"نوبة 2" التونسي.. الشخصيات المركّبة أربكت العمل

الجزء الثاني من "نوبة" أتى بإيقاع بطيء رتيب على عكس جزئه الأول المُتسارع في الأحداث والحبكات الدرامية المُترابطة.
الخميس 2020/04/30
لا يزال الجمهور التونسي ينتظر الإيقاع الصاخب أداء ونغما

بعد مرور بضع حلقات من مسلسلات تونس الرمضانية/ الدرامية الخمسة التي تبثّ على فضائياتها الخاصة والعمومية، وهي: "أولاد مفيدة 5"، و"العميل 86"، و"نوبة 2" (عشاق الدنيا) و"قلب الذيب" و"27". اتضح الخيط الأبيض من الأسود من معالم هذه المسلسلات وأحداثها وشخصياتها، ليخرج "نوبة 2" نجم كل ما تقدّم، رغم بعض الهنات.

تونس- حصل المسلسل الدرامي الرمضاني التونسي “نوبة” للمخرج التونسي الشاب عبدالحميد بوشناق في رمضان 2019 على أكبر عدد من الجوائز في أحد أعرق الاستفتاءات المحلية التي تنظّم في تونس خلال شهر رمضان.

ونال المسلسل الذي بثّته القناة الخاصة “نسمة” إحدى عشرة جائزة بالتمام والكمال في استفتاء نظّمته مجلة “تونيفزيون” (مجلة خاصة) بالتعاون مع إذاعة الشباب التونسية (عمومية).

وفاز المسلسل سنتها بجوائز أفضل مسلسل وأفضل مخرج وأفضل ممثّلة وأفضل ظهور متميز رجالي وأفضل ظهور متميّز نسائي وأفضل سيناريو وأفضل صوت وأفضل موسيقى تصويريّة وأفضل ماكياج وأفضل ملابس، إضافة إلى تنويه من لجنة التحكيم لبطل العمل الممثّل المخضرم والعائد إلى الدراما التلفزيونية بعد طول غياب حسين المحنوش.

كل هذا النجاح والتتويجات المستحقّة جعلا الجمهور التونسي يتعلّق بالمسلسل الحدث، سنتها، ويُطالب بوشناق وفريق العمل ككل بجزء ثان، من خلال كم التعليقات و”اللايكات” على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى بات هذا الجزء الثاني بمثابة مطلب جماهيري شعبي.

وأتى الجزء الثاني، فعليا، هذا العام الذي انتقل بثّه من قناة “نسمة” إلى منافستها “التاسعة” في 30 حلقة، بعد أن أقفل جزأه الأول في رمضان الماضي في عشرين حلقة مضغوطة متّصلة غير مُنفصلة بإيقاع سريع ومشوّق.

أسماء جديدة أُضيفت للجزء الثاني، أسماء مخضرمة وأخرى جديدة على غرار فتحي الهداوي وريم الرياحي وكمال التواتي وعاصم بالتوهامي ورباب السرايري ونور الهدى الناوي، علاوة طبعا على نجومه السابقين كالبحري الرحالي وهالة عياد وياسمين الديماسي وبلال البريكي وأميرة الشبلي ومهذّب الرميلي وعزيز الجبالي وأحمد كافون وآخرين.

ريم الرياحي من الأسماء الجديدة التي أضيفت للجزء الثاني من مسلسل "النوبة 2"
ريم الرياحي من الأسماء الجديدة التي أضيفت للجزء الثاني من مسلسل "النوبة 2"

أتى الجزء الثاني بإيقاع بطيء رتيب على عكس جزئه الأول المُتسارع في الأحداث والحبكات الدرامية، فحتى حلقته الرابعة بقي المسلسل يجترّ أحداثه السابقة كنوع من التذكير لما حصل، وكأن الجمهور التونسي نسيها، وما نسيها طبعا، فاليوتيوب والإعادات التلفزيونية المكرّرة كفيلان باستحضار ما سبق.

كما عمدت حلقاته الأربع إلى تقديم بعض الوجوه الجديدة كفتحي الهداوي الذي يُقدّم في هذا الجزء دورا مُختلفا ومُغايرا تماما عمّا عوّد به جمهوره التلفزيوني ولا نقول المسرحي طبعا، فقطع مع دور الشرير زير النساء، ليُقدّم شخصية مركّبة غاية في التعقيد؛ الرجل المخنّث، أتقن أداءها بحرفية المسرحيّ والسينمائيّ الذي راكم التجارب في الحياة والفن.

الأمر ذاته انسحب على كمال التواتي الذي نهل في شخصيته الجديدة المُضافة على أحداث “نوبة 2” من سجلّه القديم الذي تميّز فيه سنوات الشباب، من خلال فيلمي “عصفور سطح” (حلفاوين) لفريد بوغدير و”يا سلطان المدينة” للمنصف ذويب.  وهو يُقدّم هنا شخصيّة أخرى مُركّبة لا تزال معالمها تتشكّل لتتّضح أكثر مع تقدّم الحلقات، رئيس العصابة المُتغطرس والزوج القاسي ومع ذلك فهو أب حنون على وحيدته ريم.

