نوبة عراق العجم

الأربعاء 2014/06/18

توجد معزوفة تراثية شهيرة في الموسيقى الأندلسية المغربية، تسمى “نوبة عراق العجم”، قطعة طربية تملأ الوجدان، لكن لا علاقة لها لا بالعراق ولا بالعجم، تذكرتها فجأة عندما زرت بلاد كردستان العراق (أو عراق العجم)، قبل ستة أشهر؛ حين وجدتني، دون مقدمات، أمام كلام وصحف وإشارات مرورية ويافطات وكتب، بأحرف أعرفها لكن مدلولها بعيد عن مداركي… كثفت في ذهني تلك الصور الملتبسة للشرق الغارق في ثرائه اللغوي والديني والطائفي. كان ثمة شبه جزئي ببلادي عبر سلسلة الجبال المتجاورة، لكن لا سهل هناك، إلا أن يكون أرضا يبابا.

هكذا تشربت لفظة “الكرد” اللون الرمادي الدّاكن بشكل كلي. وهو ما فسر لي ذلك النسغ المأساوي الساكن لكلام الناس وحكيهم، وثرثراتهم العابرة. كانت الأجوبة عن استفساراتنا نحن المغاربة، غالبا ما تقرن بأهوال ما جرى، قبل انتفاضة الكرد على سلطة النظام البعثي البائد.

كان المسلحون في كل مكان، وتهيّأ لي أني لم أقابل محجبة واحدة في ذلك المهرجان الثقافي الكبير بمدينة السليمانية، ولا مسدل للحية، كان الجميع ببدلات عصرية أو بزي قومي؛ فالكرد كانوا دوما أقلية في الدول التي يعيشون فيها، لذا انتصر الدافع القومي على المحرك الديني والمذهبي، وظل المجتمع متدينا بالفطرة دون غلو أو تسييس لتلك المرجعية. كنت في ندوة عن “التعدد الثقافي” رفقة سعيد يقطين وسعيد بنكراد وحسن بحراوي، وربما أطرف فكرة قدّمت فيه -بتلقائية مغربية-، هي تلك التي اقترح فيها الناقد سعيد بنكراد صياغة بيان يدين “قتلة الحسين”، يوقع عليه الحاضرون من السنة والشيعة، وانتهى الأمر.

كانت لحظة قوية تلك التي اعتلى فيها المنصة كهل فارع القامة بملامح رصاصية، متخفف من تلك الأناقة الخانقة للرسميين، قيل لنا إنه السيد “ملا بختيار” عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، تحدّث لثلاثة أرباع الساعة ارتجالا باللغة الكردية (مع توفير الترجمة الفورية للضيوف)، عن القضية القومية وثقافة الكرد، وبعث برسائل إلى الجوار الطامح للهيمنة: “إيران” و”تركيا”، لكن ما كان مفاجئا هو ثقافة الرجل الذي ينتقل من الفلسفة فالفكر السياسي ثم إلى الإبداع الأدبي بسلاسة، وجرأة في الحديث عن العلمانية كأفق لا محيد عنه لبناء مجتمع ينتمي إلى العصر. وكأنه كان يتنبأ بذلك الاجتياح الداعشي الذي أخرس العالم… ذكرني بعينة من الزعماء السياسيين التاريخيين في المغرب، الذين لم نعد نجد مثلهم اليوم.


كاتب من المغرب

15