نوبل للصحافة

الخميس 2015/10/15

كصحفية أسعدني كثيرا فوز سفيتلانا ألكسيفيتش بجائزة نوبل للآداب، عن نوع أدبي- صحفي استنبطته بنفسها تقريبا، هو عبارة عن شهادات وحوارات مع ضحايا الحرب والكوارث، أقرب إلى صحافة الاستقصاء والتوثيق منه إلى الأدب. حيث كانت تؤرخ، بواسطة شهادات حية، لأحداث درامية في بلادها، كالحرب العالمية الثانية والحرب السوفييتية الأفغانية، وسقوط الاتحاد السوفييتي، وكارثة تشرنوبيل، وتتلمس آثارها على من عايشوها.

بغض النظر عن المشككين في نوايا الجائزة ودوافعها “السياسية” والمحتجين بأنهم “لم يسمعوا بهذا الاسم سابقا”، والحقيقة أنا بدوري، لم يسبق لي أن سمعت به، مع أنني اكتشفت، بعد فوزها، أن أعمالها ترجمت إلى الهولندية، لغتي الثانية، منذ سنوات، ومع وجودي في نفس الميدان الذي تتحرك فيه.

بغض النظر عن كل هذا، إلا أن فوز صحفية بالجائزة القيمة، اعتراف بالصحافة وبدورها في ما تقدمه للإنسانية من خدمة عظيمة، واعتراف أيضا بقدرة الصحافة على الاحتكاك بآلام البشر وعكس معاناتهم. وبالأخص، في قدرتها على الالتزام بالصدق في نقل مآس وحقائق وأحداث عاشها أصحاب الشهادات، هذا في الوقت الذي تحولت فيه أغلب منابر الصحافة في بلدان كثيرة إلى سوق اختلطت فيها القيم والمبادئ، ومزبلة للم الآراء المتطرفة وتبادل الاتهام والتخوين والتشكيك.

والحقيقة أن جائزة كهذه تستدعي منا الوقوف لوهلة حول ما آل إليه الإعلام في عالمنا العربي من انحطاط وتراجع مهين، لدرجة أصبحنا نحرج من كلمة صحفي.

في أول كتبها "ليس للحرب وجه نسائي"، الصادر عام 1985، وبيعت منه مليونا نسخة، تستعرض حكايات سيدات عن الحرب العالمية الثانية، أما كتابها الثاني “آخر الشهود: حكايات ليست طفولية”، فيسرد ذكريات أطفال عايشوا الحرب.

يكلف هذا النوع من الأعمال الاستقصائية والتحقيقات جهدا ووقتا عظيمين، وقد عايشت بنفسي تجربة من هذا النوع لزميل بريطاني اشتغل أكثر من عامين على تحقيق حول الاعتداءات الجنسية على الأطفال في كنائس أوروبا الغربية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ورأيت حجم المجهود والتحري والوقت والبحث الذي يتطلبه عمل كهذا.

لكن النتائج مذهلة، لدرجة لا يمكن تصديقها، فالطريقة التي تروى بها هذه الشهادات، أي القص الشفهي للضحايا، واستعادة الذاكرة، من أجمل الطرق التوثيقية للعواطف والمشاعر الإنسانية، ولا يوجد جنس آخر قادر على الاقتراب من جوهر وآلام البشر أكثر من هذا، وما يزيدها وقعا، هو طابعها الواقعي، عكس الفنون والأصناف الأدبية التي هي من وحي التخيل.

ما أحوجنا إلى مثل هذه الشهادات في ظرف قاس تمر به الإنسانية، وما أحوجنا إلى صحفيين استقصائيين، ومحققين، يتحلون بالشجاعة والقدرة على كشف آلام الناس وتوثيقها، حتى لا ننسى وحتى لا تتجاوز الإنسانية أخطاءها دون أن يستخلص الدرس، ويأخذ كل ذي حق حقه. اليوم أكثر من أي وقت، حيث السبي، والخطف، والذبح، والتهجير، والموت، وحيث الطائفية، والانشقاق، والمتاجرة بالدين، وتخوين كل ما هو أصيل وحقيقي.

21