نوبل تغض الطرف عن مساندة بيتر هاندكه للسفاح ميلوسيفيتش

مواقف كبار الكتّاب من الكاتب النمساوي الذي ساند مذابح الصرب وحصل على جائزة نوبل.
الخميس 2019/10/17
الجدل مازال يلاحق الكاتب النمساوي

عادت جائزة نوبل للآداب إلى واجهة المشهد الأدبي العالمي هذا العام بمنحها جائزة مزدوجة، لسنتيْ 2018 و2019، وترافق الإعلان عن المتوج بالجائزة دائما موجة من الجدل، وهو ما اعتقدنا أنه لن يحدث هذا العام، حيث تسعى الجائزة إلى استعادة صورتها بعد الفضيحة الجنسية التي تسببت في توقفها وغيّرت سياساتها. لكن الجدل أثير مجددا حول اختيار بيتر هاندكه.

بعد فضيحة العام الماضي، التي كانت سببًا في حجب جائزة نوبل للآداب، كنا نعتقد أن الأكاديمية السويدية ستراجع أمرها ألف مرة ومرة اتقاء الشبهة، ولكن حصل المحظور، ومنحت جائزة الأدب لهذا العام لرجل أثار الجدل منذ أواخر القرن الماضي بوقوفه إلى جانب القتلة الصرب.

اكتشفتُ النمساوي بيتر هاندكه منذ مطلع الثمانينات، يوم ترجمتُ له قصة بعنوان “الصرخة” نُشرت بالملحق الأدبي لجريدة الصباح التونسية. لم يكن دافعي آنذاك قيمتها الفنية وحدها، بل ما أحسست فيها من رغبة في الدفاع عن أقلية مضطهدة في ولاية كارنتيا جنوبي النمسا.

ثم ازددت معرفة بأدبه ولاسيما رواياته التي تترجم تباعا إلى الفرنسية، مثل “فزع حارس المرمى لحظة ركلة الترجيح”، و”المرأة الشولاء”، و”الشقاء المتجرّد”، ومسرحياته التي تعرض بانتظام في مسارح فرنسا ومهرجاناتها، مثل “نزهة على جواد عند بحيرة كونستانس”، و”حين لم يكن أحدنا يعرف شيئا عن الآخر”، و”أيام أرنجويز الجميلة”، فالرجل سجّل منذ ذلك الوقت حضورا لافتا على الساحة العالمية، حتى أن بعض النقاد يعدّونه من أهم الكتّاب النمساويين إلى جانب توماس برنهارد، وإلفريدا يلينيك.

مذنب عن قناعة

إدمان الكتابة لا شفاء منه
إدمان الكتابة لا شفاء منه

كنت أظن أنّ كاتبا بهذه القيمة لا يمكن أن يقف إلا مع القضايا العادلة، غير أنه كان ينطوي على عنصرية كامنة، تبدّت عند اندلاع حرب البلقان باصطفافه وراء الموقف الصربي، ورفضه اعتبار الصرب رمزا للشر المطلق، ثم زيارته ساحة المعارك عام 1995، بعد أشهر من مذبحة سربرنيتسا التي راح ضحيتها قرابة ثمانية آلاف مسلم من البوشناق، فضلا عن نزوح عشرات الآلاف من المدنيين المسلمين الهاربين من القتل، عاد إثرها بكتاب عنوانه “رحلة شتوية نحو أنهار الدانوب والسافا والمورافا والدرينا”، طالب فيه بإنصاف الصرب، مدّعيا أنهم إنما ردّوا على عمليات استفزازية.

وزاد على ذلك أن شبّه الصرب عام 1999 باليهود تحت حكم الرايخ الثالث، وبلغراد بأوشفيتز ثانية. وقد قوبلت أقواله تلك بتنديد شديد في الأوساط الأدبية العالمية، ورأوا فيها محاولة لإعادة التاريخ مدفوعا بمقولات “الدم والأرض” التي تذكّر بألمانيا الهتلرية، حتى أن سلمان رشدي أطلق عليه صفة “وغد العام العالمي”، بينما أعلنت الأميركية سوزان سونتاغ، التي تطوّعت لمساعدة سكان سراييفو، أنها لن تقرأ بعد اليوم كتابا واحدا لهذا النمساوي.

كل ذلك لم يمنعه من السفر في ربيع 2006 إلى بوزاريفاك لحضور جنازة ميلوسيفيتش المتهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، حيث ألقى خطبة قال فيها “أعرف أني لا أعرف. لا أعرف الحقيقة، ولكني أنظر، وأسمع، وأحس، وأتذكّر. لهذا حضرت اليوم، قرب يوغسلافيا، قرب صربيا، قرب سلوبودان ميلوسيفيتش”. ولم يمض أسبوع حتى صرّح للجريدة الألمانية فوكوس، “كلا، ميلوسيفيتش ليس دكتاتورا… ولا يمكن وصفه بسفّاح بلغراد… رحلتي كانت غايتها الأساسية أن أكون شاهدا. شاهدا ليس بمعنى الاتهام، ولا بمعنى الدفاع”.

