نورا مرعي: الكتابة بماء الروح لا بحبر القلم

الأربعاء 2015/01/28
نورا مرعي: الصراع اليوم قائم بين الرجل والمرأة من ناحية الخصوصية في التعبير

نورا مصطفى مرعي، شاعرة وروائية لبنانية، من مواليد بلدة حارة صيدا، حاصلة على إجازة في اللّغة العربيّة وآدابها من الجامعة اللّبنانيّة بصيدا، وعلى ماجستير في اللّغة العربيّة وآدابها من الجامعة الإسلاميّة بخلدة. عضو اتّحاد الكتّاب العرب، صدر لها في الشعر “شظايا من الذّاكرة” و”نفحات أنثى”، وفي الرواية “هذا هو قدري” و”ستحبينني يوما”، بالإضافة إلى بعض المقالات النّقدية والأبحاث الأكاديمية المنشورة في مجلات أدبيّة. “العرب” حاورت نورا مرعي حول تجربتها الإبداعية وإصدارها الجديد وعن المشهد الثقافي العربي وعن مستقبل الكتابة النسوية وعن عدّة محاور أخرى.

حول بداياتها وتجربتها في عالم الكتابة تقول نورا مرعي: «أنا لست سوى عاشقة للحرف والكلمة، أهيم مع الحرف إلى عالم آخر لكي أكتب بدم الرّوح والقلب، ولدت في بلدة حارة صيدا وترعرعت فيها، وعشت في كنف الكتاب لا أقوى على مفارقته، فقرأت جبران خليل جبران في صغري ومصطفى لطفي المنفلوطي، وكنت أشعر بالمتعة عندما أكون بين رفوف المكتبات لأمارس هوايتي الوحيدة وهي القراءة”.

المتتبع لمسار مرعي الإبداعي يلاحظ أنها تزاوج بين الشعر والنقد والرواية، عن هذه المسألة تقول نورا: «أنا أعشق الحرف، ومَن يعشق الحرف يحبّ ان يعبّر بالأساليب كلّها الّتي يمتلكها، لذا ترى بأنني كتبت أولا الشّعر وبعد ذلك انتقلت إلى عالم الرّواية الواسع، ورغم ذلك فأنني ما زلت أحافظ على كتابة هذين النّوعين مع بعضهما بعضا، أمّا بالنّسبة إلى النّقد فقد كانت لي محاولات قليلة، والأمر يعود إلى دراستي الأكاديمية الّتي فرضت عليّ بمكان ما أن أقوم ببعض الأبحاث النّقدية. إلا أنني صرت أجد نفسي في عالم الرّواية أكثر من غيرها لأنّها تعبّر عن كل ما أريده وأستطيع أن أكتب بحريّة وأنقل إلى الآخرين الأفكار الّتي أودّ الحديث عنها بأسلوب شيّق، وخصوصا أن كتابتي للرواية لم تبعدني عن النّفحة الشّعرية التي ظهرت واضحة في أسلوب الكتابة عندي”.


ثيمة الحب والرمز


تشتغل الشاعرة، بصفة ملحوظة، على ثيمات الحب والرومانسية والرمز في مختلف أشعارها، فهل هذا انعكاس لطبيعة شخصية “‘نورا”‘ العاطفية، أم أنه اختيار فني أدبي لا غير؟ هنا تجيب نورا مرعي بقولها: «عندما أمسك القلم لأكتب، أشعر بهدهدة القلب، بحيث أنه ينبض نبضا غريبا، ما ينعكس في كتاباتي كلها، إذ يبرز موضوع الحب من دون سواه وينعكس الحب برومانسيته الطّافحة على كل حرف أخطّه وعلى كل كلمة أكتبها، وتمسي كتاباتي بعيدة كل البعد عن الوطن إلا في حالات قليلة أندفع فيها إلى الكتابة عنه خصوصا إن ألمّت به أزمة ما، أو عصفت به رياح الحرب والإرهاب».

انصهار الحب في الحرف يولد نصا مبدعا يصل إلى الناس بسرعة، خصوصا إذا امتزج الحب بالألم وبالحرف

وتضيف: «أما بالنّسبة إلى الرّمز، فيبدو أن دراساتي أثرت في نفسي كثيرا، إذ أن أطروحة الدّكتوراه اختّصت بدراسة الرّموز في الشّعر العربي الحديث بأنواعها المتعددة سواء الرّمز الطّبيعي أو التّاريخي أو الدّيني أو الثّقافي، واطّلاعي الكبير على هذا المجال جعلني أتأثر به وينعكس ذلك في كتاباتي ببروز واسع للرّمز. ولكن لا أخفي عليك حبّي لهذا الأمر إذ أشعر برغبة في الكتابة بهذا الأسلوب بعيدا عن وضوح الفكرة أحيانا. فأنا أحبّ ان يتوغل القارئ معي إلى أعماق كلماتي ليفهم الفكرة الّتي أريد التّعبير عنها، والقارئ لرواية “هذا هو قدري” ورواية “ستحبّينني يوما” سيلحظ أيضا بروز الرّمز».


