نوبل 2016.. الانحراف يسارا

الأحد 2016/10/23

هل يُعَدّ بوب ديلان كاتباً عظيما؟.. وبالتالي هل يستحق جائزة نوبل؟.. يحتدم الخلاف في كل مكان هذه الأيام منذ إعلان لجنة الجائزة العتيدة في 13 أكتوبر الماضي، لكن ماذا عن ديلان نفسه؟.. قبل أيام أعلنت سارة دانيوس مقررة لجنة نوبل بانّهم لم يتلقوا أي ردّ فعل من ديلان حتى لحظة كتابة هذه المقالة، والاتصال الوحيد كان مع أحد معاونيه الذي رحب بالنبأ ولم يفصح فيما إذا كان ديلان سيقبل الجائزة أو سيحضر حفل التسليم يوم 10 ديسمبر المقبل أم لا، كما انّه لم ينوه بأي شيء أثناء حفله الموسيقي الأخير الذي نظمه بعد الإعلان عن الجائزة.

حسناً.. لقد كان هناك دائماً شكّ فيما يتعلّق بجائزة نوبل للأدب تحديدياً، وذلك لأن المعايير فيها نسبية تماماً، شأنها بذلك شأن أية جائزة أدبية أخرى، فأن يحصل أوليفر هارت على جائزة نوبل للاقتصاد، نتيجة لنظرياته الخاصّة بتأصيل قوانين الإفلاس والدساتير السياسية مثلاً، أو ان يحصل الياباني يوشينوري اوسومي على جائزة نوبل للطب نتيجة لأبحاثه عن الالتهام الذاتي التي لعبت دورا حاسما في فهم تجدد الخلايا وردّة فعل الجسم على الجوع والالتهابات، أمر لا يحتمل الجدل وهو محطّ اجماع علمي في كافّة أنحاء العالم، لكن ان تُمنح الجائزة لمغنٍ ما فتأ يحمل غيتاره ويصدح بقصائد مغناة من تلحينه أمر لن يستسيغه الكثيرون، ولا يمكن تبريره إلّا كمحاولة لإزالة ما علق بالجائزة من أدران سياسية في السنوات الأخيرة.

بوب ديلان، الذي اختار أسمه الفني في سن المراهقة تيمناً بشاعر الرومانسية المظلمة ديلان توماس، لا يختلف أثنان على عبقريته وموهبته الفذّة ودوره في تغيير مفهوم الغناء الوجداني ذي الحس الإنساني، ويكفي تأمل قصيدته المغناة “أطرق على باب الجنّة” لإثبات مدى استثنائية النص لديه وبراعة لحنه الإيقاعي وكم الطاقة البصرية وقوّة السرد. وفي المحصلة تلقى هذا الرجل جائزة نوبل للآداب، فهو يستخدم الموسيقى لتقديم نصوصه كشاعر متجول ويروي على خشبة المسرح قصصاً محزنة تأن تحت وطأة القسوة، لذلك لا يمكن لأحد أن يقول انّه ليس عبقرياً.

ما زالت أصوات الاحتجاجات تتصاعد ولا يبدو انّها ستهدأ قريباً، اغلبها أصوات أدبية محافظة بطريقة أو بأخرى، لكن على ما يبدو ان ديلان قادر على التعايش مع هذا الرفض، فهو طالما تعايش من قبل مع معارضيه من محافظي الموسيقى بتهمة كونه شاعراَ وليس مغنياً، يا للمفارقة!.. لكن ليس لدى بوب ديلان وقت ليضيعه في نقاش بيزنطي، فهو فنان حقيقي لا يهدأ ولا ينطفئ قلقه اليومي. على الرغم من ان منحه الجائزة أيقظ كورة الزنابير من حوله. ربما لم يكن ديلان بحاجة إلى الجائزة التي لاقى خبرها بالصمت، ربما لسان حاله يقول ما كان ينبغي منحي الجائزة وتكريس التأليه الأدبي، حتى هوميروس لم يستطع مواجهة التحديات وتقديم تفسير ذا قيمة لمنتقديه منذ أكثر من 2500 سنة.

بالتأكيد لا يحتاج هوميروس لجائزة نوبل للاعتراف بعبقريته، وربما ديلان كذلك، فهو طالما أدان العنصرية في أميركا وناضل من أجل الفقراء وبشّر بقوّة الموسيقى وضرورتها في الحياة، على الرغم من ان نصوصه ظلت دائماً بحاجة إلى الموسيقى لتكتمل، بينما النص الأدبي الفذّ لديه ما يقوله حتّى من دون الموسيقى، في حالة ديلان الأمر مختلف، ربما هذا التمازج قد أدى إلى تجربة مختلفة، فحتّى بالنسبة للأكاديمية السويدية ظل الأمر غامضاُ في الحقيقة، هل منح ديلان نوبل لموسيقاه أم لنصوصه؟.. حقّاً أنّه لأمر محيّر في النهاية.

هل هناك أيّة دوافع سياسية وراء منح الجائزة لديلان؟.. بالتأكيد.. فالتزامه وميله اليساري يعد صفعة قوية على وجه دونالد ترامب ومؤيديه، وربما دعوة صريحة لهيلاري كلينتون، صديقته، لتنحرف يساراً أيضاَ، على الرغم من ان لجنة الجائزة في ستوكهولم لديها دائماً ما يبرر أفعالها الغريبة التي غالباً ما تجد مصداقية من نوع ما، حتّى عندما تمنح الجائزة لصحفية يمينية معروفة بتقاريرها المنحازة وانعدام علاقتها بالأدب مثل البيلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش، ومع ذلك، فإن اختيار ديلان يُعَدّ ردّة فعل داخلية، كي لا تبدو الجائزة تقف وهي تدير ظهرها لما يجري من إثارة في العالم.

كاتب من العراق

11