نهر النيل يتحوّل في أسوان إلى بطل درامي

إسقاط المكان على فكرة المسلسل التلفزيوني يبرز جمال الصورة على حساب النص.
السبت 2020/02/15
"ختم النمر".. دراما أم ترويج سياحي؟

تحوّلت مدينة أسوان في جنوب مصر، إلى ملتقى لتصوير المسلسلات في الموسم الدرامي الشتوي مع سعي بعض المخرجين إلى إكساب أعمالهم مشاهد جمالية غير معتادة. وتغاضوا عن مغايرتها لطبيعة القصة المطروحة ومكونات المدينة متعددة الثقافات واللهجات المحلية، التي استقطبت على مدار تاريخها تركيبة سكانية متباينة من جميع محافظات مصر.

يمثل اختيار المكان المناسب لتصوير الأعمال الدرامية عنصرا أساسيا في إكسابها مصداقية، واختيار الخطوط العريضة التي تحكم طبيعة صناعتها من زاوية لهجة فريق التمثيل والأزياء والديكور، لكن بعض المخرجين يتغافلون عن تلك القضية بقصد أو دون قصد، لاعتبارات إنتاجية أو لأهداف اقتصادية، وربما استجابة لضغوط بعض النجوم الذين يرفضون أماكن محددة للتصوير، والتي لا تتناسب مع نسقهم الحياتي.

ويتضمن الموسم الدرامي الشتوي الحالي بمصر العديد من المسلسلات، اختار مخرجوها مدينة أسوان لاحتضان غالبية الأحداث أو جزء منها، لتمثل انتقاء غير موفق لأعمال تركز على قضايا تخصّ سكان جنوب مصر (الصعيد) كالثأر والتنافس بين القبائل والعائلات، والتي محلها أيضا محافظات أخرى مشهورة بمكوناتها القبلية، التي يلعب شيوخ القبائل دورا اجتماعيا في حياة أفرادها، وأحيانا سياسيا في انتخابات نواب البرلمان مثلا.

وتعرض بعض الفضائيات المصرية ثلاثة أعمال، تدور غالبية أحداثها وقصصها في مدينة أسوان، بدرجات مختلفة، وأبرزها “ختم النمر”، بطولة المصري أحمد صلاح حسني والفنانة السورية نسرين طافش، و“بت القبايل (بنت القبائل)”، بطولة محمد رياض وحنان مطاوع وعمرو عبدالجليل، إلى جانب مسلسل “بخط الإيد”، بطولة أحمد رزق وإيمان العاصي ويسرا اللوزي، والذي صوّرت العديد من مشاهده في أسوان، وفي هذه المسلسلات يبدو نهر النيل عنصرا مشتركا في الصورة، وحضرت بقوة مدينة أسوان كمكان سياحي جذّاب.

ويدور مسلسل “ختم النمر” حول الصراعات بين الشركات السياحية الصغيرة والكبيرة في أسوان، وطرق استقطاب الأفواج الأوروبية الوافدة إلى المدينة، وسياسة حرق الأسعار التي يلجأ إليها البعض من أجل الفوز بأكبر عدد من الزائرين.

حيتان السياحة

يبدأ المسلسل، بمشهد حول عمر النمر (أحمد صلاح حسني)، صاحب شركة سياحية، في إحباط تهريب عصابة لتمثال ملكة فرعونية يتورّط فيها صديق عمر مع مجموعة من الأجانب، وتحوّله إلى بطل شعبي، ويصمّم على محاربة عصابات التهريب في النوبة التي تظهر معالمها المميزة باستمرار، ببيوتها البيضاء والزرقاء المطلة على النيل.

ومع مرور الأحداث يتحوّل المسلسل إلى عمل رومانسي يتضمن حبكة معتادة عن شقيقين ينجذبان إلى الفتاة ذاتها، فيقرّر أكبرهما (عمر) التضحية وترك المجال لشقيقه (سعيد)، بعدها يدخل عمر في علاقة حب جديدة تغيّر حياته، وتتعقّد القصة باكتشافه إخفاء والده عنه أن والدته الحقيقية لا تزال على قيد الحياة فيقرّر مقاطعته، لتصبح أسوان كمكان مجرّد خلفية للأحداث.

أحمد سعد: البناء الدرامي، هو الفيصل في اختيار أماكن التصوير
أحمد سعد: البناء الدرامي، هو الفيصل في اختيار أماكن التصوير

وأكد بطل المسلسل أحمد صلاح حسني، أن اختيار أسوان ارتبط بطبيعتها الرومانسية ومحاولة تقديمها كإحدى أجمل المدن السياحية في العالم، ما يفسّر أسباب الزج بالبيوت النوبية الساحرة وأماكن الجذب في العمل باستمرار، وتركيزه هو نفسه كمخرج أيضا للعمل على تصوير 250 مشهدا في أسوان خلال 12 يوما فقط.

وأثار مسلسل “بت القبايل” الذي تدور أحداثه في جنوب مصر، الجدل حول حيثيات اختيار مدينة كوم أمبو بمحافظة أسوان، لتجسيد قصته الملحمية التي تدور عن صراعات بين العديد من القبائل، تظهر فيها بطولة فتاة اسمها رحيل (حنان مطاوع) تمارس الفروسية، وتحمل “النبّوت” مثل الرجال، وكثيرا ما تفرض قراراتها على مجتمعها الذكوري.

