نوبل والخدمة الجليلة

السبت 2014/11/01

كل من تابع الضجة الإعلامية التي رافقت فوز الفرنسي باتريك موديانو بجائزة نوبل للآداب لهذا العام لا شك أنه لاحظ تمحورها حول نقاط ثلاث: أولا، أنه مجهول خارج بلده. ثانيا، أن أدبه لا يرقى إلى مستوى أدب الكبار، ثالثا وأخيرا أنها منحت له لأنه يهودي. فأما عن عقيدته فهو مسيحي معمّد في إحدى الكنائس، وأمه مسيحية، والشرط كي يكون يهوديا أن تكون الأم يهودية. ورغم أنه تناول معاداة السامية في روايته الأولى “ساحة النجمة” مثلما تناول نفي اليهود إلى أوشفيتز في رواية “دورا بوردر” فإنه يصف أباه في أعمال كثيرة بالمشبوه وحتى بالمتحيل، ويتحدث عنه في كتابه البيوغرافي “بيديغري” (وتطلق عادة على نسب سلالة حيوان) بقوله: “أنا من أم فلمندرية جميلة وجافة القلب، وأب يهودي. أقول يهوديّ، وأنا أجهل ماذا تعني هذه اللفظة حقا بالنسبة إلى أبي، لأنها كانت مذكورة في تلك الفترة على بطاقات الهوية”.

وأما عن أدبه، ففضله أنه لا يتشبه بسابق أو لاحق، بل يختط مجرى دأب صاحبه على تعميقه منذ خمس وأربعين سنة، فموديانو، وإن شبهوه ببروست وسيمنون، لا يأخذ من الأول جملته المسهبة ولا من الثاني هوسه بفك الألغاز. ثم إن المسألة نسبية، فمحفوظ الذي نعتبره عملاق الرواية العربية، لا يداني الروائيين الشبان الأتراك في نظر يشار كمال، وماركيز لم يكتب سوى رواية واحدة حسب بعض النقاد الفرنسيين، وكويلهو لا قيمة له رغم الحظوة التي تلقاها كتبه بين القراء.

وأما كونه مجهولا، فالذنب على من لا يتابع، لأن الرجل له مكانة لا تنكر في فرنسا وقد حاز اعتراف النقاد منذ روايته الأولى وكلل بجائزة الأكاديمية الفرنسية وهو في السابعة والعشرين من عمره وبغنكور وهو في الثالثة والثلاثين، وأدرجت أعماله في سلسلة “كوارتو” الشهيرة (المخصصة عادة للأدباء الأموات) وهو لا يزال بقيد الحياة، كما رفض الانضمام إلى الأكاديمية التي يتصارع الآخرون عند أعتابها. ثم إن أعماله ترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة في العالم. والغريب أن أغلب الطاعنين في فوزه لم يقرؤوا من أدبه إلا القليل.

والحق أننا نولي هذه الجائزة فوق ما تستحق، وننتظر منها اعترافا ليست أهلا لمنحه. يقول النمساوي بيتر هندكه: “جوائز نوبل للعلوم لا جدال فيها، أما تلك التي تسند إلى الكتّاب فلا بدّ من إلغائها لأنها كذبة كبرى”. ويضيف: “أقترح منحها لأدونيس حتى يشتري في ضاحية كوربفوا شقة أحلامه، والتوقف إثرها نهائيا، وبذلك نقدم خدمتين جليلتين للأدب”.


كاتب تونسي مقيم في باريس

17