نواز شريف يفشل في إكمال ولايته للمرة الثالثة بسبب تهم الفساد

خضع نواز شريف رئيس الوزراء الباكستاني لقرار المحكمة العليا بإقالته للمرة الثالثة في حياته السياسية، بعد إصرار المعارضة على التحقيق في قضايا فساد كشفتها وثائق بنما، الأمر الذي يدخل البلاد في موجة من الاضطرابات السياسية.
السبت 2017/07/29
الرحلة انتهت

إسلام أباد - أطاحت المحكمة العليا الباكستانية برئيس الوزراء نواز شريف المتورط في قضية فساد، وأعلنت أنه “لم يعد يتمتع بالأهلية”، واضعة بذلك حدا لولاية ثالثة له على أبواب انتخابات عامة مقررة في 2018، ولم يسبق لأي رئيس وزراء باكستاني أن أكمل ولايته التي تمتد لخمس سنوات.

وصرح القاضي إعجاز أفضل خان أمام المحكمة المكتظة في إسلام أباد “لقد فقد (شريف) الأهلية كعضو في البرلمان وبالتالي لم يعد يتولى منصب رئيس الوزراء”. وبهذا القرار تدخل البلاد مجددا في دوامة الاضطرابات السياسية قبل عام تقريبا على انتخابات عامة كان يمكن لشريف من خلالها أن يصبح أول رئيس وزراء باكستاني يكمل ولايته.

وأعلن شريف تنحيه عن منصبه الجمعة بعد صدور الحكم القضائي مباشرة، حسبما ذكر المتحدث باسمه، لكنه يبقى رئيسا لـ”حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية”، أكبر مكونات الجمعية الوطنية. وهو بذلك قادر على تسمية خلفه الذي سيتولى رئاسة الحكومة بعد مصادقة البرلمان الذي يضم 342 مقعدا، ويشغل شريف وحلفاؤه 209 منها.

وقال المتحدث إنه من المتوقع أن يختار شريف خليفته في رئاسة الوزراء من حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية، وتابع أن شريف لديه “تحفظات كبيرة” بشأن طريقة إجراء المحاكمة التي أدت إلى عزله، ولكنه يتقبل القرار.

الجيش الباكستاني ليس بحاجة إلى تولي السلطة في البلاد لأنه يقبض على العديد من مفاصلها من خلف الكواليس

ويرى محللون أن القرار بمثابة رسالة قوية توجهها باكستان إلى محيطها الإسلامي حول القيم “الديمقراطية”، فرئيس الوزراء ليس بمقدوره التشبث بالمنصب عندما تقرر المؤسسات والقضاء الباكستاني تنحيته، ومثل هذا لا يحدث في أغلب البلدان العربية.

وفور صدور القرار دوى التصفيق بين أنصار المعارضة واندفع بعضهم إلى الشوارع لتوزيع الحلوى وهم يرددون الشعارات. ولكن في لاهور عاصمة إقليم البنجاب ومركز نفوذ شريف، خرجت عدة تظاهرات قام خلالها أنصاره بإحراق الإطارات وإغلاق الشوارع، ويقول مؤيدو نواز إن مؤامرة قد حيكت ضده.

وتم نشر الآلاف من رجال الشرطة وقوات الأمن شبه العسكرية في العاصمة إسلام أباد، كإجراء احترازي تحسبا لاحتمال وقوع أعمال شغب، وتأمين قاعة المحكمة.

وتأتي الاتهامات لشريف إثر تسريبات وثائق بنما التي كشفت العام الماضي عن البذخ في نمط حياة عائلته وأشارت إلى ملف العقارات الفخمة التي يمتلكونها في لندن، وثلاثة من أبناء شريف الأربعة متورطون وهم ابنته مريم، وابناه حسن وحسين.

وتنفي الأسرة والقوى السياسية المتحالفة معها باستمرار الاتهامات الموجهة إلى العائلة، ويشدد حزب شريف على أن هذه الأموال شرعية وجرى كسبها من أعمال تجارية للأسرة في باكستان والخليج.

