نوال السعداوي: الثوار والثائرات يخرجون بعد الثورة مقتولين

السبت 2013/10/19
نوال السعداوي: الثورة المصرية سرقها الإسلاميون

ما شهدته مصر قبل أشهر قليلة وحتى الآن من أحداث وتحشدات واشتباكات هنا وهناك وتحركات سريعة للقوى السياسية والشعبية، بعد عزل الجيش للرئيس المصري محمد مرسي، والأحداث التي أعقبته حدثا بعد آخر، تجد صورتها التنبؤية الاستشعارية في كتاب صادر حديثا كتبت موضوعاته قبل ما يربو عن سنة، بعنوان "نوال السعداوي والثورات العربية " من تأليف الباحثة نوال السعداوي.

منذ الخطاب الأول للرئيس المصري المعزول محمد مرسي تضع السعداوي ملاحظات نقدية حول هذا الخطاب الذي ينمّ عن التفكير اليقيني الخاص بالمدرسين الدينيين، وعلى الرغم من أن الرئيس المصري محمد مرسي قد قدّم استقالته من جماعة الإخوان المسلمين، والحزب التابع لها، إلا أن الاستقالة الحزبية لا تعني الاستقالة الفكرية، فمرسي لا يستطيع الانفكاك عن فكر الإخوان المسلمين وهذا ما تجلّى في تصريحاته كردّ فعل على خطاب السيسي المؤيد للشعب بعد خروجه الواسع 30 يونيو 2013.


أجساد قديمة


ترى السعداوي أن رأس النظام حسني مبارك قد سقط لكن بقي الجسد في الإدارات والجيش والوظائف المفصلية الهامة في الدولة.

نوال السعداوي تشير بحسّ فكري عميق ومديد إلى ما يحدث الآن باكتشافها لعبة الخداع في إدارة البلد "لم يخجلوا من التهليل للمجلس العسكري، والمجلس الاستشاري، والمجلس الإخواني، ثم الانقلاب على أنفسهم والاعتراف بأن العسكري كان خدعة، والاستشاري كان خدعة والبرلماني والإخواني والسلفي كانوا خدعة، وعرس الديمقراطية خدعة، ولجنة الدستور خدعة، وننتظرهم ليعلنوا، بعد فوات الأوان، أن الانتخابات الرئاسية كانت خدعة" . أيّ استشعار فكري عن بعد تمتلكه السعداوي وهي تشعر بالسعادة والفخر بمشاركتها في ميدان التحرير في ثورة 25 يناير 2011، متذكرة أيام صباها عندما كانت تتظاهر بنفس الشعور ضد الأنكليز الذين كانوا يحتلون مصر.


حطب الثورة

السعداوي تجد ملامح كثيرة تشير إلى سرقة الثورة وهذا ما يتجلى في قولها بأن الثورة تقوم على الشجاعة والصدق، الثوار والثائرات يخرجون بعد الثورة مقتولين، مسحولين، عرايا، ممزقي الملابس، لا يفوز واحد منهم في أي مجلس، وإن فاز، فسرعان ما يفقده بتهمة ملفقة، ولا تجد ثمّة فارقا بين العمل الإبداعي والعمل الثوري، بعدم التفكير في العواقب، ولهذا لم ينل مبدع أو مبدعة أي منصب أو جائزة دولة

فـ"الثوار والثائرات ماتوا في السجون والمنافي، شربوا السم أو انتحروا أو تمّ إعدامهم أو إقصاؤهم، من سقراط إلى جاليلو، إلى أبي العلاء المعري إلى جان دارك إلى فرجينا وولف ومي زيادة ودرية شفيق وأروى صالح وغيرهم، ثوار وثائرات كانون الثاني يناير وشباط 2011 اتهموا بأنهم عملاء للغرب أو خونة للوطن، وتمّ إيداعهم السجون، ونالوا التعذيب البدني والنفسي".

إنَ الحدث المصري الساخن الآن الذي يأتي كنتيجة طبيعية عن عملية سرقة الثورة عبر سيطرة قوى سياسية لم تكن هي الأساس في العمل الثوري الانتفاضي الذي ساهم في إسقاط دكتاتورية حسني مبارك.

تقول السعداوي: "رجال ونساء كانوا فاعلين قبل الثورة وبعدها لعبوا دورا رياديا في التمهيد للثورة، ونشروا كتبا ومقالات تنتقد النظام ونزلوا إلى الشوارع والميادين مع الملايين من الشعب الثائر، هؤلاء تم إبعادهم ( كما كانوا مبعدين تحت الحكم السابق) عن الساحة السياسية والإعلامية والثقافية، ليحل محلهم انتهازيون سريعو الهرولة إلى أي حكم جديد؛ الذين سارعوا إلى الالتفاف حول البرادعي وهرولوا إلى المطار لاستقباله، هم أنفسهم الذين سرعان ما تخلوا عنه بل هاجموه".

ويبدو ان الكاتبة السعداوي تحتاج إلى كتاب آخر عن الثورة المصرية، لا سيما وأن الحدث المصري ماض في سيرورته التحولية إلى أن يستقر إليه المآل في شاطئ آمن ربما بطعم الديمقراطية أو بطعم العودة إلى التسلط حسب نتيجة المخاض والمعمعة التي نراها الآن بمصر؛ فهي تتحدث عن الثورة الثانية في تاريخ سابق للتاريخ الراهن الذي أطلق الإعلاميون والمتابعون والباحثون على الحدث الساخن نفس التعبير: الثورة المصرية الثانية.

"نساء ورجال شباب وأطفال وتلاميذ وتلميذات، كهول وعواجيز، فقراء، وطبقة وسطى وتحت الوسطى، خرجوا إلى ميدان التحرير يوم 25 نوفمبر 2011".

تتحدث السعداوي بألم عميق عن هذه الشرائح المتعددة في النسيج المصري وعن معاناتها وما أصابها من قتل وضرب وسحل، كل ذلك من أجل إنجاح أو تصحيح مسار الثورة المصرية.

كتاب السعداوي في هذه اللحظة الزمنية الفارقة في مصر، جدير بالقراءة والاهتمام، عندما تقرأ هذا الكتاب وكأنك تقرأ الحدث المصري الساخن قبل حدوثه بتفاصيله، ومجرياته، وحيثياته الثورية، حيث تسجل السعداوي سبقا تنبؤيا ثوريا مدهشا.

16