نوار بلبل يتمرّد على شكسبير الإليزابيثي ويقدمه في خيمة

نوار بلبل فنان سوري لم يعان اعتقالا سياسيا إلاّ كممثل على خشبة المسرح في عمله “المنفردة” الذي أنتج عام 2006، وعرض في العديد من دول العالم، وكان حينها صوتا جريئا يحتسب للقائمين عليه. بلبل صدح صوته كإنسان في مارس 2011، وكان ابنا بارا للثورة السورية وللشعب السوري، الشعب الذي أدرك أنه كان على مدى خمسين عاما، معتقلا سياسيا في سجن كبير حدوده الجغرافيا السورية.
الجمعة 2015/05/22
"روميو وجولييت" الحب السوري كاسر للحصار وعابر للحدود

الفنان السوري نوار بلبل يقول إن كل ما قدّمه على مرّ السنوات كممثل ومخرج مسرحي أو كممثل تلفزيوني، ليس بذي قيمة تذكر، وأن عمله كمسرحي انطلق في 27 مارس عام 2014، أي ما بعد تجربة الزعتري، لأنه حينها اختلفت كليا مفاهيمه ورؤيته للمسرح وبدأ يفهم -حسب تعبيره- معنى المسرح الحقيقي، وأدرك الإجابة عن سؤال لماذا نقدّم مسرحا؟ وماذا نقدّم؟ وما يمكن أن تكون فاعليته في المستقبل على المتفرج سواء طفلا أو كبيرا.

التقته جريدة “العرب” للحديث عن عمله مع الأطفال اللاجئين السوريين في الأردن وعن مشاريعه المستقبلية. وكانت البداية بالحديث عن العرض المسرحي “شكسبير في الزعتري” الذي أعدّه نوار بلبل عن مسرحيتي “هاملت” و”الملك لير”، واشتغل عليه مع الأطفال السوريين اللاجئين في مخيم الزعتري مدة أربعة أشهر، تحت خيمة أنشئت لهذا الغرض في المخيم، وحول تمكنه وشركائه في العمل (وخاصة علاء حوراني وصبحي حليمة) من التعامل مع 120 طفلا سوريا يعيشون ظروف اللجوء الصعبة والقاسية، وهم القادمون من خلفيات اجتماعية مختلفة ويحملون ندوبا نفسية واجتماعية عميقة.

قال بلبل “تحدثت كثيرا عن عرض شكسبير في الزعتري، ولكن هذه الناحية جديدة إلى حدّ كبير، وأقول بداية أقدمت على المشروع ليس بنفس المتطوع، وإنما بنفس الواجب، واجب العمل مع أطفال سوريا، وشتان ما بين العمل الطوعي وعمل الواجب، التطوّع خيار وعمل يقوم به أحدنا بحب حتما، لكنه يقدم عليه باختياره، وأنا أقدمت على المشروع من مبدأ الواجب، وأثناء عملي في مخيم الزعتري كنت والأطفال كل منا يداوي ندوب وجروح الآخر، وتكرست قناعتي بأن المسرح أهم دواء للبشر وليس فقط للطفل”.

بشكل عام فالمخرج المسرحي يطمح إلى عمل يكون صالحا لمشاركات دولية، أو عربية بالحد الأدنى، و”شكسبير في الزعتري” قوامه عدد كبير من الأطفال السوريين اللاجئين، الأمر الذي يسبب استحالة خروجه من الجغرافيا التي ولد فيها، بل كان الخروج بهذا العرض من مخيم الزعتري إلى العاصمة عمّان لعرضه على منصة المدرج الروماني العريق إنجازا يُحتسب للقائمين عليه.

العرض المسرحي \'روميو وجولييت\' تمّ عبر تقنية \'السكايب\' بين أطفال من مدينة حمص المحاصرة وأطفال لاجئين في الأردن

المسرح صياد وطعم

لا شك أن نوار بلبل يدرك هذه الحقيقة، ولا شك أنه قام بهذا العمل لغاية مختلفة، يحدثنا عنها قائلا: مبدئيا أنا صياد “شاطر” وضعت في الصنارة طعما طيبا للإعلام، حين جعلت الأطفال اللاجئين السوريين يقدّمون شكسبير الإليزابيثي في خيمة، وبالتالي لم أعد مضطرا إلى السفر ليتناول الإعلام عملي وقضيتي، وإنما العمل استقطب أهمّ وسائل الإعلام التي أتت بداية مع اعتقاد استحالة تقديم عرض شكسبيري في الزعتري، وقبل أن تكون قادمة لرؤية هذه التجربة، كانت قادمة لرؤية فشل هذه التجربة التي حالفها النجاح بشهادة الجميع.

