نوبة عمل أو نوبتان.. حيرة المؤسسات التي لا تنتهي

العمل، هو واحد من حيث المفهوم والجدوى، سواء كان وفق نظام الحصتين أو النوبة الواحدة، أو حتى من البيت وإلى البيت، لكنّ النظم والقوانين الإدارية في القطاعين العام والخاص تفرض جداول عمل زمنية محدّدة، وحسب شروط صارمة تتبع الدقّة والالتزام، خصوصا في المجال الوظيفي الذي يرتبط بمصالح المواطنين، ويجرّ معه قطاعات حيويّة كالتعليم والصحّة والنقل، وأخرى حسّاسة في المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية.
الثلاثاء 2016/05/24
الكلّ يعمل وعينه على الساعة

تونس - يناصر المراجعون لدوائر الدولة نظام الحصتين ويرون فيه أريحيّة تجنّبهم الزحام والوقوف في الطوابير الطويلة وتربحهم الكثير من الوقت، ولكن ما عساه أن يكون رأيهم وموقفهم لو كانوا موظفين؟ فالمثل العامي القائل بأنّ “لا أحد يحسّ بالجمرة إلاّ من يدهس عليها” يسري في البلاد العربية من الماء إلى الماء، وهو تذكير بضرورة تمثّل حال المتضرّر من تجربة تصبّ في صالح غيره.

وفي هذا الإطار قال أحد التونسيين مذكّرا بمعاناة العمّال اليوميين أمام أصحاب الياقات البيضاء في المكاتب المكيّفة “بين الحين والحين ينزع أحدهم قبّعته أو مظلته ليصب على رأسه قارورة ماء ثم يواصل عمله متحدّيا الحرّ القائظ وغبار ورشة الإعمار الذي تواطأ معه لقطع أنفاس العمّال، وعند الساعة الواحدة بعد الظهر، يجري هؤلاء فرادى وجماعات لتناول ما كتب الله لهم رغم أنّ أغلبهم لا يأكل غير نصف خبزة وعلبة حليب”.

أما في الجانب الآخر من القصة فـ”جنّة وأطرافها جحيم” كما يقول أحد النقابيين، مكاتب مكيّفة وهواء منعش وماء بارد وأشغال لا تتطلب عضلات مفتولة أو عرقا يتصبّب من الجبين والجسم والقدمين، موظفون يعملون ست ساعات في اليوم، على أقصى تقدير، وبعضهم لا يتجاوز حجم عمله الساعتين، ومع ذلك ترى هؤلاء يتذمّرون ويتشكّون، فـ”ماذا رأوا من الشقاء ما رآه هؤلاء العمال؟ وماذا يقول آخرون يعملون صيفا وشتاء بنظام الحصتين؟”.

يقول أحد العمّال الذي أفاد بأنه يحمل شهادة عليا في المجال الإعلامي، “هكذا تنزع الطبيعة البشرية نحو تغليب المصلحة الذاتيّة على المنطق العام، بالإضافة إلى أنّ المجتمعات العربية في عمومها، كثيرا ما تتجاهل التحاليل والقراءات المتخصّصة في مناقشة قضيّة لا تعنيها إلاّ بالشكل المباشر والمدى القريب، فحاجة الدول الأقلّ نموّا إلى المزيد من العمل والتضحيات أكثر من الدول المتقدمة، مسألة ينظر إليها عامة الناس بعين الريبة والتشكيك، ولا يأخذونها على محمل الجدّ، ما دامت تطلب منهم مضاعفة الجهود لفائدة المصلحة الوطنية التي تبدو لدى الكثير منهم مجرّد شعارات مكرّرة وفاقدة لبريقها”.

معضلات كثيرة تطرح نفسها في قضية الحسم في الاختيار بين نظامي النوبة الواحدة والحصتين، فللأول ـ كما للثاني ـ فوائد جمّة وسلبيات كثيرة، ويصعب السعي لإيجاد حلّ توفيقي، خصوصا أنّ العمل يتجاوز الموظّف والمدير وحتى المؤسسة، سواء كانت قطاعا عامّا أو خاصا، وذلك من جهة ارتباط الأسواق العالمية ببعضها البعض، وكذلك مواقف أصحاب القرار خلف مكاتبهم والبحار البعيدة، في عالم أمسى قرية من ناحية سهولة الاتصال وتوفّر المعلومة، لكنها شديدة التعقيد والشراسة من جهة المنافسة في عالم المال والأعمال، ولا يربطها غير خط غرينتش في تعديل الساعة والركض عكس عقاربها.

