نوال العبدالله رسامة تلاحق تجليات ذاتها

نوال العبدالله رسامة تحتفي في كل لحظة رسم ببهاء الحياة الخفية بمزاجها المتقلب، وتقيس علاقتها بالأشياء استنادا إلى درجة انفعالها.
الأحد 2018/11/11
بحثاً عن الحياة الخفية

“الطبيعة أولا. الطبيعة أخيرا” ذلك ما تعلّمته من الرسم، كما لو أنها كانت تفكر بالبريطاني وليام تيرنر وهي تحاول التلصّص على المشهد الطبيعي لا من أجل أن تقتبسه بل من أجل أن تلتقط تأثيره الأخاذ.

تقيس علاقتها بالأشياء استنادا إلى درجة انفعالها. ولأنها ملونة ماهرة فإنها تعبّر عن تماهيها مع حركة الأشياء من حولها من خلال اللون. إنه عدتها في مواجهة مزاج الحياة المضطرب.

لقد صنعت عالمها من امتزاج اللون بالحركة. أنت ترى مساحات لونية تشف عن وقائع حركية، هي في حقيقتها موجهات لما يفعله اللون على سطح اللوحة، وهو يسعى إلى اختزال صفات الطبيعة.

نوال العبدالله ليست فنانة مفردات أو أفكار. ما من شيء محدد يمكن الإمساك به، باعتباره مفردة يمكن أن يتبعها المرء ليصل إلى موضوع بعينه. فالموضوعات التي تكشف عن انفعال بالطبيعة غالبا ما تحضر سائلة بما يجعلها أقرب إلى الغموض منها إلى الإنشاء المتماسك الذي ينسحب إلى ما تحت السطح.

لذلك لا تحتاج متعة النظر إلى لوحاتها قدرا كبيرا من العناء.

فالرسامة التي تكيّفت مع مفهوم “اللعب عن طريق الفن” صارت مع مرور الوقت خبيرة بتحدي عين المشاهد التي تفكر بالمعنى. هناك أشياء كثيرة يمكن للرسم أن يفعلها غير الدعوة إلى الثناء على المعنى.

بمزاج شعري تلتف العبدالله على اللغة لتذهب بها إلى الإيحاء التصويري. ما يُرى على سبيل المثال يمكن أن يُستعاد عن طريق الإيقاع. بهذا المعنى تكون الرسامة مؤلفة إيقاعات، تعبر عنها التلاقيات اللونية التي لا تستقر عند درجة واحدة، بل تظل تصعد وتنزل على سلم خفي. وبهذا تكون الرسامة قد اكتسبت واحدة من أجمل عادات الرسامين التجريديين ألا وهي اللعب بخيال الطبيعة ومن خلاله.

التعلم قبل التمرد

العبدالله لا تحاكي الطبيعة بل تسعى إلى تنفيذ ما تعلّمته منها. هي رسامة انفعالات. هذا صحيح. وصحيح أيضا أنها ترسم بمزاج شعري. غير أنها بشكل أساس تراهن على أن لا ينقطع الخيط الذي يصل بينها وبين الطبيعة. وهنا يكمن واحد من أهم أسرار الممارسة الفنية وفعل الحياة لديها.

العبدالله ولدت في عمان عام 1951. درست الفن في فلورنسا بين عامي 1974 و1979. قبل ذهابها إلى إيطاليا كانت قد تعرّفت على الفنان الرائد مهنا الدرة الذي شجّعها على الاستمرار في الرسم بعد أن انتبه إلى موهبتها، بل إنه أقام لها معرضا عام 1974 قبل أن تدرس الفن تعبيرا عن ثقته بموهبتها. عن طريق الدرة تعرفت على أحد الرسامين الإيطاليين وكان يعمل مدرسا للفن في فلورنسا، وهو الذي نصحها باختيار فلورنسا مكانا للدراسة الفنية بدلا من لندن.

Thumbnail

انسجمت العبدالله مع المدينة التي وهبت العالم عصر النهضة فكانت نزهاتها البصرية بين أعمال أساطين فن ذلك العصر بمثابة القاعدة التي بنيت عليها علاقتها بالرسم. وهي علاقة بدأت منضبطة بما مكّن الفنانة من فهم أسرار العملية الفنية من جهة الحرفة.

وإذا ما كان أسلوب الدراسة في جامعة فلورنسا يعتمد على الممارسة الحرة فإن الفنانة القادمة من بيئة محافظة حرصت على أن تقدم التعلم المدرسي على التمرد على الأساليب السائدة، الأمر الذي أكسبها قوة في مجال الرسم التشخيصي، وهو ما انعكس في وقت لاحق على تجاربها الشخصية، يوم كانت لا تزال تميل إلى التعبير من خلال الجسد البشري.

