"نوارة".. زيارة جديدة لتبعات ثورة يناير المصرية على الفقراء

الاثنين 2016/04/04
"نوارة" خلف قضبان الحرية

القاهرة- أول ما يلفت الانتباه في فيلم “نوارة” الذي تلعب بطولته الفنانة منة شلبي أنه جاء مختلفا في تناوله لأحداث ثورة 25 يناير المصرية، وتبعاتها على الكثير من الأعمال الفنية التي رصدت الحدث نفسه من قبل.

ثارت مخرجة الفيلم هالة خليل على الثورة، وأظهرت أسوأ ما فيها وما نتج عنها من ترد في الأحوال المعيشية والمجتمعية، فالفقير ازداد فقرا، والمظلوم يعاني أكثر من أصحاب النفوذ والسطوة، وكأنها تنسف من خلال أحداث الفيلم الشعارات التي رفعها الشباب داخل ميادين مصر وشوارعها، وهي “عيش – حرية – عدالة اجتماعية- كرامة إنسانية”، بينما الحقيقة أن شيئا لم يتغير.

“نوارة” التي جسدتها منة شلبي وفازت عنها بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان تطوان الدولي لسينما بلدان البحر الأبيض المتوسط السبت وكذلك جائزة أفضل ممثلة في مهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته الأخيرة، أظهرت فئة مجتمعية دفعت منفردة ثمن تلك الثورة التي ضلت طريقها من محاسبة الفاسدين إلى سيف يقطع رقاب المطحونين داخل سراديب الحاجة والعوز.

أحداث الفيلم ترصد تفاصيل حياة “نوارة” الفتاة البسيطة التي تعيش في حي شعبي ولم تستكمل تعليمها، وإنما سلكت طريق والدتها في العمل خادمة داخل قصر وزير سابق من رجال نظام مبارك – يجسده الفنان محمود حميدة – لتنفق على جدتها – الفنانة رجاء حسين – الطاعنة في السن وتساعد خطيبها – الفنان أمير صلاح الدين – في إتمام الزواج الذي توقف عند عقد القران فقط.

منة شلبي تفوز بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان تطوان بعد فوزها بجائزة مهرجان دبي

بدأ الفيلم بصورة بانورامية للحارة الفقيرة المصرية وما تعانيه من سوء الخدمات والمرافق، حتى ظهرت البطلة تحمل في يديها عبوتين من المياه تحاول جاهدة حملهما بذراعيها الصغيرتين الممددتين من جسد نحيف لتتوقف قليلا تستريح من معاناتها مع حملها الثقيل.

كان صوت مقدمي النشرات الإخبارية وبرامج الـ”توك شو” حاضرا باستمرار في جميع مشاهد الفيلم، حيث استخدمته المخرجة كـ “راو” للثورة ومستجداتها، ما بين مهتم بما يحدث وآخر غير مكترث، ولكي توثق من خلاله فكرتها عن سذاجة الطبقات الفقيرة في ما روّج وقتها عن سهولة استعادة الأموال المهربة أو المنهوبة.

خرجت “نوارة” من الحارة لتدخل في معاناة يومية مع وسائل المواصلات وما بها من زحام حتى تصل إلى أحد التجمعات السكنية الراقية، حيث يسكن الوزير السابق، في مفارقة تظهر التفاوت الكبير في الطبقات الذي يعاني منه المجتمع المصري.

يحمل فيلم “نوارة” قدرا كبيرا من الجرأة، فرغم غياب الإشارات المباشرة، إلا أنه يلمح إلى فساد بعض رجال الأعمال الذين يسيطرون على الدولة، في عبـارة صريحة على لسان محمود حميدة (الوزير السابق) “لا أحد يجرؤ على الاقتراب من هنا مهما كانت سلطته”.

مع تتالي الأحداث وإلقاء القبض على عدد من رموز نظام حسني مبارك، كان البعض الآخر يتمسك بالأمل حتى اللحظات الأخيرة في النجاة من قناعة أنه نظيف اليد وما فعله لم يكن انتهاكا للقانون، غير أن الإحساس بالخطر دفعهم إلى الفرار خارج البلاد.

بعد نجاح الثورة تحولت “نوارة” الحالمة بنصيبها من مكتسبات الثورة التي جاءت لإنصاف الكادحين والمظلومين، إلى خادمة لكلب الوزير فقط، بعد هروب صاحبه خارج البلاد، ومنزل تملأه التحف والمقتنيات باهظة الثمن، في تجمع سكني لم يعد فيه سوى الخدم فقط لحراسة أموال الهاربين.

تمسكت “نوارة” بنظافة يدها وأمانتها رغم حاجتها إلى المال، خاصة أن خطيبها يعاني قسوة المستشفيات الحكومية وما يلقاه والده المريض من معاملة تفتقد للرحمة بافتراش حمام المستشفى أو طرقاته.

أمام سطوة الحاجة يبدأ الخطيب في الضغط على “نوارة” لمجاراته في طمعه بكل المقتنيات الثمينة داخل منزل الوزير السابق، لكنها كانت الضمير الحي الذي يقوّمه في مسعى من المخرجة لتبرئة الفقراء من حالات النهب والسرقة التي صاحبت ثورة يناير في مصر عام 2011.

فيلم "نوارة" يحمل قدرا كبيرا من الجرأة، فرغم غياب الإشارات المباشرة، إلا أنه يلمح إلى فساد بعض رجال الأعمال الذين يسيطرون على الدولة

تتلقى “نوارة” صفعة من شقيق الوزير السابق (الفنان عباس أبو الحسن) الذي جاء بحثا عن أخيه الذي تركه يصارع مصيره منفردا داخل البلاد، بينما ينعم هو في رغد العيش بالخارج، جعلتها تعيد التفكير في عملها، مقررة أنها لن تظل خادمة لأحد.

في مشهد الصفعة رسالة أرادت المخرجة أن توثقها للمتلقي مفادها أن الثورة لن تغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فلم يعد من المقبول على الفقراء أن يبتلعوا الإهانات والقبول بالأمر الواقع بدعوى “أكل العيش”.

لم تجد “نوارة” ما يدفع عنها الأذى سوى الكلب الذي انقض على الرجل وخلصها من بين يديه، وبين الوفاء والغدر تتجلى قدرة المخرجة على التوصيف لفئة باعت البلد ممثلة في الوزير وشقيقه وأخرى مازالت تحاول وتدافع ممثلة في “نوارة” وكلبها، حتى تقضي رصاصة الغدر على من يدافعون عن المظلوم.

ثارت منة شلبي أو الفتاة “نوارة” على ما تتعرض له من إهانة، وباتت ترى ما كانت ترفض النظر إليه في المنزل من مقتنيات ثمينة، باعتبارها فرصة للحياة كإنسانة حرمتها الدنيا من أبسط حقوقها، لتعيش هي وخطيبها للمرة الأولى كزوج وزوجة يستمتعان معا، بين حمام السباحة وغرفة النوم في لقطات جريئة لم تخل من قبلات حارة، بدت طبيعية بين شاب وفتاة تجاوزت فترة خطوبتهما عدة سنوات.

نهاية الفيلم جاءت بمشهد صدم الجميع، حيث تحولت “نوارة” من إحدى ضحايا الفساد إلى متهمة بالسرقة وقت خروجها من القصر الذي تسلمته قوات الأمن المكلفة بالتحفظ عليه، بعد أن عثرت في حقيبتها على 20 ألف جنيه تركتها لها زوجة الوزير.

15