نظام النوبة الواحدة ربح للعامل والمؤسسة والوقت

العمل بما قل ودل

نظام النوبة الواحدة المعمول به في دول كثيرة، يمكّن من الإفراج والتنفيس على قطاعات كثيرة ترتبط معه بصفة عضويّة مباشرة أو غير مباشرة، كما تلتقي وجهات نظر كثيرة ومتخصّصة حول فائدته وجدواه، على المستوى القريب والبعيد، يقول موظف سوري في القطاع العام “بصراحة لا أتخيّل نفسي في نظام عمل وفق النوبتين، كما أسمع عنه لدى دول أوروبية وعربية، فأنا مضطرّ، كغالبية الموظفين، للعمل بعد الدوام الرسمي، وأنا أعمل الآن كسائق تاكسي، أي في ثلاثة أعمال، وبالكاد أتوصّل إلى تأمين الضرورات المعيشية كحد أدنى، أمام الأحداث التي تعيشها البلاد والتي صار فيها راتب الموظف لا يتجاوز المئة دولار في أحسن حالاته”.

وأشار استبيان للآراء كان قد تمّ في السنة الماضية بتونس إلى أنّ نسبة الذين يؤيدون نظام النوبة الواحدة تصل إلى 70 بالمئة، مقابل 22 بالمئة من معارضيه، كما أبدى أكثر من 7 بالمئة تحفّظهم في انتظار ما ستؤول إليه التجربة.

ويقول موظف تونسي “العمل بنظام النوبتين يسلط ضغطا على الموظفين بسبب العمل طول الوقت دون انقطاع والراحة بساعة واحدة لا تفي بالحاجة، وقد يضطر أغلب الموظفين للتأخر عن العمل، وهذا ما قد يزيد من المشاكل كما يتلاءم نظام النوبة الواحدة مع الموظفين في العاصمة والمدن الكبرى، نظرا لبعد أماكن العمل عن مقراتهم السكنية”.

وكان وزير التربية التونسي، ناجي جلّول، قد أعلن منذ مدّة أنّ وزارته ستشرع في غضون الأشهر القادمة في تطبيق نظام النوبة الواحدة في 60 مدرسة على أن تخصّص حصص ما بعد الظهر للأنشطة الرياضية والثقافية، مضيفا أنّ الوزارة حريصة على تعميم العمل بنظام النوبة الواحدة خلال الخمس سنوات القادمة، مشيرا إلى أنّ اعتماد نظام النوبة الواحدة سيتم طبق ما هو متوفر من بنية تحتية في انتظار تعميمه على مختلف المؤسسات التربوية.

ومن جهة أخرى سيفتح هذا النظام، في حال المصادقة عليه، آفاقا أرحب للتشغيل خاصة في بعض القطاعات التي تتطلب العمل ليوم كامل كقطاعات الخدمات والقطاعات الصحية والمستشفيات مثلا، ومن إيجابيات هذا النظام كذلك تدعيم التحكم في الطاقة والاقتصاد في المحروقات والمساهمة في الترفيع من الإنتاجية، إذ أنّ دراسة حديثة أعدّتها الجمعية التونسية لمكافحة الفساد تشير إلى أنّ أن نسبة غياب الموظفين داخل الإدارة التونسية ارتفعت خلال السنوات الأخيرة بنحو 60 بالمئة. كما بينت أن 80 بالمئة من الموظفين حاضرون قانونيا في مراكز عملهم عبر تسجيل حضورهم لكنهم في الواقع متغيبون جسديا، وأظهرت الدراسة أنّ معدل الوقت الذي يقضيه الموظف في العمل الفعلي لا يتجاوز 8 دقائق في اليوم.

أسبابهم ودوافعهم المنطقية لخصها أحدهم في قوله "كلنا نتمنى العمل كامل اليوم، وحتى أكثر من 8 ساعات، لأننا كلما عملنا أكثر، نربح أكثر"

وأكد الوزير أن تعميم النوبة الواحدة يحتاج إلى مجهودات استثنائية في البنية التحتية، وأن المدارس المستفيدة الموسم القادم ستكون في المحافظات التي لم تنل حظها من التنمية.

يقول رئيس قسم في مؤسسة إدارية “عندي قناعة بأني أقدّم مردودا متواصلا خلال ستّ ساعات وهو لا يختلف في شيء عن مردودي خلال العمل بنظام النوبتين”.

