نواف الجناحي مخرج ينقل هواجسه ومغامراته إلى الشاشة الكبيرة

نواف الجناحي مخرج يستثمر كافة الإمكانات التعبيرية التي تتضمنها الصورة، ويبتعد عن الخطابية والمباشرة والتقليدية التي تضج بها السينما الخليجية.
الثلاثاء 2018/03/27
مؤسس من رواد السينما في الإمارات يقدم فيلم اللحظة الراهنة

نهاية هذا الأسبوع، سيتضمن العرض الختامي لفعالية “سينما القطارة” والذي افتتح بإمارة العين في الإمارات العربية المتحدة بتنظيم من دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، عرض تسعة أفلام إماراتية قصيرة، وتضم قائمة الأفلام فيلم “مرايا الصمت” للمخرج الإماراتي نواف الجناحي، بالإضافة إلى عدد لافت من الأفلام الهامة. “سينما القطارة” برنامج يهدف إلى تعريف الجمهور بالسينما الإماراتية، وتوفير منصة عرض سينمائية تحتفي بصناع الأفلام المحليين وتقربهم من الجمهور بشكل أكبر.

نواف الجناحي، مخرج فيلم “مرايا الصمت”، فنان يعتبر السينما جزءا لا يتجزأ من نهضة وطنه، كيف لا وهو واحد من مؤسسي السينما في الإمارات، باعتماده على المثابرة والإنتاج والمتابعة الحثيثة لأدق التفاصيل الفنية، هو مخرج وممثل شاب يحمل في جعبته أفلاما هي أقرب إلى الحالة السينمائية الخالصة.

برز اسم الجناحي كصاحب تجربة سينمائية متفردة بإخلاصها للغة البصر، مستغلا كافة الإمكانات التعبيرية التي تتضمنها الصورة، فأفلامه التي صنعها حتى الآن، جعلته رائدا من رواد السينما الإماراتية، حيث أنه يبتعد عن الخطابية والمباشرة والتقليدية التي تضج بها السينما الخليجية.

الجناحي من مواليد العاصمة أبوظبي عام 1977، لأم مصرية وأب إماراتي، هو الفنان المسرحي الراحل محمد الجناحي الذي كان مصرا على أن يجعل من نواف فنانا؛ فقد شجعه على التمثيل وهو في السابعة من عمره، ليشركه في عدة أدوار بسيطة. وعن دور والده في مشواره الفني، يقول الجناحي “والدي ممثل تلفزيوني ومسرحي وكاتب سيناريو من جيل الرواد في الإمارات، وجوده في هذه المهنة كان بابا عبرت منه بتلقائية إلى مجال الفنون”.

عندما كان في المدرسة الإعدادية اشترك في فرقة المسرح المدرسي، وشاهد وقتها أفلاما كثيرة، ليتولد لديه اهتمام خاص بعالم السينما، فقرر دراسة الإخراج السينمائي، في الولايات المتحدة الأميركية، على المستويين الأكاديمي والشخصي. وبعد عودته من أميركا، أسس مجموعة “أفلام الإمارات” البريدية والتي تعتبر الموقع الأول المكرس لخدمة الحركة السينمائية الإماراتية منذ عام 2001.

مرايا الصمت نجم المهرجانات

Thumbnail

لا يتوقف الجناحي عند تجربة سينمائية مميزة ينجزها، بل ينتقل إلى ما بعدها بعناده وإصراره. كانت بدايته الإخراجية تشبه الكثير من المخرجين العالميين، وهي الخوض في الأفلام القصيرة، فقدم مجموعة “هاجس”، “على الطريق”، “أرواح”، وكذلك “مرايا الصمت” المنجز عام 2006، والذي مضى به الجناحي نحو واحدة من الحالات السينمائية الصافية، التي أخذت مكانتها في السينما الإماراتية أولا، والسينما الخليجية ثانيا، والسينما العربية أيضا، بما أُتيح لهذا الفيلم من مشاهدات واسعة، ومشاركات متعددة، في مهرجانات متخصصة، ومستقلة، عربيا وعالميا.

الطريقة التي تناول بها فكرة فيلمه “مرايا الصمت”، لم تكن جديدة على السينما، لكن الجناحي ناقش موضوع الوحدة والاغتراب، في مجتمع يتسم أفراده بالقوقعة داخل الذات.

“مرايا الصمت” فيلم روائي قصير مدته 16 دقيقة، يمزج السينما بالشعر، إلى جانب الموسيقى والمؤثرات الصوتية، وهذا ما جعله يحظى بشهرة لدى المهتمين والمتابعين، وأثبت أن الجناحي مخرج يتمتع بحساسية سينمائية رائقة، كما ظهر هو نفسه في الفيلم ممثلا بأداء متوازن.