وأولى المسلسل اهتماما بصراع الدم مغيّرا لطبيعة مجتمع أسوان الذي لا يعرف العائلية أو القبلية بالمعنى المتداول في باقي محافظات جنوب مصر، ولم تشهد حوادث ثأر متوارثة، مع طبيعتها السياحية التي غيرت من تركيبتها الاجتماعية، والتي جذبت إليها سكانا من أماكن متباينة في مصر نجحوا في تغيير أفكارها ولهجتها وفي السلوك وروابط الزواج.

وتضم أسوان أبناء قبائل بعضها ينتمي لأصول عربية، مثل الجعافرة وبني هلال وأخرى من أصول نوبية كالبشارية، ويجمعها الاعتزاز بالنسب وحفظه حتى الجد العاشر كنوع من التباهي، لكنها لا تشتبك مع بعضها بالصورة الدارجة في المناطق المجاورة، ولم تشهد على مدار تاريخها عنفا مسلحا إلّا نادرا.

ويرتكز المسلسل الذي يمثل أول ظهور للمخرج حسني صالح بعد غياب امتد لنحو عشر سنوات، على النيل في خلفيته باستمرار، ففي مطلع المشاهد والفواصل تظهر المناظر متناثرة على الصخور بجوار النهر وترتبط أحداث القتل والانتقام وحتى الاختطاف، على شاطئه ليبدو بطلا خفيا ومحركا للأحداث الدموية، وسلوى لمرتكبيها وضحاياها على حد سواء.

جدل الثأر والدراما

“بت القبايل” صورة مغايرة للمرأة الصعيدية
“بت القبايل” صورة مغايرة للمرأة الصعيدية

يشعر المشاهدون أحيانا بصراع بين عالمين في الحلقة الواحدة؛ في قصور فاخرة تتضمن حمامات سباحة فسيحة وسكانها من السيدات يظهرن بأزياء تراثية ولا يتخلين عن غطاء رؤوسهنّ حتى أمام الأسرة، فيتساءلون عن جدوى تلك الحمامات ومن يستخدمها، أو الاعتماد على الخيول في الحركة، رغم وجود السيارات الفاخرة المتوقفة، ليبدو الأمر كما لو كانت عوالم متصارعة في مكان واحد.

ويسعى مسلسل “بت القبايل” إلى تقديم رسالة حول ضرورة التوقف عن الثأر واستبدال التسامح بدلا من الغل والحقد، وغل اليد عن استخدام السلاح في تصفية الخلافات، فالنبّوت وإن كان يكسر العظام لكنه يفتح مجالات للتقييم ولا ينهي الحياة من الضربة الأولى، إلّا أن فكرة العمل تضيع في خضم التطويل المبالغ فيه، فبعض المشاهد شديدة الطول كاختطاف ابنة رحيل الذي استمر لثماني دقائق أو بكائها عليها بعد الموت الذي امتد لخمس دقائق كاملة.

وظهر التناقض واضحا بين سير مسلسل يفترض تركيزه على المرأة وتصوير النساء في مجتمع أسوان في صورة كائنات تتلقّى الشتائم والإهانات من الذكور ليلا ونهارا دون رد فعل أو اكتراث، رغم أن طبيعة المجتمع هناك بعد اختلاطه بالثقافات الأخرى ممثلة في السياح، تجعلها ربما في مكانة أفضل كثيرا من الصعيديات بوجه عام.

ويقول البعض من النقاد، إن الأعمال الصعيدية بالذات تتطلب حنكة في التعامل والسلوك لطبيعة سكان جنوب مصر الذين يتمسّكون كثيرا بقيم تتعلق بالنخوة والشرف، وإن لديهم حدودا لا يمكن تخطيها، ولم يراعها السيناريو، كاقتحام السيدات جلسات الرجال لرفض عرض زواج، أو أن تصبح فتاة رغم حداثة سنها زعيمة عليهم.

حضر نهر النيل بقوة في الأعمال الثلاثة، التي تساهم في إنتاجها شركة “سينرغي” التابعة للدولة، ربما لتوجيه رسائل سياسية في خضم أزمة سد النهضة مع إثيوبيا، لطمأنة الجبهة الداخلية بأن ارتباط مصر بالنهر تاريخي وحتمي ولا يقبل المساومة.

وقال الناقد الفني أحمد سعد، لـ“العرب”، إن البناء الدرامي يجب أن يكون الفيصل في اختيار أماكن تصوير المسلسلات، فالدراما ليس هدفها الترويج لمناطق سياحية أو إظهار متاحف ومقاصد لربطها بالمكان، إذ أن مسلسلات درامية صعيدية مثل “ذئاب الجبل” و”الضوء الشارد” لم يعرف الجمهور مكان أحداثها، فالمهم هو القصة وتصويرها في مكان يناسبها.

وحرص أغلب الممثلين على الترويج للمقاصد السياحية بأسوان طوال إقامتهم بها للتصوير، حيث تراوحت بين 3 و15 يوما، بنشر صور مكثفة عن المعابد والرحلات النيلية وحتى الأسعار ليبدو الأمر كما لو كان ترويجا مقصودا، وكان البعض منهم أكثر وضوحا حينما أكّدوا أن المدينة مثلت فرصة للعمل والاستجمام في الوقت ذاته، واصطحبت الفنانة حنان مطاوع زوجها وابنتها معها خلال التصوير ليصبح الأمر كما لو كان رحلة عائلية.

13