نوال في لحن الحضرمي عبيدون

بإمكاننا اليوم وبعد عقدين من أداء “يا مصبر الموعود” أن نضعها في سلة فضية بينما تقابلها أكداس من قش غنائي مر عاجلا لإفساد الذائقة السمعية.
الاثنين 2018/03/12
صوت نوال برع في تساؤلات حزينة

أتأمل كيلا من الاتهامات على عدد محدود من مقالات تناولت فيها الموسيقى وعلوم الغناء، فأبدو أمام حزمة أراء، وإن كان بعضها لا يحمل الجد في النقد الموسيقي، بأنني متحامل على ما أكتب من أصوات غنائية أو ملحنين. غالبا ما نقع تحت تأثير الذائقة السمعية غير المهذبة وندافع عن لحن ساذج أو نص غنائي رديء أو أداء مترهل وواهن لصوت مشهور لكنه لا يصلح للغناء! لذلك تبدو أراؤنا مرآة لذائقتنا السمعية.

لست في موضع دفاعي عما أفكر وأقرأ، ولا أملك إجابات لكل ما اتهمت به حيال ما كتبت على قلته بشأن الأغاني، لكنني لست متشائما حيال كل ما يقدم، ومن بين هذا الكم الهائل من الأغاني التي اجتاحت مسامعنا على مدار السنوات الماضية يمكن انتقاء حزمة تعبيرية ترتقي بالذائقة السمعية، لذلك تبقى بعض الأغاني حية مع مرور أكثر من عقد على أدائها، فيما تلاشت مئات الأغاني ولم تسعفها شهرة مطربيها.

من بين الأغاني التي لا يمكن أن تغادر الأسماع وبعد عشرين عاما على أدائها تبقى جوهرة “يا مصبر الموعود” النص الملتاع الذي كتبه الشاعر يوسف بن عقيل، واللحن التعبيري الموغل في أعماق الكلمات الذي صاغه اليمني الحضرمي عازف الإيقاع الراحل صالح يسلم عبيدون، بينما برع صوت نوال في تساؤلات حزينة كأنها تستعيد أسى ممتدا من شط العرب حتى تخوم الخليج العربي.

يبدو التكامل في هذه الأغنية في أوجه سواء بالنص العميق أو صياغة اللحن الذي اختار له صالح يسلم مقام الكرد وبإيقاعات خليجية، لكنها تمتد من البيئة العراقية حتى حضرموت، ويتسنى أيضا للهفة قلب في المغرب العربي عند الاستماع لهذه الأغنية، أن يرف ولعا، لأنها ببساطة تمتلك من التعبيرية ما يجعلها تتخطى المسافات، لا عائق لغويا يقف أمام نص بن عقيل، بينما برع الملحن اليمني الراحل في استلال روح الكلمات في موسيقاه، فللصبر موسيقى الكمانات الحزينة، وامتداد صوت نوال يعصر القلب بعذوبته في هذه الأغنية.

ولأنها أغنية متكاملة لا يمكن أن تضيع وسط الضجيج والمزاعم الصاخبة حتى وإن لم تعرض لسنوات على الشاشات، ولأنها أغنية فائقة التعبيرية أيضا بقيت حية منذ إنتاجها عام 1998. إن تظهر أغنية بهذا الرقي والتعبيرية المهذبة في وسط غنائي غير صحي، يعني أن ثمة من يجتهد لاكتشاف الكامن في موسيقانا العربية، وهذا ما فعله الراحل عبيدون الحضرمي.

بإمكاننا اليوم وبعد عقدين من أداء “يا مصبر الموعود” أن نضعها في سلة فضية بينما تقابلها أكداس من قش غنائي مر عاجلا لإفساد الذائقة السمعية، ولسوء الحظ مازال مستمرا، بينما يندر أن تتكرر “يا مصبر الموعود”.

24