وكان من أثر ذلك أن ألغى مارسيل بوزونّي، مدير مسرح “الكوميدي فرانسيز” عرض إحدى مسرحيات هاندكه كانت مبرمجة لشهر مارس 2007، عقبها نشر عريضة بجريدة لوموند لرجل المسرح المعروف أوليفيي بي يؤيدّ فيها قرار بوزونّي. وقد وقّع عليها مئة خمسون شخصية من الوسط الثقافي، من بينهم غاو كسينغجيان الفائز بجائزة نوبل للعام 2000، والكاتبة ليسلي كابلان، والمخرجة المسرحية أريان منوشكين، ومدير مهرجان أفينيون الأسبق برنار فيفير دارسيي؛ جاء فيها أنّ من حق بوزونّي أن يرفض التعامل مع رجل يمجدّ القومية الصربية، ليصون شرف مؤسسة عريقة بدل التواطؤ مع رجل مذنب عن قناعة، فما فعله هاندكه ليس خطأ سياسيا، بل هو إنكار جرائم ضدّ الإنسانية. بينما اعتبر آخرون مثل السينمائي الصربي أمير كوستوريتسا، وبعض الفائزين بجائزة نوبل للآداب كالنمساوية إلفريدا يلينيك، والبريطاني هارولد بنتر، والفرنسي باتريك موديانو أن الإلغاء عملية مصادرة.

أما الأميركي جوناثان ليتل، المتوج بجائزة غونكور عام 2006 فقد أدان بشدة موقف هاندكه في حديث نقلته “مجلة الكتب اللندنية” إذ صرّح قائلا “عندما تكون أسرة في بيتها بفوتشا، ويقتحم عليها حرمتها رجل مسلّح برشّاش، فيوثق فتاة في المدفأة ويغتصبها أمام أقاربها، فهذا ليس موضوع تسلية. قد نقول إن العالم هكذا، ولكن لا شيء يرغمك على الذهاب إلى القتلة ومصافحتهم. إنه أمر بذيء، وذلك ما فعله بالضبط بيتر هاندكه. قد يكون فنانا رائعا، ولكنْ كإنسان هو عدوّي. صحيح أنه لم يقتل أحدًا، غير أنه تافه حقير”.

تجاوز الخير والشر

مدافع شرس عن رأيه
مدافع شرس عن رأيه

رغم تلك الإدانة العالمية، لم يتراجع هندكه عن موقفه، ففي ردّه على جريدة لوموند عام 2012 عن موقفه من مذبحة سربرنيتسا، أجاب “للحديث عنها، ينبغي إيجاد الوقت المناسب. ينبغي أن يُنصت الآخرُ أيضا، ألا يتحول الحديث إلى خصام أيديولوجي… وكما يقول غوته في مسرحية ‘توركواتو تاسّو‘، ينبغي أن تدور عجلة من الألم والبهجة في الصدر. عندئذ، يمكن أن نتحدث عنها”.وكان الرأي السائد أنه فوّت على نفسه فرصة الترشح لنيل جائزة نوبل للآداب، غير أن الأكاديمية السويدية أسندتها إليه هذا العام، متناسية موقفه آنف الذكر الذي استحق عليه لقب مواطن شرفي لمدينة بلغراد عام 2015 من دولة صربيا، دون أن تراعي أن الحدّ بين آثار هاندكه ومواقفه أوهن من خيط العنكبوت. ولئن رأى بعضهم في هذا الاختيار تغيّرا ملحوظا في سياسة لجنة نوبل، لكونها تجاوزت تقسيم الأدباء إلى معسكر “خير” ومعسكر “شرّ”، ورهنت اختيارها هذه المرة بالقيمة الأدبية وحدها، عسى أن تمحو فضيحة العام الماضي، فإن آخرين قدّروا أنها وقفت مع الجانب المظلم للقوة، ودخلت إلى منطقة رمادية غريبة لم تتعود عليها، ما أثار هذا الجدل الحاد منذ الإعلان عن الفائز.

لقد صرّح ماتس مالم السكرتير الدائم الجديد للجنة “إن إسناد جائزة نوبل يثير دائما تعاليق وانتقادات، وهذا أمر طبيعي فمن مهماتها المساهمة في نقاش عالمي حول الأدب”، ولكن من المؤسف أنّ النقاش حتى الآن يتناول مسائل خارجة عن الأدب، وأنّ جانبا كبيرا من المعلّقين يعتقدون أن اختيار هاندكه خطأ آخر ترتكبه لجنة نوبل، لاسيما أن الرجل حقّرها، ودعا إلى إلغائها تماما لأنها كذبة كبرى، ثم تراجع عن حكمه ذاك فور الإعلان عن فوزه، مدّعيا أنه قال ما قال من موقف القارئ لا الكاتب.

14