وكانت المحكمة العليا أعلنت في أبريل عدم وجود “أدلة كافية” لإقالة شريف في قضية الفساد وأمرت هيئة مكافحة الفساد إجراء تحقيق إضافي بشأن المزاعم بحق شريف وعائلته، ما قد يؤدي إلى توجيه اتهامات جنائية لأسرته النافذة.

وبعد صدور القرار، قالت وزيرة الإعلام مريم أورانغزيب للصحافيين “لم يتم إثبات وجود أي فلس آت من فساد في هذا القرار ضد نواز شريف وهو ما يدركه أيضا الشعب الباكستاني”.

لم يتضح بعد من سيخلف شريف، لكن من المتوقع أن تطرح المعارضة مرشحا لتولي رئاسة الحكومة، رغم أن مرشحها لا يحظى بأي فرصة للحصول على الدعم البرلماني اللازم

ولم يتضح بعد من سيخلف شريف، لكن من المتوقع أن تطرح المعارضة مرشحا لتولي رئاسة الحكومة، رغم أن مرشحها لا يحظى بأي فرصة للحصول على الدعم البرلماني اللازم.

ويمثل حكم المحكمة نصرا سياسيا كبيرا للزعيم المعارض عمران خان نجم الكريكيت السابق الذي هدد العام الماضي بتنظيم مظاهرات حاشدة إذا لم يتم التحقيق في ثروة شريف. واستغل خان تسريبات أوراق بنما التي كشفت أن أسرة شريف اشترت شققا فاخرة في لندن من خلال شركات خارج البلاد.

وقال نائب رئيس حركة الإنصاف، شاه محمود قرشي، للصحافيين خارج قاعة المحكمة “أريد أن أشكر القضاة بالنيابة عن الشعب الباكستاني لجعلهم هذا (الإطاحة بشريف) ممكنا”.

وتتفشى الرشاوى والكسب غير المشروع في باكستان التي تأتي في المرتبة الـ116 على قائمة الدول الأكثر فسادا من بين 176 دولة، وفق تقرير منظمة الشفافية الدولية للعام 2017.

وأطاحت انقلابات وقرارات صادرة عن المحكمة العليا بمعظم رؤساء الحكومات في باكستان، فيما عزل بعضهم من قبل أحزابهم، أو أجبروا على الاستقالة أو اغتيلوا، وانتهت فترتا ولاية شريف السابقتان أيضا قبل اكتمالهما، حيث أقاله الرئيس في أول عهد له كرئيس للوزراء عام 1993، على خلفية اتهامات بالكسب غير المشروع، ثم في انقلاب عسكري عام 1999 لكنه عاد من المنفى ليحقق فوزا ساحقا في انتخابات عامة سنة 2013.

وتأتي الإطاحة بشريف اليوم في وقت تطغى التوترات على العلاقة بين الحكومة المدنية والمؤسسة العسكرية التي حكمت باكستان لعقود.

وتولى الجيش الحكم في باكستان على مدى نصف الأعوام السبعين من تاريخ استقلال البلاد، إلا أن قلة يتوقعون قيام الجيش بتحرك في هذا الاتجاه، إذ أنه يسيطر فعليا على السياسة الخارجية والدفاع، ما يثير اتهامات من قبل البعض بأنه يقود انقلابا بطيئا.

ويقول مايكل كاغلمان نائب مدير برنامج آسيا في مركز ويلسون الأميركي في واشنطن “الجيش ليس بحاجة إلى تولي السلطة لأنه يقبض على العديد من مفاصلها من خلف الكواليس”. وتابع كاغلمان أنه، بالإضافة إلى ذلك، فإن الرأي العام في باكستان لا يؤيد عودة الأحكام العرفية.

وأضاف “ببساطة لم تعد هناك في باكستان شهية للحكم العسكري خلافا لما كان الوضع عليه في السنوات الماضية. وهذا أمر هام بالنسبة للجيش لأنه حريص على صورته ومكانته لدى الرأي العالم”.

ومن المتوقع أن يدعو رئيس البلاد إلى انعقاد الجمعية الوطنية لاختيار رئيس جديد للوزراء والذي سيختار بدوره أعضاء حكومته.

5