأراضي الصالحة للزراعة، فضلا عن انخفاض إنتاجية صيد الأسماك. التآكل السنوي لحوض النهر يبلغ اليوم عدة سنتيمترات سنويا، تضاف إليه التغيّرات المناخية التي تهدّد سلامة النهر. وسبق خلال فترة الجفاف الكبير بين 1984-1992 أن انخفض مستوى النهر بشكل كبير كما فقد بضعة كيلومترات من طوله.

وإزاء هذا الوضع، كثفت مؤخرا منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) من مشاريع إنقاذ نهر النيجر، مشدّدة على الحاجة الملحّة للحفاظ على ما سمته بـ”الموقع الاستثنائي” حتى يتعايش فيه الإنسان والطبيعة في وئام دائم، ولكن يبقى على الماليين التوقّف عن استنزاف النهر بشكل مفرط كي يواصل الاستفادة من ثرواته.

20