نهم الميليشيات للمال يضاعف أعباء العراق في زمن الأزمة

الحشد الشعبي الذي يسوّق في العراق باعتباره “مقدسا” يشكل ورقة ضغط أخرى على رئيس الوزراء حيدر العبادي، ليس فقط بسبب ثقل مصاريفه على خزينة الدولة المنهكة، بل أيضا باعتباره أداة سياسية في أيدي المتنفذين المعارضين للإصلاح حماية لمواقعهم وحفاظا على مكاسبهم.
السبت 2015/11/21
الميليشيات أوراق ضغط سياسي بأيدي مناهضي الإصلاح

بغداد - تضع المطالب المالية المتزايدة لقادة الميليشيات الشيعية الناشطة في العراق ضمن ما يعرف بالحشد الشعبي، عقبة جديدة في طريق حكومة حيدر العبادي التي “تقاتل” على أكثر من جبهة لإنقاذ الدولة من حالة الإفلاس والانهيار التي تواجهها بجدية في ظل الظروف الأمنية والسياسية والاقتصادية بالغة الحساسية والتعقيد.

ولا تطرح قضية تمويل الحشد الشعبي، الذي يوصف بشديد “النهم” للأموال بسبب كثرة أعداد منتسبيه وتعدد متطلباته من رواتب للمقاتلين ومساعدات لعوائلهم وتعويضات لمن يُقتل أبناؤهم في الحرب فضلا عن حاجاته الكثيرة للأسلحة والذخائر ومختلف المعدات، إشكالية ذات طبيعة مالية فحسب، في ظل الأزمة المالية الحادة الناجمة عن تراجع أسعار النفط، بل تطرح على رئيس الحكومة حيدر العبادي تحدّيا ذا طبيعة سياسية.

فالعبادي الذي يواجه خصوما سياسيين أشداء أغلبهم على صلة ما بالميليشيات، ويعملون على عرقلة إصلاحاته خوفا على مراكزهم ومصالهم، مهدّد بـ”تهمة” الوقوف في وجه الحشد الذي لا يتردّد البعض في وصفه بـ”المقدّس”، وفي تسويق صورة له باعتباره المنقذ والمخلّص من تنظيم داعش.

وأمام تراجع الإيرادات جراء انخفاض أسعار النفاط، يخطط العراق لإجراء تخفيضات واسعة النطاق في الميزانية التي يذهب حوالي 72 بالمئة منها للرواتب وحدها. وينتظر أن ينخفض الإنفاق الحكومي نحو عشرة بالمئة إلى حوالي 95 مليار دولار.

وتشتكي الفصائل الشيعية المسلحة المدعومة من إيران والمنضوية تحت قوات الحشد الشعبي من أن حكومة بغداد تخطط لاستبعاد عشرات الآلاف من عناصرها بدلا من قبول طلبها تمويل 156 ألف مقاتل العام المقبل.

ونفى سعد الحديثي، المتحدث باسم رئيس الوزراء حيدر العبادي، أي نية لخفض الوظائف لمقاتلي الحشد الشعبي. وقال إن حوالي مئة ألف فحسب سجلوا في عام 2015، وإن الحكومة ستواصل تمويلهم بتكلفة حوالي مليار دولار لكنها ستلغي 50 ألف راتب مخصصة لمقاتلين كان من المتوقع تسجيلهم لكن ذلك لم يحدث.

ويعكس هذا الخلاف رفضا لسيطرة الحكومة بشكل مباشر على الحشد الشعبي الذي يدار من مكتب رئيس الوزراء لكنه يتشكل من مقاتلين لهم صلات وولاءات لعدة أشخاص من قادة الفصائل والسياسيين والزعماء الدينيين.

وقال سجاد جياد، المحلل العراقي الذي يقدم المشورة للحكومة، “يفضل الحشد الشعبي الحصول على مبلغ إجمالي لتوزيعه على المقاتلين، إذ يعتبره مناسبا للسيطرة على ميزانيته الخاصة كما هو الحال بالنسبة إلى وزارتي الدفاع والداخلية، لكن الحكومة لا تريد الموافقة على ذلك”.

وكشف أحمد السعدي المتحدث باسم قوات الحشد، أن قادة الأخير يطالبون بمبلغ إضافي يقدر بـ550 مليون دولار لتوفير أسلحة وذخيرة وغيرها من المستلزمات.

وأضاف جياد أنه بضغط الإنفاق العام المقبل، يأمل العبادي في منع تحول الحشد الشعبي إلى مؤسسة حكومية رسمية قد تدفع قادتها على سبيل المثال لمناصب من خلال الانتخابات المنتظرة سنتي 2017 و2018.