فن من أجل السعادة

أقامت أكثر من عشرة معارض شخصية داخل الأردن وخارجه وكانت حريصة على أن تعنون معارضها، كما لو أنها تجد في العنوان تمهيدا لعلاقة متوقعة بين المتلقي والرسوم. “آفاق جديدة 2008” “رؤى النور 2004” وكان آخرها “الفن للأمل 2016”.

“أرسم لأكون سعيدة ولا أريد عملا آخر غير الرسم. سعادتي تنبع من هنا ولا يوصف شعوري وأنا أرسم وفي الوقت نفسه أكتشف ذاتي” تقول العبدالله وتبوح لنا من حيث لا تدري بكلمة السر التي تيسر علينا الدخول إلى عالمها الذي يشف عن الكثير من المعاني الإنسانية التي تود الفنانة لو أنها استطاعت من خلال الفن أن تضعها في متناول الآخرين.

Thumbnail

الفنانة المتفرغة للرسم تقضي ساعات طويلة يوميا في مرسمها وهي تتصفح أوراق خزانتها الجمالية. تثني على التأمل لأنه بقدر ما يعينها على استحضار أشكالها بقدر ما يفتح أمامها الدروب التي تقود إلى أعماق روحها. تتذكر عن طريق الرسم ما سبق لها أن رأته غير أنها في الوقت نفسه تهب عن طريق التأمل الأشكال التي تتذكرها خيالا يحررها من ماضيها.

فمن أجل أن تكون سعيدا ينبغي أن تكون حرا. حرية الرسامة في تناول ومعالجة مصادر إلهامها الطبيعية والإنسانية على حد سواء تنعكس بشكل إيجابي على ما تتركه رسومها من أثر على متلقيها. وهو ما يعني أن الفنانة تجذب عن طريق رسومها بشرا يمكن أن يكونوا سعداء. أليس أمرا عظيما أن يكون الصنيع الفني مصدرا لصناعة السعادة؟

تشبه الطبيعة ولا تشبهها

ستؤكد العبدالله في معرضها الأخير أن هناك ما يتعلق بصناعة الأمل. وهي لمناسبة الأمل تعود إلى أسلوبها التشخيصي، لكن بما لا يتعارض مع التجريد. حيث تطرح عددا من المفاهيم التجريدية عبر صياغات تشخيصية. وهنا بالضبط تتمسك العبدالله بضرورة أن يكون الفنان على تماس مستمر برسالته التي تصنع من اليومي العابر قضية تنطوي على الكثير من المعاني والأفكار التي تكتفي الفنانة بالإشارة الغامضة إليها.

Thumbnail

ترسم كما تعيش، ببساطة ويسر. يكفي ذلك لكي يكون المرء جاهزا للعب. ولكن الفنانة تقبل على الرسم معبأة بالرغبة في أن تختبر موضوعها غير المحدد سلفا على شاشة انفعالها. تقول “أنا أحسّ ثم أرى” يمكنها أن تقول إنها لا تستحضر عن طريق الرسم ما رأته في وقت سابق بقدر ما تهب من خلال الرسم انفعالها أشكالا، يمكن أن تيسر لها النظر إلى العالم الخارجي. علاقة معقدة، غير أن الفنانة نجحت في تحويلها إلى ممارسة يومية.

رسومها التجريدية تسحرنا بامتناعها عن الإحالة إلى الخارج. يمكننا أن نرى فيها البحر والسماء والحقول الشاسعة والصحراء. غير أن ذلك ما نفعله نحن لا ما تقوله الرسوم. سيكون علينا أن نصدق حسّنا الجمالي من غير أن نحمّل الرسامة مسؤولية ذلك. فنوال العبدالله ترسم لأنها تحب صناعة اللوحات. تهوى أن تبتكر مناظر يخيّل إلينا أنها تشبه المناظر الطبيعية غير أنها ليست كذلك.

لو قُدر للفنانة أن تعترف لقالت إنها في تجريدياتها رسمت عالمها الداخلي، بصفائه ونقائه وسلامه وإخوته وتفجر مشاعره. وهو عالم استسلم للطبيعة باعتبارها الملهم الأول والأخير. وبقدر ما كانت إنسانية في أعمالها التشخيصية بقدر ما هي منفتحة على الذات باعتبارها مفردة ضائعة في معجم مضطرب اللغات في أعمالها التجريدية.

يقف المرء أمام لوحتها فيكفّ عن التفكير. ما من معنى وليس هناك موضوع. الحياة الخفية لا تحتاج إلى الوصف لكي تكون موجودة. سحرها يكفي.

نوال العبدالله رسامة تحتفي في كل لحظة رسم ببهاء الحياة الخفية بمزاجها المتقلب.

9