سوريا كانت حاضرة بقوة رغم ابتعاد العرض المسرحي عن استحضارها أو الحديث عمّا يجري فيها بشكل مباشر، بلبل يؤكد على هذا ويضيف “تعمدت الابتعاد عن أي إشارة للشأن السوري، وعملت مع الأطفال كما لو أنني أتعامل مع أيّ ممثل محترف في أي بقعة من بقاع الأرض، وبكل تواضع أسجل لنفسي في المستقبل انتصارا صغيرا جدا لكنه يعني لي الكثير”.

يسترسل بلبل موضحا “أتحدث هنا عن مجتمع -بكباره وصغاره- أدمن التلفاز وأخبار الحرب تحديدا على مدى أربع وعشرين ساعة، ولكن تبيّن لي بعد عدة أيام أنه كانت تقام في أرجاء المخيم أمسيات مسرحية، يطفأ فيها التلفاز لساعتين أو أكثر، ويجتمع الأهل والجيران فيما يتدرّب الأطفال على الأداء المسرحي لشخصيات العرض”.

والزعتري هو غصة وجرح كبير وغائر في وجدان وذاكرة كل سوري، إلاّ أن نوار بلبل تعمّد تكريس اسم هذا المخيم في عنوان العرض من منطلق أن “الزعتري بالنسبة إلى الجميع هو مجرد مخيم لجوء، وربط اسم الزعتري بشكسبير عبر هذا العرض أصبح علامة فارقة ونقلة إلى مرحلة ثانية، وأصبح اسمه يُتداول مرتبطا بحالة فنية شكسبيرية”.

نوار بلبل: ربطت اسم الزعتري بشكسبير عبر عرض مسرحي أصبح علامة فارقة

حب يتحدى الموت

وبالانتقال إلى العرض المسرحي “روميو وجولييت” الذي تمّ عبر تقنية “السكايب” بين أطفال من مدينة حمص المحاصرة وأطفال لاجئين في الأردن، وقد عُرض مؤخرا على سطح دار “سوريات عبر الحدود” للجرحى السوريين في عمّان، فكان العرض مشحونا بالحب، والرغبة في الحياة، ورفض الموت والقتل والدمار.

يقول بلبل عن العرض “ثلاث علاقات حب: بين روميو وجولييت، الخادم والخادمة، والراوي والراوية كانت تسير بالتوازي، للتأكيد على أن الحب حالة عابرة لكل العوائق بامتياز، رسائل الحب كانت تخرج من حمص لتلقى صداها في عمّان، وتخرج من عمّان ليدوي صداها في حمص الأسيرة، الرسائل التي تؤكد على انتظار المحاصرين لعودة اللاجئين وليس العكس، وكل ذلك كان بقصد إيصال صرخة السوري المدوية بحقه في الحب والحياة”.

“روميو وجولييت” عرض رغب من خلاله نوار بلبل في كسر الحصار عن بعض أبناء مدينته الأثيرة، بفتح نافذة لهم إلى العالم الخارجي، وإن كانت هذه النافذة عبر عالم افتراضي، وتفضي إلى عالم اللجوء المرّ والقاسي. نافذة بين عالمي اللجوء والحصار، حيث لا نستطيع الحكم على أيّ منهما بأنه أقسى وأمرّ من الآخر، وما الذي يمكن أن يقدّمه أطفــال هــذين العــالمين، كل من عالمه إلى الآخر.

ويختم بلبل: “أستطيع القول أن صرخة الداخل كانت أقوى بكثير من صرخة الخارج، ومجتمع الحصار أضاف الكثير إلى مجتمع اللجوء، لأن اللاجئ يستطيع السير في الشارع بأمان، ويستطيع توفير حدّ أدنى من احتياجاته، أمّا المحاصر فبالكاد يستطيع تنفس الهواء، الهواء المسموم والملوث”.

17