وتعد تونس من الدول العربية القليلة التي قرّرت اعتماد نظام النوبة الواحدة المطبق في الكثير من الدول عبر العالم، ويرى متخصصون في التربية أنّ نظام النوبة الواحدة، يفيد التلميذ ويمكنه من وقت أكبر لمراجعة دروسه والاستمتاع بوقت فراغه، خلافا لنظام النوبتين الذي يجبره على التوجه للمدرسة مرتين في اليوم.

يقول الزوجان سليم ومنية “نفترق عند الساعة الثامنة صباحا تاركين طفلنا آدم برعاية جدّته، ويلتئم شمل العائلة بعد الظهر، أعتقد أن الوقت الذي أقضيه مع طفليّ بُعيد الظهيرة كاف لينال منّا الرعاية والاهتمام اللاّزمين، كما أننا نتقابل على وجبتي الغداء والعشاء، عكس ما هو معمول به في نظام النوبتين، الذي لا يمكن بموجبه التمتّع سوى بوجبة عشاء جماعية فقط”.

يكثر المدافعون عن نظام النوبة الواحدة من الجانب الإيجابي الذي يصب في مصلحة الأطفال والأسرة، ويقول منصف (موظف) “بما أنّ مركز عملي بعيد نسبيا عن محلّ سكني فإنّني لا أتمكّن من العودة في الوقت الفاصل بين الفترة الصباحية والمسائية لرؤية طفلي، ممّا يؤثر على مزاجي وبالتالي على أدائي المهني بشهادة زملائي في العمل”.

وشدّد اختصاصيون في علم النفس على ضرورة أن يأخذ الآباء بالاعتبار مقدار الوقت الممنوح للأبناء في ظلّ نظام العمل بحصة واحدة.

وتخشى الأخصائية النفسية رانيا البحوري على الآباء أيضا من نظام العمل بحصتين يوميا وتقول “يهدد الخطر من سلبيات نفسية الأولياء أيضا وخصوصا النساء، فكيف للأم أن تظلّ طوال اليوم بعيدة عن فلذات أكبادها دون رعاية وهمسة حنان ومداعبة، الحنق والعصبية المفرطة والتهاون في أداء الواجب ستكون نتائج طبيعية في هذه الحالات”.

وانعقدت بالتزامن لجنة مغاربية لمتفقدي الشغل يتمحور موضوعها حول «توقيت العمل وربطه بالإنتاجية» وسيتم إحداث سبر آراء بين الأجراء والموظفين لمعرفة رأيهم في هذا المشروع الأولي الذي يبدو إيجابيا في نظر الكثيرين.

أسباب كثيرة وراء ضرورة نظام النوبتين

الحاجة إلى أكثر من نوبتين

لا يرى اختصاصيون كثيرون مانعا من العمل بنظام النوبتين، ونصحوا الذين يشتكون من تبعاته على المستوى الأسري بوجوب استغلال فترة الراحة التي تفصل بين الحصّتين الصباحية والمسائية لزيارة الأبناء خصوصا صغار السنّ منهم، ولو بالتناوب بين كل من الأم والأب، إذ أنّ التشتت العائلي يؤثّر بشكل مباشر على النموّ البدني والذهني السليم للطفل.

ويقول أحد المختصين “العمل في ورشات البناء شاق بكل ما تحمله الكلمة من معنى، خاصة أثناء فصل الصيف وحرارة شمسه الحارقة، وكنّا نتوقّع مطالبة أصحاب هذا المجال بنظام الحصة الواحدة في الصيف وشهر رمضان على غرار موظفي القطاع العام والعديد من المؤسسات الخاصة، لكنّنا فوجئنا برأيهم، فهم يرفضون النوبة الواحدة، ولهم أسبابهم ودوافعهم المنطقية التي لخّصها أحدهم في قوله ‘كلّنا نتمنى العمل كامل اليوم، وحتى أكثر من 8 ساعات، لأننا كلّما عملنا أكثر، نربح أكثر، فنحن نعمل بالسّاعة، وفي نظام النوبة الواحدة تنقص ساعات العمل فنخسر جزءا كبيرا من مرتباتنا، وتختلّ تبعا لذلك ميزانيات عائلاتنا ونعجز عن تلبية حاجيات أطفالنا، ولهذه الأسباب نتحمّل حرارة الشمس الحارقة من أجل أن نحافظ على دخلنا العادي، أمّا عن الظروف المناخية كالحرارة التي ترتفع إلى درجات لا تطاق في أغلب أيام الصيف فإننا نتحايل عليها، فترانا نقوم بأعمال داخل البناية كالتجديد والترميم وغيرها'”.