لكن رئيس الوزراء عليه أيضا أن يتجنب النظر إليه كعقبة في طريق الحكومة، وهو أمر قد يجلب عليه انتقادات ويدفعهم للجوء إلى ممولين غير حكوميين.

وازدادت الفصائل العراقية المسلحة التي دربت إيران أغلبها وزودتها بالسلاح، نفوذا منذ اندفعت للصفوف الأمامية في يونيو 2014 بعد إعلان تنظيم داعش قيام ما يسمّى “دولة الخلافة” في مناطق بشمال البلاد وغربها تمتد حتى سوريا.

وتنفي قوات الحشد الشعبي الحصول على تمويل من غير الحكومة العراقية لكن بعض الفصائل التي تقدم آلافا من المقاتلين للحشد الشعبي، تنخرط في إطار منفصل بأنشطة أخرى ويعتقد أنها تحتفظ بموارد تمويل بديلة.

مئة ألف مقاتل يشكلون عبئا إضافيا على ميزانية العراق التي يخصص 72 بالمئة منها للرواتب

ويشكل قادة الجماعات المسلحة والحلفاء السياسيون أحد أكبر التحديات المحتملة للعبادي الذي يكافح سعيا إلى تعزيز سلطاته منذ توليه السلطة في سبتمبر 2014، في ظل وجود مراكز قرار موازية بالبلد، وأيضا شخصيات ذات نفوذ طاغ يختلط فيه الدين والسياسة والمال وحتى السلاح.

ويخشى المؤيدون للعبادي أن منتقديه وخصومه قد يستغلون قضية ميزانية الحشد لتسجيل نقاط سياسية ضدّه. وقال موفق الربيعي، المستشار السابق للأمن القومي، “هناك بالفعل شعور معاد للعبادي.. الناس لا يريدون خسارة مكاسبهم الاقتصادية أو نفوذهم السياسي. ستكون هذه عقبة أخرى أمامه بسبب شهرة الحشد الشعبي”.

وبينما تنفي قوات الحشد الشعبي أن لها أي تطلعات سياسية، فإن للكثير من الفصائل المسلحة أجنحة سياسية وتتمتع بدعم قاعدة شعبية بين شيعة البلاد بعد بعض الانتصارات على تنظيم داعش تم تحقيقها في وقت انهار فيه الجيش مرتين تقريبا أمام مقاتلي التنظيم المحسوب على الطائفة السنية.

وقال السعدي، المتحدث باسم الحشد الشعبي، إن الفصائل المسلحة تتطلع لأن تكون جزءا من المؤسسة الأمنية رغم أن هذا لا يعني بالضرورة الاندماج في مؤسسات قائمة كالجيش والشرطة.

وباعتبار الحشد مكوّنا بالأساس من مقاتلين شيعة، فإن إدماجه في الجيش والشرطة سيحولهما إلى مؤسستين طائفيتين بالكامل. وقال جياد “إنهم يدركون أن الوقت قد حان للحصول على الاحترام الذي يستحقونه من جانب السياسيين وإضفاء صبغة رسمية على علاقاتهم مع الدولة”. مضيفا أن هذا يقتضي تحديد مصادر تمويل الفصائل ووضع ذلك في إطار رسمي.

وفي ديسمبر الماضي وفي إطار إصلاحات ومحاولات لمكافحة الفساد، فصل رئيس الوزراء 50 ألف “جندي وهمي” وهم عناصر من الجيش لم يكن لهم وجود لكنهم مدرجون على كشوف الرواتب. وقد كانت هذه الممارسة التي اتسع نطاقها في ظل الفساد الذي استشرى في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، ضمن أسباب تراجع قوة الجيش وهزيمته أمام داعش.

وتساور العراقيين شكوك في أن المنافسة على التمويل داخل الجماعات المشكلة للحشد الشعبي قد تسببت في تضخيم أعدادها طمعا في الحصول على قدر أكبر من التمويل، كما أن استحالة مراقبة أوجه صرف تخصيصات الحشد، نظرا لغياب الآلية اللازمة لذلك، ترجّح وجود فساد واسع النطاق وتلاعب بالأموال.وقال جياد إن هناك بالتأكيد قلقا في الحكومة من أنه مهما كانت الأموال التي يتم دفعها فإن أوجه صرفها ليست دقيقة تماما.

واعتبر السعدي أن “هذا الكلام مبني على اتهامات زائفة”، قائلا “لو نحسب جبهاتنا وما نحتاج إليه من عتاد سنجد أننا نحتاج إلى ما لا يقل عن إضافة خمسين بالمئة على المخصصات الحالية”.

3