نوبات الرعب والاكتئاب تحول دون دمج اللاجئين في المجتمع الألماني

المرضى الذين لم يعالجوا من حالات الإصابة بالاكتئاب واضطرابات الخوف لا يستطيعون رؤية عروض إدماجهم في المجتمع على نحو جيد.
الخميس 2018/10/11
الذكريات الأليمة تفقد الأمل

برلين - ظن الشاب اللبناني في بداية الأمر أنه قد أفلح، فبعد فراره من مخيم للاجئين، والخوف المتواصل من الترحيل من ألمانيا، وبعد تنقله بين الكثير من الهيئات، صار يجد ملاذا آمنا، وأصبح من حقه البقاء في ألمانيا، حيث حصل على مأوى ووظيفة في العاصمة برلين، ويمكن له الآن أن يبدأ حياة جديدة.

ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن وحسبما يتذكر أحمد س. الذي يقوم على الرعاية النفسية للشاب، “فقد تحول مسكنه فجأة لسجن.”

ويقول أحمد “إنه عندما بدأت حياة اللاجئ اللبناني الشاب تأخذ مسارا أكثر أمنا، عاودته من جديد ذكريات سيئة وصارت مشاعر الرعب تنتابه، وخاصة في كل مرة يسمع فيها بوق سيارة الإسعاف”، وفقد المريض عمله في نهاية المطاف.

هذا هو حال الكثير من اللاجئين في ألمانيا؛ حروب وأزمات، حيث يعاني أغلبهم من ذكريات تجارب مؤلمة نفسيا، وكثيرا ما ترتبط حياتهم في ألمانيا أيضا بشعور الافتقاد للأمان “فمعظم اللاجئين يعانون من إجهاد مزمن يستمر لسنوات بسبب حياتهم في وضع المترقب” حسبما أوضحت إريس هاوت، من مجلس رئاسة الجمعية الألمانية للطب النفسي والعصبي، والتي أشارت إلى أن الإجهاد يمثل أحد الأسباب التي يمكن أن تصيب الإنسان بالاكتئاب واضطرابات الخوف والإدمان، بل والانتحار.

ورغم ذلك، وحسبما ذكر ديتريش مونس رئيس الغرفة الألمانية للأطباء النفسيين، من الصعب بالنسبة للاجئين العثور على مساعدة نفسية، “حيث لا يحق للاجئين خلال الأشهر الـ15 الأولى من حياتهم في ألمانيا الحصول سوى على علاج للمتاعب الجسدية الشديدة”.

كما أن هناك نقصا في المعالجين النفسيين الذين يتحدثون لغة اللاجئين، بالإضافة إلى الافتقار للمترجمين الفوريين المدربين للمشاركة في العلاج النفسي، فضلا عن النقص في اللوائح الإدارية الخاصة بتحمل تكاليف الترجمة من قبل شركة التأمين الصحي.

وترى هاوت أن “هناك في ألمانيا بعض المنارات المتفرقة التي توفر علاجا صحيا باللغة الأم للاجئ، ولكننا بعيدون للغاية عن الرعاية الصحية الجيدة مما يعوق عملية الاندماج  في المجتمع″.

وأوضحت الخبيرة الألمانية أن “المرضى الذين لم يعالجوا من حالات الإصابة بالاكتئاب واضطرابات الخوف لا يستطيعون رؤية هذه العروض على نحو جيد”.

وكان اللبناني المصاب بنوبات رعب محظوظا حيث وجد المساعدة لدى مواطنه أحمد س، من المنظمة الدولية للطب النفسي “إيبسو” التي توفر التدريب للاجئين على العمل في تقديم النصح والإرشاد للمرضى النفسيين، وأوضحت انجه ميسمال المتحدثة باسم المشروع الذي يتبناه مستشفى “شاريتيه” الجامعي في برلين قائلة “نوفر مثل هذه المساعدة عبر الإنترنت وأيضا من خلال المحادثات الشخصية من قبل أشخاص يستطيعون فهم الباحثين عن المساعدة، بعد أن مروا بتجارب مماثلة، وبسبب تشابه الخلفية الثقافية التي ينتمون إليها”.

