نوبل تجمع الفرنسيين من حول موديانو

الأحد 2014/10/12
إيف ترييار: موديانو يكتب لفئة قليلة هي تلك التي تعشق فنه وتؤلهه

باريس - قبل فوزه بجائزة نوبل، كان الفرنسيون منقسمين حول باتريك موديانو وأدبه، رغم حصوله على جوائز وطنية هامة مثل جائزة الأكاديمية الفرنسية وجائزة غونكور، وصدور بعض أعماله مجتمعة في السلسلة الشهيرة “كوارتو” التي قل أن تحفل بالأدباء الأحياء. فريق يرى فيه كاتبا حقا يذكر بالأدباء الكلاسيكيين في نحته أسلوبا مميزا يقوم على التكثيف والإيجاز، وفي ابتكاره لونا يمتح من الرواية “السوداء” أي تلك التي تغوص في جحيم النفس البشرية وتنشر مناخا شديد القتامة. وفريق آخر يعتبر أن إمعانه في سرد معاناة ذاكرة معذبة، جعل أعماله نسخا مكررة، لا تلبي أفق انتظار القارئ المعاصر، التواق إلى اكتشاف عوالم جديدة.


لماذا أنا؟


ولكن بعد الإعلان عن تتويجه، غلبت العصبية النزاهة، فقد التقت كل الأطراف تقريبا، يمينية أو يسارية، في مدح موديانو والإشادة بأدبه، والتذكير بأن فرنسا هي أول بلد من حيث عدد الفائزين بجائزة نوبل للآداب (15)، وإن أعربت والحق يقال عن مفاجأتها، وحتى ذهولها، فما من أحد كان يتوقع مثل هذا التتويج، حتى موديانو نفسه، وناشره أنطوان غاليمار.

فأما موديانو، الذي يشوب نطقه عيّ يمنعه من الحديث بطلاقة، خصوصا إذا واجه الكاميرا، فكان أول الذاهلين، وفي أول تصريح له في القنوات التلفزيونية الفرنسية قال : “غريب. أريد أن أعرف لأي سبب وقع اختياري أنا بالذات.” وكأنه كان ضحية قرعة ستقوده إلى الجبهة.

روى في الندوة الصحفية التي نظمت له بمقر غاليمار أنه الخبر أتاه في الساعة الواحدة والربع وهو يمشي في الطريق، كعادته كلما كان الجو لطيفا.
أليس كابلان: "إننا نفهم النسيان بفضل موديانو"

فكان ردّ فعله أن واصل المشي، لأنه أحس بنوع من الازدواجية، وكأنه انفصل شطرين: شطر سعيد لأن الاختيار وقع عليه، وشطر لا مبال، ينظر إلى الجائزة كتشريف لشخص ثان، كاتب شاء له حظ غريب لا يخضع لمنطق، أن يلتحق بالعظام، لأنه كان يتهيب في قرارة نفسه هذه الضجة العالمية المدوية التي سوف تضطره إلى الظهور، وهو الذي آثر العزلة والانفراد والابتعاد عن صخب الساحة الثقافية ومهاتراتها.

حتى ناشره أنطوان غاليمار، الذي يضم في رصيده أربعين فائزا بنوبل، من فرنسين وأجانب، لم يكن يتخيل ذلك مطلقا، فقد كان يتوقع أن تتوج الأكاديمية السويدية كاتبا ملتزما سياسيا، نظرا لتأثر لجنتها بالمواقف السياسية والإيديولوجية لهذا الكاتب أو ذاك. وهو ما يفتقده موديانو الذي يشتغل على نصه معتكفا في وحدته بعيدا عن الأضواء. وقال بصريح العبارة : ” هذا أمر غير واقعي".


رفض المؤسسة


هيلين كاريردانكوس، الأمينة الدائمة للأكاديمية الفرنسية، لم تخف سعادتها بهذا الفوز الذي حققه كاتب راهنت عليه الأكاديمية منذ السبعينات حينما منحته جائزتها الكبرى، وعرضت عليه منذ بضع سنوات الانضمام إلى عضويتها، ولكنه أصر على رفضه الانتماء إلى أي مؤسسة.

وتضيف الكاتبة المتخصصة في الأدب الروسي :”هذه الجائزة هي أيضا اعتراف بأدبِ لغةٍ وفنّ كتابةٍ فرنسييْن خالصيْن. ومبلغ سعادتنا أنها لم تكن متوقعة.” هي أيضا تأسف لاختيارات الأكاديمية السويدية التي توجهها في الغالب اعتبارات إيديولوجية، بعكس موديانو، الذي تعدّه كاتبا منشغلا بالذاكرة والتاريخ.

الأمريكية أليس كابلان، مديرة القسم الفرنسيى بجامعة ييل ذكرت أن ست عشرة أطروحة جامعية تناولت منذ 1987 أدب موديانو في الولايات المتحدة حيث الاهتمام به يتزايد فهو في نظرها كاتب ابتكر نوعا جديدا يجمع بين البحث البوليسي والبحث عن الهوية، ويبرع في في خلق مناخ ضبابي معتم في أعمال موجزة. وقالت: "إننا نفهم النسيان بفضل موديانو".

أنطوان غاليمار كان يتوقع أن تتوج الأكاديمية كاتبا ملتزما سياسيا


آراء متضاربة


أكاديمي آخر هو العجوز جان دورميسون صرّح قائلا : “أنا مبتهج بهذا النوبل الفرنسي الجديد بعد جان ماري غوستاف لو كليزيو. وهذا دليل على أن الأدب الفرنسي لم يمت، كما يروّج خصومه، ليس في الخارج فحسب، بل في الداخل أيضا.

بعد موضة الرواية الجديدة التي سلّتني كثيرا، لأنها في الواقع كانت مزحة، نشهد الآن عودة إلى أدب كلاسيكي، مقروء، يحبه القراء، وفرنسي بامتياز.

هذه المقروئية هي المأخذ الرئيس الذي سجله إيف ترييار من جريدة لوفيغارو في مواجهة تلفزيونية مع جوزيف ماسي سكارون من المجلة الأدبية (مغازينليترير).

ففي رأيه أن موديانو يكتب لفئة قليلة هي تلك التي تعشق فنه وتؤلهه، أما الأغلبية فتصطدم أولا بالجمل القصيرة التي تبدو مفككة، والجو الغائم الذي يخيم على سائر أعماله، وتصطدم ثانيا بغياب حدث متنام يشدّ الانتباه. هذا فضلا عن التكرار الذي يشوب أعمال موديانو، فهو أسير ذاكرة متعبة، لا يستطيع منها فكاكا. وأضاف: “نحن سعداء بالجائزة لأنها ترفع من معنوياتنا في هذا الظرف العصيب اقتصاديا وسياسيا، ولكنها لا تنسينا دورنا في الإصداع بما نراه الأصوب، من وجهة نظرنا طبعا. لأن أدب موديانو في الواقع غامض لا يقرأ بسهولة".

وهو تقريبا رأي الكاتب إريك شوفييار الذي شبه كتابات موديانو بأدلة سياحية لزوار باريس وضواحيها، وانتقد هذا الهوس بالهوية والذاكرة وتقليص الخطاب الروائي إلى حدوده الدنيا.

فقد كتب يقول: “بعد أيام من مقالتي اللاذعة بجريدة لوموند عن روايته الأخيرة، أبدت الأكاديمية السويدية تعاطفها فمنحته جائزة نوبل للآداب. عزاء هزيل".
15