نوايا أميركية لمواجهة النفوذ التركي والروسي من القاهرة

حوار الطاقة الإستراتيجي يكشف دعم واشنطن لحقوق قبرص في شرق المتوسط.
الاثنين 2019/09/16
واشنطن ترفض التجاوزات التركية بشرق المتوسط

فتح أول حوار إستراتيجي بين مصر والولايات المتحدة بشأن مجال الطاقة، آفاقا استثمارية جديدة يتجاوز مداها قطاع البترول والغاز، ويمتد للطاقة النووية والشمسية، كما حمل الحوار أبعادا سياسية من خلال نوايا أميركية جدية في تطويق النفوذ التركي في شرق المتوسط، ومواجهة التوسع الروسي في المنطقة.

القاهرة – كشفت أولى جولات حوار الطاقة الإستراتيجي بين مصر والولايات المتحدة في القاهرة مؤخرا جانبا من نوايا واشنطن وسعيها إلى أن تكون لاعبا رئيسيا في منطقة شرق البحر المتوسط، ليس فقط في مجال البترول والغاز، لكن في مجال الطاقة النووية أيضا.

وقال دان برويليت نائب وزير الطاقة الأميركي في حديثه لـ”العرب”، إن الولايات المتحدة على استعداد للتعاون مع مصر في مجال إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية. وأوضح أنه من الممكن مدّ مصر بتكنولوجيا الجيل الثاني بأنظمتها المتطورة التي تضمن كفاءة عالية ومعدلات أمن وسلامة قوية في هذا القطاع.

وتكشف هذه التصريحات عن نوايا مبيّته لدى واشنطن للمزاحمة في هذا القطاع، حيث سبق وأن وقّعت مصر على اتفاق منذ سنوات مع روسيا لإنشاء أول محطة لإنتاج الكهرباء من الطاقة النووية، في منطقة الضبعة على ساحل البحر المتوسط. وسيتم تنفيذ المشروع على مساحة 45 كيلومترا مربعا ويضمّ إنشاء 8 محطات نووية، على 8 مراحل باستثمارات إجمالية تصل لنحو 25 مليار دولار، لإنتاج قدرات 4800 ميغاواط.

سلاح الطاقة

نجح سلاح الطاقة فيما أخفقت فيه جهود القطاع الخاص المصري والذي سعى على مدى سنوات لضم القطاع الخاص للحوار الإستراتيجي بين القاهرة وواشنطن. وأوضح أنيس أكليمندوس، رئيس غرفة التجارة الأميركية بالقاهرة الأسبق، أن البلدين دخلا منعطفا جديدا من تعزيز المصالح المشتركة، بعد ضمّ قطاع الطاقة للحوار الإستراتيجي. وتابع في تصريح لـ”العرب” إلى أن الاستثمارات الأميركية سوف تشهد فورة كبيرة في قطاع الطاقة، فضلا عن آفاق جديدة للاستثمارات المشتركة في الأنشطة المرتبة بهذا القطاع”.

وتزامن توقيت حوار الطاقة الإستراتيجي مع زيارة أليكسي ليخاتشوف مدير عام شركة “روس أتوم” الروسية للقاهرة ولقاء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي تابع معه خطوات سير المشروع.

وتمّ الإعلان عن ضم قطاع الطاقة للحوار الإستراتيجي بين مصر والولايات المتحدة، على هامش اجتماعات منتدى غاز شرق البحر المتوسط في يوليو الماضي، حيث حضرت الولايات المتحدة فعاليات التدشين الرسمي للمنتدى بصفة مراقب وضيف شرف.

ووقعّ ريك بيري وزير الطاقة الأميركي اتفاق ضمّ قطاع الطاقة للحوار الإستراتيجي أمام غرفة التجارة الأميركية بالقاهرة، وبعد ساعتين من إعلان البيان الختامي لتأسيس المنتدى الذي خلا من الإشارة إلى تلك النقطة. وعزا مراقبون هذه الخطوة إلى أن اتفاق التوقيع كان يضم وزارتيْ الكهرباء والبترول المصريتين، أما منتدى الغاز فمعنيّ بقطاع الغاز والبترول فقط، لذلك كان من اللازم توقيع هذا الاتفاق بعيدا عن اجتماعات منتدى غاز شرق المتوسط.

وجرت أول محاولة للحوار بين البلدين خلال عاميْ 1988 و1989 بعقد جلستين في القاهرة وواشنطن حول القضايا السياسية الدولية والإقليمية على مستوى الخبراء من الجانبين، غير أنه توقّف بعد حرب الخليج عام 1991.

وتستهدف اجتماعات الحوار الإستراتيجي التي كانت تتم على مستوى وزراء الخارجية فقط قبل ضمّ قطاع الطاقة، الإسهام الفاعل في القضايا السياسية في المنطقة والمفاوضات الرسمية بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، ووضع قاعدة للمصالح المشتركة.

دان برويليت: واشنطن تقف بجانب قبرص في نزاعها مع تركيا حول حقول الغاز
دان برويليت: واشنطن تقف بجانب قبرص في نزاعها مع تركيا حول حقول الغاز

وتعتمد القاهرة في تأمين استدامة الطاقة على مزيج من المصادر غير التقليدية، منها إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية ويتم ذلك بالتعاون مع روسيا، أما الطاقة الشمسية فتسيطر عليها التكنولوجيا الألمانية، وطاقة الرياح من خلال التكنولوجيا الهولندية.