والشخصيات المُركّبة عديدة ومديدة في مسلسل “نوبة” سواء في جزئه الأول أو الثاني، انطلاقا من هالة عياد “وسيلة” مدرّبة الصانعات (العوالم) الفاقدة لعينها اليُسرى نتيجة اعتداء وحشي من زوجها الذي قتلته انتقاما لجمالها المهدور.

وأيضا “فتحي” مهذّب الرميلي المُحقّق المغدور في كل أهله، أمه وزوجته وصغيرته، في حادث اغتيال مدبّر من عصابة المخدرات التي يُلاحقها، الأمر الذي يدفعه إلى انتحار فاشل، ثم الجنون. كما يظهر أيضا في الجزء الثاني من العمل عاصم بالتوهامي في دور مركّب آخر يجمع بين الخبث والقسوة بأداء قريب من الجندر الأنثوي. دون أن ننسى شخصيات أخرى كـ”برينغا” و”ماهر” و”وجدي” و”حبيبة” التي يُمكن عدّها، أيضا، من الشخصيات المُركّبة المُفعمة بهمومها ومآسيها وتناقضاتها.

وكلّ هذه الأدوار المُركّبة مُجتمعة أضرّت بالسياق الدرامي للعمل، فبات المُشاهد إزاء أكثر من شخصية مُعقّدة مُركّبة ومُربكة في الآن ذاته، وسط تنافس محموم في الأداء اتسم بالمبالغة في أكثر من موضع، الأمر الذي أضرّ بنسق الحكاية السيناريو التي يقوم أساسها على الغوص في عالم موسيقى “المزود” الشعبية في تونس والأجواء المصاحبة لها في المدينة العتيقة عبر شخصيات غير حقيقية أوجدها المخرج عبدالحميد بوشناق، لكنّ حكاياتها تمتدّ في الواقع عبر أحداث يتقاطع فيها الكوميدي بالتراجيدي وتتفرّع فيها الحكايات بين الخيانة والإخلاص والأمل والألم والحب والكره.

الشخصيات المركبة تعددت في المسلسل، الأمر الذي أضر بالسياق الدرامي، وسط تنافس محموم في الأداء

والمسلسل ليس توثيقا لعرض “النوبة” الذي احتضنه مسرح قرطاج صائفة عام 1991 قبل أن يرتحل إلى قاعة “الزينيت” الفرنسية في العام ذاته، وإنّما هو تفصيل زمني في الحبكة الدرامية للعرض الذي جمع فيه مخرجه الفاضل الجزيري، أيامها، أقطاب الأغنية البدوية والشعبية بتونس في سهرة فنية برؤية مسرحية متطورة.

وإلى حدود الحلقة الخامسة من المسلسل لم تتّضح بعد معالم هذا الانتصار لفن عدّه ويُعدّه إلى الآن بعض أهل الحاضرة فن السوقة والمهمّشين والرعاع. فن رديء خارج من أسوار السجون، لا يليق بالوجهاء والأثرياء والمثقّفين.

ومهما يكن من أمر ما ستكشف عنه بقية حلقات المسلسل الخمس والعشرون، بدا جليا أن النص مُرتبك عكس جزئه الأول، وهي مُعضلة درامية تونسية مُتوارثة في المسلسلات الأجزاء التي تأتي في الغالب بطلب من الجمهور لا من خلال برمجة مُسبقة محبوكة.

ومع ذلك وحتى كتابة هذه الأسطر يظل “نوبة 2” (عشاق الدنيا) بكل ما تقدّم من هنات نجم الإنتاج الدرامي التونسي لرمضان الحالي، لعدّة اعتبارات أولها الإخراج وثانيها الكاستينغ الجيّد وثالثهما القدرة على التشويق والمفاجأة مع نهاية كل حلقة.

وهو ما يُحسب لعبدالحميد بوشناق، المخرج الشاب المُغامر الذي حقّق في أول أفلامه الروائية الطويلة “دشرة”؛ أول فيلم رعب تونسي، نجاحا جماهيريا غير مسبوق وازاه في ذلك فيلم وحيد بداية التسعينات “عصفور سطح” لفريد بوغدير.

وتبقى كلمات أغنية “تيتر” بداية مسلسل “نوبة” التي يُؤديها والد عبدالحميد بوشناق الفنان التونسي الشهير لطفي بوشناق بمعية نجم الأغنية الشعبية التونسية الهادي حبوبة، تعد بالحركة والإيقاع الصاخب أداء ونغما، وهو القائل “عشاق الدنيا قلوبهم مسلوبة، والدنيا خضراء، الطبل يدوي والشطيح يدوّخ، الحفلة حمراء، ودخلت نوبة في نوبة”. لننتظر!

15