ويقول صاحب شركة أشغال خاصة “ينطلق العمل هنا في ورشة الأشغال مع الساعة السابعة ونصف الساعة صباحا، وكان من المفروض أن نعمل على الأقل إلى حدود الثانية ونصف الساعة ظهرا، على غرار المؤسسات العمومية، لكن البلدية فرضت علينا أن نوقف العمل مع الساعة الواحدة ظهرا، وفق نظام الحصة الواحدة المعمول به في الصيف وأثناء شهر رمضان.

فخمس ساعات في اليوم لا تخدم مصلحتنا كشركة ولا مصلحة العمّال الذين سوف تتأثر مرتباتهم كثيرا خاصة وأنهم على أبواب أعياد ومناسبات وعودة مدرسية، تثقل كاهل جيوبهم، فهناك عمّال يأتون من داخل الجمهورية ولا يرضيهم أن يعملوا خمس ساعات بل يطالبون بساعات عمل أكثر”.

رئيس قسم في إحدى المؤسسات تحدّث عن ظروف عمله قائلا “ظروف العمل هنا طيبة جدّا، أعرف أن الكثير من الموظفين لا يقدّمون المردود المطلوب منهم حتى لو عملوا ساعة واحدة في اليوم، أنا مقتنع بما أعمل ومقتنع أكثر بأني أقبض مرتبا لقاء العمل الذي أقوم به وليس لقاء النوم تحت المكيّف”.

الشركات الأجنبية المستثمرة في البلدان الفقيرة لا تعترف غالبا بمنطق الحصة الواحدة، لأنها تفضّل مصالحها أوّلا، وهذه الشركات ستستوعب موظفين وعمالا محليين، ربّما تعوّد الكثير منهم على الكسل ونظام النوبة الواحدة، ويقول مهندس تونسي يعمل في شركة أجنبية “يجب أن نتهيأ من الآن للتأقلم مع الوضع الجديد كي لا نذهب ضحية العولمة”.

متخصصون في التربية يرون أن نظام النوبة الواحدة، يفيد التلميذ ويمكنه من وقت أكثر لمراجعة دروسه والاستمتاع بوقت فراغه، خلافا لنظام النوبتين

ويضيف “نعمل في ظروف طيبة عموما، وكل من يشعر بالتعب بإمكانه أن يرتاح بضعة أيام على حساب العطلة السنوية، إضافة إلى كل هذا فإن للعمل بنظام النوبتين إيجابيات عديدة منها أنني عندما أخرج من العمل مع الساعة الخامسة لا أجد ذلك الاكتظاظ المروري الرهيب. كما أن الراحة بين النوبتين تسمح بتجميع القوة والعودة إلى الحصة المسائية بأكثر حيوية، وهذا له تأثير إيجابي جدّا على المردود في العمل”.

ويقول أحد رجال الأعمال الفرنسيين من المستثمرين في تونس “لا يمكن لبلد على طريق النمّو أن يعمل نصف الوقت الذي يعمله بلد نام، فبهذه الطريقة تزداد الهوّة اتساعا بينهما”.

ويرد أحد المستشارين في منظمة التربية والأسرة التونسية على سؤال “هل تتصور رئاسة الحكومة أن نظام النوبتين سيرفع من الإنتاجية ويقلل من الغياب المتكرّر للموظفين، ومن التأخير ومن التهاون والكسل والإهمال؟” بقوله “نظام النوبتين في العمل لا بديل عنه في بلد مثل تونس وغيرها من البلدان العربية، فنحن بحاجة إلى المزيد من العمل ومعالجة الخلل الحاصل في الجهاز الإداري وتيسير شؤون المواطنين، وكذلك البقاء على تواصل مع المستجدّات والشبكات المعلوماتية، وإيفاء حق الدولة من طرف الذين يتقاضون رواتب من الخزينة العامة على حساب دافعي الضرائب”.

ويقول أحد أصحاب الشركات الخاصة “الموظف التونسي يتمتع بيومي راحة في الأسبوع، وكذلك نظام النوبة الواحدة خلال شهرين من فصل الصيف وشهر رمضان، إضافة إلى العطل الرسمية والأعياد، وبالتالي فإن مجموع أيام عمله فعليا لا تتجاوز 105 أيام من مجمل 365 يوما في السنة.

12