 انتقالاته السينمائية تتسم بالتنسيق والإبداع، وفيها بثّ هواجسه ومغامراته الفكرية، بدءا من الخوض في شائك علاقة الإنسان بقدره في فيلم “على الطريق”، مرورا بغموض علاقة الإنسان مع الآخر في “أرواح”، وصولا إلى إشكالية علاقته مع مجتمعه في “مرايا الصمت”.

الجناحي من المخرجين الإماراتيين، الذين يمكن أن تجدهم في مهرجانات متعددة حول العالم، يحمل علم بلاده، ويدور به في أروقة المحافل الفنية، كتأكيد للعالم أن ثمة سينما وليدة، قد تخطت مرحلة الحبو، وباتت واقفة على قدميها في دولة اسمها الإمارات العربية المتحدة.

وهو كذلك من المخرجين الشباب الذين أصبحوا يمثلون دولهم كأعضاء في لجان التحكيم أيضا، فقد اختير مؤخرا كعضو في لجنة تحكيم المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة للمخرجين الجدد في الدورة الثالثة من مهرجان كل أضواء الهند السينمائي الدولي.

 لا يبخل الجناحي بعرض خبرته السينمائية على الجمهور، ونراه كثيرا ما يشارك في ندوات سينمائية وثقافية، ومنها ندوة نظّمها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات فرع أبوظبي، واستهل نواف الجناحي محاضرته بالتأكيد على أن عام 2001 يمثل مرحلة مفصلية في تاريخ السينما الإماراتية الحديثة، مضيفا قوله “قبل عام 2001 كانت جهود الأفراد الذين درسوا في الخارج تبدو بسيطة، خاصة الذين كانوا يرجعون ويصطدمون بواقع وحال السينما التي لا وجود لها في الإمارات، إذ لا معهد ولا شركات ولا ناس حتى تتكلم معهم في واقع السينما الإماراتية، لذا فضل الكثير منهم الذهاب إلى التلفزيون ليشتغل فيه”.

يقول الجناحي إنه وبعد ذلك التاريخ أخذ عدد من الشباب يلتقون مع بعضهم البعض حول السينما، وكان هو من بينهم ومعه مسعود أمرالله ومحمد المزروعي وخالد المحمود، فتمكنوا من إيجاد الحلول بعد تساؤلهم عن الطريق المؤدي إلى وجود سينما إماراتية.

الفكرة تولدت عندما اجتمعوا، كما يقول الجناحي الذي يضيف “نحن الشباب الإمارتي العاشق للسينما، جمّعنا الأفلام لنقدمها في مهرجان إماراتي أطلقنا عليه اسم مسابقة أفلام من الإمارات”.

يرى الجناحي أن المرحلة الثانية من انطلاق السينما في الإمارات، وكانت من خلال المهرجانات السينمائية مثل مهرجاني دبي وأبوظبي، ووجود الجوائز القيمة فيهما كان ضامنا لحضور صناع الأفلام والجمهور أيضا.

مرحلة الفيلم الروائي الطويل

Thumbnail

بعدها بدأت المعاهد الإعلامية تدرس السينما، وهذا ما دعا جهات رسمية إلى أن تنتبه لدور السينما، وطرح أمام أولئك الشباب سؤالا مهمّا وهو كما يقول الجناحي “ماذا نحتاج كي نرفع مستوى الوعي بالسينما لدى الجمهور؟”، ومن هذا المنطلق فإن حركة صناعة الأفلام في الإمارات أصبحت في حاجة ضرورية إلى معاهد متخصصة.

أول أفلام الجناحي الروائية الطويلة هو “الدائرة”، الذي نال إعجاب الجمهور والنقاد منذ عرضه الأول في مهرجان الخليج السينمائي عام 2009، حيث تمّ وصفه بـ”نقطة تحول رئيسية في السينما الإماراتية والخليجية”، وهذا ما خوّل له الذهاب إلى العديد من المهرجانات السينمائية حول العالم.

يذكر الجناحي أن فيلم “الدائرة” يعتبر أوّل فيلم روائي طويل تنتجه مجموعة “أم بي سي” السعودية، وقد تمّ تصويره في مدينتي دبي وأبوظبي، وتدور أحداثه حول إبراهيم الكاتب الصحافي المصاب بمرض عضال، وشهاب اللص المحترف، اللذين يلتقيان صدفة ليبدأ كل منهما في التعرف على العالم من وجهة نظر مختلفة.