العلاج النفسي مهم للاجئين
العلاج النفسي مهم للاجئين

وتقول ميسمال “كثيرا ما يكون مجرد حديث المريض عن مشكلاته مساعدة له حيث يبدأ المرضى من خلال هذا الحديث في الرجوع لذواتهم والإمساك بزمام حياتهم مرة أخرى”.

وأسست ميسمال منظمة “إيبسو” قبل عشر سنوات لمساعدة الناس في أفغانستان، حيث أقامت هناك شبكة من مقدمي الرعاية النفسية وهي الشبكة التي أصبحت جزءا من النظام الصحي، قائلة “عندما جاء الكثير من اللاجئين إلى ألمانيا في عام 2015، بدأنا نحن أيضا العمل هنا”. وقامت ميسمال بتدريب 70 لاجئا منذ عام 2016 على مستوى ألمانيا، على تقديم الرعاية النفسية لآخرين. ومن بين هؤلاء أحمد س. الذي درس علم النفس، وهو يقدم استشارات صحية للبنانيين.

ويقول أحمد “استطعت أن أوضح لمريضي أن مخاوفه طبيعية جدا، وأن عليه أن يحاول أن يتعايش معها، وقد تحسنت حالته الآن، فقد عثر على عمل جديد، وأصبح لا يحتاج للعلاج النفسي”.

أما زملاء أحمد فيتحدثون عن الكثير من الحالات التي يصادفونها بشكل شبه يومي، رجال لا يتحملون فقدان مكانتهم الاجتماعية وينفسون عن غضبهم الناجم عن ذلك في زوجاتهم وأبنائهم.

كما يتحدثون عن أسر لا تعرف كيف تتعامل مع أبنائها المراهقين ومع الحريات الجديدة التي أصبحوا يتمتعون بها في الغرب، ويتحدثون كذلك عن لاجئين لديهم أقارب في بلادهم يعلقون آمالا مفرطة على ذويهم في ألمانيا.

ويقول أحمد “نعرف بالضبط ما يشعر به معظم الناس، لأننا عايشنا الكثير من ذلك بأنفسنا”.

وتقول هاوت إنه ربما كانت مثل هذه الفكرة الجديدة لمساعدة اللاجئين مثار جدل بين زملائها، ولكنها تعتبرها مجدية في ضوء العراقيل الضخمة التي تحول بين اللاجئين وبين الحصول على رعاية نفسية منتظمة فلا بد من العثور على أساليب جديدة. ويرى مونس، من الغرفة الألمانية للأطباء النفسيين، أن هذه الرؤية “تمثل عرضا جيدا من ناحية المبدأ.. فهي تهدف إلى إقامة الثقة”.

وأشار الخبير الألماني إلى أنه باستطاعة مقدمي الرعاية النفسية المساعدة في الحالات البسيطة ودعم اللاجئين اجتماعيا، “حيث يمكنهم في بعض الحالات تقديم الدعم للاجئين من خلال المساعدة في توفير وسائل بعينها للعلاج النفسي، ولكن لا يمكن لهؤلاء أن يكونوا بديلا عن العلاج النفسي”.

وأكد مونس أن ليس جميع اللاجئين يحتاجون لتلقي العلاج على يد معالج أو طبيب نفسي، وقال إن بعض هؤلاء يتعافون دون دعم متخصص، في حين أن جزءا آخر يعاني من آلام يكفي فيها تلقي بعض الإرشادات والرعاية النفسية، “ولكن المهم هو أن يحصل اللاجئون الذين يحتاجون العلاج النفسي على هذا العلاج، سريعا”.

ويؤكد الخبير النفسي أنه يجب أن يكون مقدمو الرعاية النفسية مدربين على نحو جيد لمعرفة متى يصبحون غير قادرين على مواصلة تقديم هذه الرعاية لشخص ما، ومتى يحتاج اللاجئ علاجا نفسيا على يد طبيب متخصص، “وحتى وإن كان ينصح بهذا العلاج المتخصص، فإن وجود هؤلاء المساعدين مهم، لأنهم يستطيعون جيدا إيصال هذا العلاج لمواطنيهم”.

20