وحرصت واشنطن على المزاحمة في هذا القطاع من خلال ضمّ الطاقة للحوار لتعزيز نفوذها في هذا المجال، وكان من الذكاء الإعلان عن ضمّ قطاع الطاقة، الذي يشمل جميع المصادر، وليس ضمّ قطاع الغاز والبترول، وبالتالي ضمنت الولايات المتحدة المزاحمة في مصادر الطاقة الأحفورية والمتجددة أيضا.

وقال برويليت إن مزرعة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية في منطقة (بنبان) بمحافظة أسوان بجنوب البلاد مشروع مهم جدا، مشيرا إلى أن واشنطن حريصة على دعمه، وهى إشارة أخرى على رغبة الجانب الأميركي في الاستثمار في قطاع الطاقة المتجددة. ولفت إلى أن بلاده لديها تكنولوجيا متقدمة جدا، حيث تمكّنت من تصنيع خلايا فوتوفولطية قادرة على تحويل الطاقة الشمسية إلى كهربائية بجودة وكفاءة عالية، ولا تحتاج مساحات كبيرة من الأرض نظرا إلى صغر حجم هذه الخلايا.

ويعدّ مشروع (بنبان) لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية من أضخم المشروعات عالميا ويقع على مساحة تصل لنحو 3.7 مليون متر وتصل قدرته الكهربائية نحو 1600 ميغاواط، ويعمل فيه 32 تحالفا دوليا. وتخطط مصر لتوليد 42 بالمئة من استهلاكها من الكهرباء من خلال الطاقات الجديدة والمتجددة بحلول عام 2035 وعلى المدى القصير تحقيق نسبة 20 بالمئة بحلول عام 2022.

أجندة أميركية

تسعى الولايات المتحدة من خلال حوار الطاقة إلى فرض تواجدها استثماريّا في هذا القطاع الإستراتيجي، بما يخدم أجندتها السياسية، فضلا عن أنّ قطاع الطاقة يتيح لها مواجهة روسيا في منطقة شرق المتوسط والنيل من نفوذها، سواء في الغاز أو الطاقة النووية.

وحرصت على إجراء حوار الطاقة بعد شهرين تقريبا من اجتماعات منتدى شرق المتوسط، ومنفصلا عن الحوار العام الذي يضمّ وزراء الخارجية لتؤكد تواجدها بقوة في قطاع الطاقة ومواجهة التواجد الروسي والتركي في شرق البحر المتوسط.

وتمتلك موسكو 30 بالمئة من حصة شركة “إيني” الايطالية في حقل الغاز المصري “ظهر” العملاق بالبحر المتوسط، والذي يعدّ من أكبر عشرة حقول غاز في العالم.

وأوضح بروليت “أن الإدارة الأميركية تقف بجانب قبرص في نزاعها مع تركيا حول حقول الغاز في البحر المتوسط، وتتفق في أنّ هناك تجاوزات من جانب أنقرة بالحفر في المياه الإقليمية القبرصية”. وفي تساؤل حول طبيعة الدعم الذي يمكن أن تقدمة واشنطن لقبرص في هذه القضية، يردف برويليت بقوله “لستُ أدري لكننا نؤيد وجهة النظر القبرصية”.

وعززت صفقة استحواذ شركة “نوبل إنرجي” على 39 بالمئة من حصة شركة ديليك للحفر الإسرائيلية في شركة غاز شرق المتوسط من التواجد الأميركي عمليا في منظومة الغاز بالمنطقة.

وتمتلك شركة غاز شرق المتوسط خط أنابيب الغاز الواصل بين مصر وإسرائيل، الذي تم تفجيره عشرات المرات خلال فترة الانفلات الأمني بمصر في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، مما حدا بالجانب المصري وقف ضخ الغاز بالخط.

وعلّق برويليت على توقف ضخ الغاز المصري بخط الأنابيب حتى الآن قائلا، “نحترم رغبة مصر في تحقيق الاستقرار الأمني بمنطقة سيناء، وتوقيت ضخ الغاز مرهون بموافقة القاهرة”.

وحول الدعم الذي تقدّمة واشنطن لمنتدى شرق المتوسط، أكد برويليت أن بلاده تملتك قدرات لتطوير أحدث التكنولوجيات في كافة مجالات الطاقة من خلال 17 معملا متخصصا في وكالة الطاقة بالولايات المتحدة الأميركية.

وأكد أن بلاده تشارك مصر ودول شرق المتوسط جهودها وتوفر الدعم للتعاون بينهم في مجال الغاز من خلال تقديم التكنولوجيا المبتكرة التي تساهم في اكتشاف الغاز واستغلاله وتنمية موارده في شرق المتوسط عبر الشركات الأميركية المتخصصة في صناعة الطاقة.

ويعزز البنك الدولي من التواجد الأميركي أيضا، حيث تطوع بتقديم دراسات للمنتدى لتمويل خطوط أنابيب نقل الغاز من الحقول المكتشفة في شرق المتوسط، سواء الحقول القبرصية أو الإسرائيلية للشواطئ المصرية لإسالته وإعادة تصديره لمختلف دول العالم. وتدعم هذه الخطوة التواجد الأميركي وتمثل ضربة لخط الغاز التركي الجنوبي الذي كان معبرا رئيسيا لتصدير الغاز إلى أوروبا من خلال الأراضي الروسية.

13