نوايا حسنة

الأحد 2016/12/18

لست أدري بماذا أبدأ عند الحديث عن ذلك الجانب الخفي في أغلب الأحيان في حياة نجوم كرة القدم والمتعلق بالأنشطة الاجتماعية وخدمة الصالح العام؟ لكن ربما يمكن البدء بنشاط أحد أبرز النجوم وأكثرهم تأثيرا خلال العشرية الأولى من هذه الألفية، إنه الإنكليزي ديفيد بيكهام.

نجم منتخب بلاده ومانشستر يونايتد وريال مدريد وباريس سان جيرمان سابقا، مازال يحتفظ بتوهجه الدائم بعد سنوات من الاعتزال، مازال يحتفظ بتلك الصورة البرّاقة ويحظى دوما بالتميز والحضور اللافت في كل المناسبات، ربما السبب في ذلك لا يعود إلى تألقه عندما كان يصول ويجول في الملاعب، بل أيضا لأنشطته الخيرية وعلاقته الوطيدة بأعمال “اليونسيف” أو منظمة الأمم المتحدة للطفولة، فآخر الأخبار تشير إلى أن بيكهام ظهر في مقطع فيديو يجسد خلاله مظاهر العنف والاضطهاد المسلط على الأطفال، في هذا الفيديو استغل بيكهام الوشم الذي يزين به ظهره بطريقة فنية بحتة كي يظهر للعالم ضرورة حماية الطفولة من العنف والاستغلال غير الشرعي.

ظل وفيا ونشطا في كل أنشطته الخيرية وتعاونه مع المنظمات الدولية التي تعمل لفائدة الصالح العام في مختلف بقاع العالم، وكأنه أراد أن يؤكد أن النجومية التي تسطع على الملاعب الخضراء قد يأتي يوم وتنتهي إلى زوال ما لم نغذّها ونسقيها من ينبوع دائم في مجال الأعمال الخيرية.

بيكهام ليس الوحيد في هكذا مجال، بل إن الأمم بمختلف منظماتها بدأت منذ سنوات طويلة في استثمار النجومية كي تحقق أهدافها النبيلة خدمة للإنسانية جمعاء، وكان من الطبيعي أن يكون نجوم الكرة في مقدمة كوكبة المعينين كسفراء للنوايا الحسنة، وتم تعيين عدد كبير من هؤلاء النجوم في هذا المنصب الشرفي الذي يهدف أساسا إلى استغلال تأثيرهم من أجل قضايا هادفة مثل محاربة الفقر وحماية الطفولة، وهذه التجربة أثبتت جدواها كثيرا وأعطت أكلها وعادت بالفائدة على الجميع بمن في ذلك نجوم الكرة الذين ارتفعت مكانتهم وأصبح تأثيرهم إيجابا أقوى من ذي قبل.

ربما لا يبدو في هذه المسألة بحث عن أطماع شخصية، فالجانب الإنساني يبقى لدى بعض نجوم الكرة هو المسألة الأكثر قيمة حتى من النجاح الرياضي، وكثر هم اللاعبون الذين لا يتوانون عن التعبير عن نواياهم الحسنة حتى وإن لم يقع تعيينهم في هذا المنصب الشرفي، فالنية الصادقة هي في الأصل ليست مرتبطة دائما بهكذا تكليف، بل هي نابعة في الأصل من الأصل والقلب الصادق والتوق إلى القيام بأعمال الخير.

هم كثر فعلا من يسعون إلى الاستفادة من نجاحهم الرياضي ونجوميتهم كي يقوموا بأعمال وأنشطة تعود بالفائدة على المحتاجين والمحرومين، ولعمري هذه هي الرسالة الحقيقية التي يجب أن يدركها لاعبو كرة القدم والرياضيون بصفة عامة.

النية الحسنة صفة اكتسبها عدد كبير من اللاعبين، فرونالدو البرازيلي مثلا لا يتورع دوما عن المشاركة في مباريات يخصص ريعها لفائدة الأعمال الخيرية وزميله السابق في ريال مدريد هو شريكه الدائم، ورونالدو البرتغالي زيّن نجوميته الكبيرة بأعمال خيرية أنجزها في موطنه البرتغال وفي بقاع عدة في العالم، وميسي رغم تركيزه الشديد على مواصلة التألق في الملاعب لم ينس في عدة مناسبات ذلك الجانب الإنساني الساكن فيه، وفي الكثير من الأحيان يتبرع بمبالغ كبيرة لفائدة المؤسسات الخيرية، ومثلهم قام النجم البرازيلي نيمار الذي كثرت مشاركاته في الأنشطة الخيرية خلال السنوات الأخيرة.

برز أيضا من النجوم مسعود أوزيل نجم منتخب ألمانيا، وكذلك زميله توني كروس الذي سار على درب من سبقوه وأسس مؤسسة خيرية هدفها مساعدة المسنين والأطفال المرضى.

لنا أيضا في المالي المعتزل فريديريك كانوتي أسوة حسنة في القارة السمراء، فهذا اللاعب كان ومازال إلى اليوم يتبرع بمبالغ هامة لفائدة الفقراء والمحتاجين في بلده، بل ساعد في بعض الأحيان حكومة بلاده في هذا المجال.

أما الأرجنيتي المعتزل أيضا خافيير زانيتي نجم أنتر ميلان السابق، فقد كان من أكثر اللاعبين التزاما بالمشاركة في الأعمال الخيرية، وطيلة مسيرته مع فريقه الإيطالي كان يتبرّع سنويا بمبالغ هامة من أجل مساعدة المحتاجين في بلاده، بل إنه حرص سنة 2001 عندما كانت الأرجنتين على مشارف أزمة اقتصادية خانقة على إنشاء مؤسسة خيرية هدفها مساعدة الأطفال الفقراء واحتضانهم، وقدم يد المساعدة لعدد كبير للغاية من الأطفال المحرومين ما جعل الفيفا يختاره كسفير له في أحد مشاريعه الخيرية في الأرجنتين.

الثابت أن هذه القائمة تضم عددا أكبر من اللاعبين الذين تناسوا ولو إلى حين التنافس الرياضي المحموم، وعبّر كل بطريقته الخاصة عن ذلك الجانب الإنساني، فأن تكون لاعبا مشهورا ومشهودا لك بالنجاح والتألق لا يكون في الملاعب فقط، بل ربما ستزداد نظرة الإعجاب باللاعبين ألقا وبريقا، ويكتسب كل من ساهم في مثل هذه الأعمال الخيرية صفة السفير الدائم والنصير لكل القضايا الإنسانية، لكن بنوايا حسنة.

كاتب صحافي تونسي

23