الكتابة النسوية


العالم العربي يعاني أزمة قراءة، وفي ظل هذه الأزمة تشق نورا مرعي طريقها لإبلاغ مقاصدها، تقول موضحّة: «أمّة اقرأ للأسف لا تقرأ، هذه الجملة مع ما تحمله من ألم وحزن، تجعلني أشعر برغبة في أن أجعلها شعارا عامّا علّنا ندرك أهمية القراءة والمطالعة، أو علّنا نعود إلى صوابنا، إلى القراءة والاطّلاع الواسع كي نحقّق وجودنا، ونتمكن من الوصول إلى ما وصلت إليه الدّول المتقدمة. وأستغرب كثيرا أننا وصلنا إلى هذه المرحلة في الوقت الّذي يولي العالم الغربي اهتماما واسعا بالقراءة. إلا أنه ما زالت هناك فئة تهتم بالقراءة، وتحاول أن تنقل حبّها واهتمامها للآخرين، وأعتقد أن هذه الفئة ستنجح لو استمرّت بنقل هذا الاهتمام للآخرين، وحبّذا لو تُدعم من قبل الجمعيات ووسائل الإعلام بالإضافة إلى المعنيين بالأمر، وتفعيل المطالعة بطرق التّشجيع والتّحفيز وإجراء المسابقات الثّقافية الّتي تدفعنا إلى القراءة».

وعن وضع الكتابة النسوية في الوطن العربي، تتحدّث: «لقد طرح الشّاعر “نزار قبّاني” سؤالا مهمّا وهو: “هل المرأة أصلها قصيدة؟ أم القصيدة أصلها امرأة؟ من دون أن يدري بأن المرأة صارت في زماننا هذا كاتبة لها، لأنها أصدق في تعبيرها عن معاناتها من الرّجل نفسه، فالرّجل حين يكتب يتغنّى بمحاسن المرأة وجمالها، لكن المرأة حين تكتب تذكر آلامها ومعاناتها وتكون أكثر صدقا وإحساسا لأنها صاحبة المعاناة».

مرعي: الرجل يرى في المرأة جمالها وأنوثتها وحبّها

وتتابع: «أصبحت مكانة المرأة واضحة في مجالات عديدة ومنها المجال الأدبي والكتابي، ولم يعد هذا المجال حكرا على الرّجل، لأنها مثله تمتلك وسائل التّعبير ويمكنها الإجادة بلغتها الأنثوية. لقد صار بإمكان المرأة الشّاعرة أن تكشف عن همّها الاجتماعي والحياتي والفكري، ولم تعد كما كانت في السّابق، بل صارت لها ذاتها وأفلتت من قيود عديدة ولم تعد تصطدم بواقع جاف يرى الرّجل هو المالك الأول للكلمة وللتّعبير. وأشعر بعد دخول المرأة إلى عالم الكتابة بالرّضى النّفسي، لأن المرأة صار بإمكانها إثبات هويتها وخصوصياتها واستقلاليتها عن الرّجل، والصّراع اليوم قائم بين الرّجل والمرأة من ناحية الخصوصية في التّعبير».

وتشير مرعي إلى أن الرجل يرى في المرأة جمالها وأنوثتها وحبّها، بينما المرأة ترى في الرّجل الاستعباد والتّرهيب والغطرسة والغدر، وهذا ما يولّد المرأة المتمرّدة والرّاغبة في التّحرر من شرنقة الذّكورة، وقد نجحت في ذلك بعض الشّاعرات حيث رسمن لونا خاصّا بهن من حيث مضمون الكتابة وطرائق تصويرهن للأمر.

وتشهد السّاحة الثّقافية حاليّا تحولا كبيرا، إذ ارتفعت وتيرة النّشر في السّنوات الأخيرة عند المرأة، ما يؤكّد أنها سعت إلى إثبات نفسها وتمكّنت من الوصول إلى مبتغاها، وسجّلت حضورا مميّزا في الوسط الأدبي، ناهيك أن الشّاعرات العربيّات قد تركن بصماتهن في الحياة من خلال دواوينهن الشّعرية أو إبداعاتهن الكتابية المتنوعة.

نحن نعرف أن “المعاناة تولد الإبداع”، لكن بالنسبة إلى نورا مرعي يمكن القول إن “الحب يولد الإبداع”، عن هذه المعادلة والثنائية تقول مرعي: «المقولة الأولى بأن المعاناة تولد الإبداع صحيحة، ولا شكّ أن الآلام في تجاربنا الّتي نعيشها أحيانا تدفعنا إلى الكتابة بماء الرّوح، لا بحبر القلم، وعندما تكتب الرّوح تُسقط أسلم المشاعر وأكثرها حقيقة، لذا نرى أن الكلام يصل إلى الآخرين بسرعة، لأن الألم يصل إلى الآخر بسرعة أكثر من الفرح. والألم إن عانق الجمال، صار مثل الشعلة الّتي تضيء كل ما يوجد حولها، لكنني أؤمن بأن الحبّ له أثره الخاص وإكسيره الّذي لا يزول أبدا، وإن انصهار الحب بالحرف يولّد نصّا مبدعا يصل إلى النّاس بسرعة خصوصا إن امتزج الحب بالألم وبالحرف».

15