نوبل بين خيبة أمل المراهنين ورد الاعتبار لنوع أدبيّ مهمش

الثلاثاء 2013/10/22
مونرو تفوز بنوبل رغم اعتزالها الكتابة منذ سنتين

لم تحظ جائزة بالمكانة الرفيعة والاهتمام العالمي، على المستويين المادي والمعنوي مثلما هو مُتحقِّق لجائزة نوبل بكافة فروعها، وفي مجال الأدب خاصةً تنشط بورصة التوقعات والمراهنات، هنا وهناك، بأسماء المتوقع حصولهم عليها، في كُلِّ عام من شهر أكتوبر وهو الموعد المحدَّد لإعلان أسماء الفائزين بأفرع الجائزة، تتوق القلوب وترهف الأسماع لاسم الفائز. وعلى مستوى عالمنا العربي كان حصول نجيب محفوظ عليها عام 1988، وهو الإنجاز اليتيم منذ أكثر من ربع قرنٍ، عاملًا مُهمًا في ارتفاع سقفِ أحلام وطموحات أدبائنا العرب.

في الفترة الأخيرة أخذ يتردُّد اسم أدونيس الشاعر السُّوري أكثر من مرَّة عن قرب نيله جائزة نوبل وهو ما عضدته تلك التسريبات التي تخرج من مصادر قريبة من لجنة التحكيم لكنها غير رسمية، وهو ما لم يحدث حتى الآن، وإن كان على سبيل الطرافة علَّق أحد المدونين بتمنيه أن يحصل أدونيس على الجائزة ليترجم إلى العربية، في إشارة إلى صعوبة فهمه.

وإلى جانبه دخلت أسماء أخرى كآسيا جبار الجزائرية والتي تردَّد اسمها بقوة هذه المرة، وللعام التالي على التوالي، وفقًا لقائمة لادبروكس، إضافة إلى إلياس خوري، وغسان زقطان، وأحلام مستغانمي.

خيبة أدونيس

اللافت في الجائزة خاصة في الأعوام القليلة الماضية، أنها تخذل توقعات المراهنين بتقديم أسماء جديدة، بل والأهم ثقافات جديدة، في كثير من الأحيان لم نعرفها نحن العرب بفضل قلة الترجمات، كما حدث مع الصيني "مو يان" الذي فاز بها العام الماضي، وما إن حصل عليها حتى تم إنجاز ترجمتين سريعتين لعملين له هما رواية "الذرة الرفيعة" بترجمة حسانين فهمي حسين، ورواية "الحُلم والأوباش" بترجمة محسن فرجاني، وما إن ترجمت أعماله حتى هالنا العالم الذي يُقدِّمه مو يان، عالم الريف الصيني، وأبطاله الإشكاليين، وانتقاداته غير المباشرة للسلطة، رغم الكثير الذي قيل عن انتمائه إلى مؤسسة السلطة، وتقلُّده لمناصبها.

وهو ما يعني أنه لا ينتمي إلى جبهة المعارضة التي انتمى إليها رفيقه في الجائزة "ليو جياوبو"، المسجون والذي حصل على الجائزة في فرع السلام عام 2010. تكرَّر أمر المفاجأة هذه السنة، فالجائزة لم تذهب إلى أيٍّ من الأسماء الذي تصدَّرت قائمة بورصة التوقعات، والتي كان على رأسها الروائي الياباني هاروكي موراكامي، وبالمثل خيبت ظن الأدباء العرب بعدم حصول آسيا جبار ذات الأصل الجزائري التي كانت فرصتها عالية، نظرًا إلى كتاباتها باللغة الفرنسية والمتوفرة، وبالمثل أدونيس بعدما راحت استطلاعات رأي الدوريات الثقافية تضعهما في الصدارة.


تثمين المهمش


المفاجأة الحقيقية هذه المرة ليست في عدم تتويج أي من أسماء الصدارة في بورصة التوقعات، وإنما في مخالفتها للعرف الذي ساد منذ تأسيسها عام 1912، بأن تذهب إلى جنس الرواية كعادتها، أو إلى الشعر في مراتها القليلة، بل ذهبت إلى جنس القصة القصيرة الذي عانى الإهمال والتهميش من قبل كتابها أولاً، بعدم ولائهم لها وتحولهم عنها إلى جنس الرواية الأكثر حظًا في النشر والجوائز (نوبل، غونكور، وبوليتزر، وهانز كريستيان أندرسن لأدب الطفل.

إضافة إلى جائزة القدس، وجائزة مان بوكر للرواية ، والبوكر العربية، والقائمة تطول) حتى وَسَمَ الدكتور جابر عصفور زمنها، بأنه "زمن الرواية"، وبذلك جرَّدت الشِّعر من مكانته، وصارت هي "ديوان العرب المحدثين" على حدِّ تعبير الدكتور علي الراعي.

وثانيًا بذهابها إلى القاصة الكندية "أليس مونرو" المولودة عام 1931 في وينغهام، غرب مقاطعة انتاريو، وقد قرَّرت الكتابة وهي في سن الرابعة عشرة، الطريف أنها كانت في ذيل قائمة التوقعات، والأطرف أنها اعتزلت الكتابة قبل عامين بعد صدور مجموعتها الرَّابعة عشرة، وإن كان السبب الحقيقي يعود إلى إصابتها بمرض السرطان.