من وجهة نظر هذا الشاب الإماراتي ليس مطلوبا من السينمائيين أي دور في تقديم صورة مختلفة عن الإمارات، وإنما وظيفتهم تتركز على رواية الحكايات، وفي فيلمه الروائي الثاني “ظل البحر” المنتج من قبل شركة إيمج نيشن الإماراتية، قدم الجناحي جانبا من المجتمع الإماراتي ربما كان غير معروف بالنسبة للكثير من المقيمين بالإمارات، وهو ما ساعد على تغير الصورة النمطية لدى المشاهد الغربي.

“ظل البحر” هو ثاني فيلم روائي طويل يخرجه الجناحي، وكان ضمن سلسلة من المشاريع الإماراتية السينمائية الجادة، الفيلم من كتابة السيناريست محمد حسن أحمد، ويروي قصة شاب وفتاة إماراتيين ينشآن في حي صغير قرب البحر ويدخلان في رحلة لاكتشاف الذات تتخللها عثرات التقاليد والعادات الاجتماعية.

سينما اللحظة الراهنة

حاول الجناحي في “ظل البحر” أن يقدم رواية راهنة عن المجتمع الإماراتي، رغم أنه لم يقدم أي دلالة على الزمن في فيلمه، لأنه يعتبر أن عدم تأريخ الفيلم بتاريخ قديم يكفي للدلالة على أن الزمن الحالي هو زمن الفيلم، وهذا ما أثار تساؤلات دارت في بال من حضر الفيلم عن مكان الفيلم البعيد عن ناطحات السحاب، حيث فرضت القصة على الصورة السينمائية ما عرض على الشاشة الكبيرة.

البعض قال إن هذا الفيلم لن ينجح في شباك التذاكر، فرد الجناحي “من المهم أن تتواجد أفلام من نوعيات مختلفة في صالة السينما، فالناس بحاجة إلى رؤية حكاياتنا، ومشاهدة سينما مختلفة عن السينما التجارية الهوليوودية والبوليوودية، رغم وجود الكثير من الأفلام الأميركية تصنف على أنها ليست أفلام شباك تذاكر، وبالنسبة لي شخصيا هذا التصنيف لا يهمني كمخرج بالدرجة الأولى”.

أول أفلام الجناحي الروائية الطويلة هو “الدائرة”، الذي نال إعجاب الجمهور والنقاد منذ عرضه الأول في مهرجان الخليج السينمائي عام 2009، حيث تمّ وصفه بـ”نقطة تحول رئيسية في السينما الإماراتية والخليجية”

استعان في “ظل البحر” بعدد من الممثلين من غير المحليين، إضافة إلى وجود عدد من الممثلين الإماراتيين، وبرر الجناحي ذلك بالنقص في التنوع، وأنه لو كان الكلام عن شخصيات محددة ومواصفات معينة فيمكن ألا تجد ممثلة إماراتية، ومثاله في فيلمه هو الممثلة نيفين ماضي التي قدمت دور كلثوم، يقول الجناحي “لا توجد ممثلة إماراتية بهذا الشكل والموهبة والعمر، وفي الوقت نفسه أين المشكلة في الاستفادة من عناصر تحقق النتيجة التي تحتاجها الحكاية لكن من جنسية أخرى، موضحا أن ذلك موجود في سينما العالم أجمع”.

لقد ستطاع الجناحي بفيلمه “ظل البحر” أن يأخذ الفيلم الروائي الخليجي الطويل نحو فضاءات إبداعية جديدة، مشحونة بالجمال والعاطفة، ليتوّج نجاحاته السابقة التي حققها منذ بدايته قبل عشر سنوات مع أفلامه القصيرة، ونال “ظل البحر” عدة جوائز منها جائزة أحسن انطلاقة في مهرجان وهران للفيلم العربي بالجزائر، وجائزة أفضل ممثلة في المهرجان السينمائي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وحاز أيضا على جائزة العويس للإبداع الإماراتية.

الجناحي أثبت أنه بات قادرا على الذهاب بالفن البصريّ إلى أبعد مدى، حيث أكّد حضوره في الساحة الإماراتية الفنية، والخليجية أيضا، لأن خطواته في الإخراج والكتابة السينمائيين كانت تتسم دوما بالجدية والاحتراف، وهو الذي عكس رغبة دفينة في تحويل الكاميرا إلى عين تلتقط نبض الذات الفردية والحراك الجماعي، داخل البيئة المحدّدة جغرافيا، أو المنفتحة على اللامكان.

يفعل نواف الجناحي هذا حين يتخذ من الحبّ ركيزة درامية، ومن المراهقة منطلقا فنيا، ومن المناخ التقليدي في المجتمع، فضاء مفتوحا على مغزى تحويل الحكايات البسيطة إلى أفلام تسعى إلى تفعيل صناعة فيلمية حقيقية.

13