نوال بري: هذا الهواء ملك "كبير العيلة"

الخميس 2016/08/25

كانت صرخات المحتجين من مجموعة “طلعت ريحتكم” في ساحة رياض الصلح ضد “كبير عيلة” مراسلة قناة “أم تي في” اللبنانية نوال بري، رئيس المجلس النيابي الحالي نبيه بري، ذريعة كافية لكي توقف المراسلة البث، وتنسحب من التغطية واصفة المتظاهرين بـ”الزعران” الذين لا يستحقون الهواء.

اللافت أن إدارة المحطة لم تعمد إلى معاقبة المراسلة على هذا الإخلال الواضح والعلني بقواعد المهنة، وإبداء الانحياز السياسي علنا على حساب التغطية الإخبارية، بل حاولت التخفيف من وطأة الأمر على الرغم من أنه تسبب في إحراج كبير للقناة على الهواء مباشرة أمام الآلاف من المشاهدين. المشكلة تكمن في أن القناة تخاطر بأن ترسي منطقا جديدا في الممارسة الإعلامية، يستطيع المراسل فيه أن يخون مهمته علنا وينكل بأصولها على الهواء مباشرة، وأن يبقى محتفظا بصفته كمراسل.

ليس ذلك تعديلا بسيطا على قواعد عمل المراسل بل نسف تام لها، وهو يعلن أن الأخبار والمعلومات باتت مستحيلة في لبنان، وأن الهواء لم يعد ملكا للشأن العام بل بات ملكا شخصيا للمراسل يتصرف به على هواه.

نوال بري إذ تعلن بوضوح أن الهواء لها فإنها تؤكد بشكل لا لبس فيه نهاية موثقة وعلنية لوظيفة المراسل في لبنان والتي لم تعد ممكنة.

هذا الانسحاب المباشر على الهواء وشتم المتظاهرين يعلنان أن النقاش لم يعد داخل حدود الإعلام وفكرة التغطية الإخبارية وشروطها، بل تم خلق وظائف جديدة للمراسل تجعله جنديا مستعدا في أي لحظة لقتل صفته الإعلامية، والتنكيل بجثتها علنا لصالح الزعيم السياسي.

كذلك فإن عملية نقل الاهتمام من الحدث إلى المراسل نفسه تؤدي مهمة الإعدام المزدوج لكليهما، أي المراسل والحدث، فلا الحدث يمكنه التبلور أو التحول إلى نقاش عام، ولا المراسل يمكنه المحافظة على دوره.

سلوك نوال بري صار هو الحدث، ونجحت في خلق انتباه دمر كل بنية الحدث الذي كانت تغطيه، فبات غير ممكن الحدوث أو آيلا للإلغاء والموت والنهاية. ما طغى على السطح هو موقف المراسلة السلبي من المتظاهرين وشتيمتها التي وجهتها إليهم.

مهمة المراسل الجديدة هي إعدام الأحداث ومنعها من الحدوث إذا صح التعبير، وذلك بغية المحافظة على نقاء أصلي ما، يراد له النمو والاستمرار على الدوام، وهو هيبة الزعيم.

الزعيم هو الحدث الدائم إذن. كل ما يجري في البلاد لا يعدو كونه ترجيعا لما يفرزه ذلك الحدث الأصلي، أو مجرد هامش وشروحات وتعليقات عليه. المراسل يتحول إلى ضابط إيقاع هذه الشروح والتعليقات، والساهر على تقنين خروجها بأكبر قدر ممكن من الدقة والانضباط. المراسل الجديد الذي افتتحت نوال بري زمانه هو المراسل الشرطي حارس السلطات وقيمها، والذي لم يعد ممكنا فصله عنها، بل بات جزءا منها وأداة من أدواتها الفاعلة التي تستخدمها في القمع والترهيب والتنكيل.

الخبر في هذه الحالة لا بد له من الخضوع لعملية تطويع شاقة وقاسية وبرامج إعادة تأهيل لكي تنتزع منه صفاته السابقة، والمرتبطة بالواقع، وهموم الناس، والشأن العام ويتم تحويله إلى بيانات، وأناشيد وصلوات تمجد الزعيم.

نوال بري لم تخلق وحدها هذا المسار، ولكنها أعلنت انطلاق مؤتمره التأسيسي الذي يعنى بإعادة إنتاج معنى التغطية الإخبارية بشكل جديد، يكون المراسل فيه الناطق الرسمي باسم “كبير العيلة”. هكذا سيكون بإمكان المشاهد اللبناني حين ينتقل من محطة إلى أخرى باحثا عن وجهات نظر مختلفة لموضوع واحد، أن يعثر على “كبير عيلة” واحد بوجوه كثيرة، وبنكهات متنوعة تنمو وتزدهر على جثة الخبر وعلى جثة الموضوعية والحقيقة.

كاتب لبناني

18