وما يدخل في دائرة غرائب الكاتبة أنها على مدار تاريخها الكتابي لقيت حظًا سيئًا في الكتابة الروائية فهي أمُّ ولا تجد وقتًا من أجل الكتابة إلا تلك اللحظات التي تسميها "اللحظات الفضيِّة"، وعندما كانت ترسل رواياتها القصيرة لدور النشر كانت تجد رفضًا وعدم استجابة.

ومع الحظ السيئ في الرواية كان الحظ الأوفر في مجال القصة القصيرة، على كافة المستويات وهو ما توِّجَ أخيرًا بحصولها على الجائزة، وتصبح المرأة رقم 13 في العالم التي تفوز بجائزة نوبل في الآداب.

ولبراعتها في هذا الفن لُقِبَت مونرو بـ "تشيخوف عصرنا" كما وصفتها الكاتبة الأميركية "سينثيا أوزيك"، إذ كما تقول تستند قصصها إلى "لحظة تجلٍّ، وكشفٍ مفاجئ، ثم تمضي القصة بتفاصيل موجزة، دقيقة، وملهِمة"، وأيضًا تُلَقب بـ"تشخوف كندا"، تشبيهًا بالكاتب الروسي أنطوان تشيخوف، وإن كان ثمة فارق بينهما في أن أبطالها نساء في الغالب ينطوون على ذواتهن، وغالباً ما تكون الحبكة في أعمالها الأولى عن فتاةٍ وصلت سنّ البلوغ وبدأت رحلة معاناتها مع العائلة والبلدة الصغيرة التي تحدّ من أحلامها.

والتركيز على المرأة في أعمالها جعل الكثير من النقّاد يصفون أدبها بأنّه "عن النِّسَاء ولهنّ، ولكن دون أَبْلَسَة الرِّجَال". أكدَّت اللجنة المانحة للجائزة في الأكاديمية السويدية العريقة للعام الثاني على التوالي، أن ثمة اهتمامًا واحتفاءً بالعوالم الإنسانية غير المألوفة، وعادات البشر، و التركيز على هشاشة العالم الذي ينهار لأسباب بسيطة، وها هو الآن تمثله أليس مونرو خير تمثيل، فإبداعها القصصي يميل إلى تصوير الطابع الإنساني في الحياة الريفية أي أن كتابتها يمكن وصفها بأنها محلية الطابع حتى أن معظمها لا يفارق فضاءً مكانيًا واحدًا، تجري فيه أحداث قصصها، هو مقاطعة "هيورن" في أونتاريو. ومن ثم يندرج نتاجها ضمن تصنيف "أدب جنوب أونتاريو القوطي".


تكريم القصة


حصول مونرو على الجائزة وهي في المقام الأول كاتبة قصة له عدة دلالات؛ أولاً أعاد الاعتبار لفن القصة التي رأها بعض كتابها، ممن هجروا (باستثناء سعيد الكفراوي من مصر وزكريا تامر من سوريا) إلى فن الرواية، على أنها تمارين على كتابة الرواية، وهو ما نقضته مونرو نفسها التي رأت أن القصة لم تكن مجرد خيار إبداعي أو "بروفات إلى أن يحين وقت كتابة رواية"، بل كانت "القدَر الذي ينبغي مواجهته" ومن ثم استحقت هي والقصة الوصف الموجز الذي ذكره السكرتير الدائم للأكاديمية الملكية السويدية في استوكهولم بيتر إنغلوند، واصفاً إياها بـ"سيّدة فن الأقصوصة الأدبي المعاصر".

وثانيًا تصحيح مسار للجائزة التي أغفلت هذا الجنس الأدبي الراقي، فها هي المرة الأولى منذ 112 عاما تاريخ إنشاء الجائزة تُعطى لكاتبة تكرِّس إبداعها لفن القصة القصيرة دون سواها.

ومن ثمَّ فهي بمثابة تكريم ليس مقتصرًا على أليس مونرو وإنما لجنس القصة القصيىرة في صورة أليس مونرو صاحبة "رقصة الظلال السعيدة" (1968)، و"حيوات الفتيات والنساء" (1971)، و"شيء كنت أعني أن أقوله لك" و"من تظن نفسك؟" و"أقمار جوبير" (1982)، و"ارتقاء الحب" (1986) وصولاً إلى مجموعتها الأخيرة "حياة عزيزة" (2009) والتي أعلنت بعدها الاعتزال، وهو ما لم تأخذ به لجنة نوبل عند المنح.

فما أكدت عليه اللجنة هو إبداعها، فعلى حدِّ وصف اللجنة أنها "تتميُّز بمهارة في صياغة الأقصوصة التي تطعمها بأسلوب واضح وواقعية نفسية" الجدير بالذكر أنها نالت من قبل "جائزة الحاكم العام" مرتين وهي أرقى جائزة أدبية كندية، وكذلك جائزة "جيلر" عن مجموعة "حُب امرأة طيّبة" فهنيئًا للفائزة وشكرًا للجائزة التي ما إن تُخطئ مرَّة كما حدث مع يوسف إدريس حتى تعود (ولو بعد ردح من الزمن) لتصحح المسار، ولا عزاء للمشتاقين وأنصاف المواهب.

14