نهوض بعطاء الأبناء

هكذا هي الموصل، وهذا ما كنت أتوقعه من أبنائها، وهاهم جميعا، الفقراء والأغنياء، يعملون من أجل نهضة مدينتهم.
السبت 2018/08/11
حملة واسعة من تبرعات أبناء الموصل إلى مكتبة جامعة الموصل لإعادة ثراءها

منذ أكثر من عام، كتبت في صحيفتنا “العرب” موضوعا بعنوان “الموصل وإنسانها الحضاري” وكما نعرف جميعا، فقد تعرضت محافظة نينوى إلى حجم من الأذى والضرر، ما لم تتعرض له محافظة أخرى، إذ طال أبنيتها وحقولها وإنسانها وامتد إلى شواخص تاريخها العريق وإلى دور العلم والعبادة فيها، ونال من مكتباتها العامة والخاصة بما تضم من مخطوطات فريدة نادرة.

يومها قلت: لم أفاجأ بالحملة الواسعة من تبرعات أبناء مدينة الموصل بمكتباتهم الخاصة العامرة منها والمتواضعة، بجميع ما تضم من كتب ودوريات وموسوعات ومخطوطات، إلى مكتبة جامعة الموصل التي أحرقت على أيدي مجرمي داعش.

وإذ قلت يومها: لم أفاجأ، فذلك آت من معرفتي بالتكوين الحضاري للإنسان في هذه المدينة، ومدى حبه لها، هذا الحب الذي اشتهر به الموصليون في علاقتهم بمدينتهم، حتى صار مضرب المثل.

بعد نشر الموضوع المذكور، تلقيت اتصالات من عراقيين يقيمون خارج العراق ومن مواطنين عرب، من هذا القطر العربي أو ذاك، يفصحون فيها عن رغبتهم في المشاركة بالتبرع بما يتوفر لديهم من كتب، تعيد إلى مكتبة جامعة الموصل ثراءها وبعض ألقها، غير أن الظروف، كانت وما زالت وبفعل تدخل المسلحين من الميليشيات المدججة بالحقد والسلاح، في كل ما يتعلق بحياة المواطنين وأمنهم واستقرارهم، تحول دون وصول الكتب المتبرع بها إلى الموصل ومن ثم إلى مكتبة جامعتها.

إن المدينة القديمة تحولت إلى ركام، وتشرد جراء ذلك عشرات الألوف من المواطنين، ممن هدمت بيوتهم ودمر أو نهب كل ما فيها، غير أنهم لم يستكينوا مكتفين بالشكوى والتباكي، أو انتظار مساعدات الحكومة، وهم يعرفون أنها لن تأتي، فهي مثل “غودو” في مسرحية “في انتظار غودو” للكاتب الأيرلندي صموئيل بيكيت.

لذلك بادر أبناء مدينة الموصل، بجهودهم الذاتية وبتبرعاتهم، كل حسب إمكانياته مهما كانت ضئيلة، بإعادة بناء ما تهدم من بيوت ومن ثم يتبرعون لأصحابها بما يكفي للعيش فيها، فتعود العائلة إلى البيت وتستعيد كرامتها التي استهدفت من قبل الذين هدموها.

منذ أيام كنت أتحدث هاتفيا مع صديقة أكاديمية عادت إلى بيتها بعد إعادة ترميمه، لأطمئن عليها، فوجدتها صامدة شامخة، لا تشكو ولا تتباكى، ولأنها فقدت عملها الجامعي فقد انصرفت إلى دعم مشروع ثقافي بمشاركة عدد من الموصليين من جميع الأعمار والفئات الاجتماعية، حيث تتحول المنطقة القريبة من جامعة الموصل في كل يوم جمعة إلى معرض للكتب والمصادر، ويأتي المواطنون بكتب أبنائهم المدرسية التي ما عادوا بحاجة إليها، لينتفع بها من هم بحاجة إليها، حسب المرحلة الدراسية التي وصلوا إليها، من دون أن يكلفهم ذلك أي مبلغ من المال.

وإذ كنت أتابع هذا المشروع الثقافي الإنساني، هاتفت أحد الأصدقاء من أدباء الموصل، وقد عاد إليها بعد سنين من التشرد والتنقل من بلد إلى آخر، وسألته عن المشروع الذي حدثتني عنه الصديقة الأكاديمية، فأجابني باعتزاز، بأنه غير بعيد عنه، ولم يعد مقتصرا على الكتب المدرسية والجامعية، بل صار مفتوحا للكتب والدوريات الثقافية، وصار المواطن يأتي بما لديه من كتب ودوريات ثقافية، فتعرض ضمن ما يسمى معرض رصيف الكتب، فيقبل الشباب وغير الشباب أيضا، فيختارون منها ما يلائم توجهاتهم في المعرفة والقراءة، وهذه الكتب يتم الحصول عليها مجانا أو بأقل الأثمان، غير أن صديقي هذا قال: إن السلطات المحلية بدل أن تدعم هذا المشروع صارت تحاربه وتضيق عليه.

وهكذا هي الموصل، وهذا ما كنت أتوقعه من أبنائها، وهاهم جميعا، الفقراء والأغنياء، يعملون من أجل نهضة مدينتهم، وهم بهذا لا يعيدون إليها بعض ألقها فحسب، بل يواجهون أيضا جميع الذين حاولوا تدميرها وهزيمة إنسانها.

14