نورية بن غبريط وزيرة تنطلق من الأنثروبولوجيا لفهم أثر التدين على الناس

السبت 2017/10/14
نورية بن غبريط فرانكفونية تصدم الجزائريين بإلغاء البسملة وحظر الحجاب

تونس- يبرز هذه الأيام منهج صارم ومتزمت في التعتيم على قرارات يعتبرها الجزائريون ارتجالية وحساسة جدا بالنظر إلى وقعها على حياة الناس، وعلى وزارة تعتبر من أهم الوزارات وهي التعليم، يرافقه تلعثم في الخطاب خلال الحوارات والمواعيد التلفزيونية، ظواهر أرهقت الرأي العام منذ تولت سيدة غامضة حقيبة التربية في الجزائر.

وتثير وزيرة التربية الجزائرية نورية بن غبريط في كل مرة تخرج فيها للإعلام حساسية الجزائريين حول مسألة الإصلاح التربوي، فيما يتهمها جمهور واسع بأنها تقف وراء مشروع واسع للنظام يهدف إلى تقسيم الشعب. ففي بداية العام الدراسي الحالي أثار قرارها حذف البسملة من برامج بعينها من الكتب المدرسية الجزائرية جدلا واسعا بين عموم الجزائريين، فيما وصل اتهام الوزيرة إلى أنها تحاول بسياستها هذه تعميق الهوة بين الإسلاميين والعلمانيين وبث التفرقة بين أبناء الشعب الواحد.

الجدل لم يقف عند هذا الحد، ففي الأيام الأخيرة انتشر الحديث في الجزائر وفي دوائر وزارة التربية تحديدا، أن نية مشروع الإصلاح الذي تقوده بن غبريط تتجه لفرض حظر على اللباس داخل المدارس الجزائرية بما في ذلك اللباس الديني، مما تسبب في صراع وجدل كبيرين بين أطياف واسعة من المجتمع الجزائري، فيما جاء تعليق الوزيرة بالقول “إن التصريحات والتعاليق الواسعة التي تظهر في الإعلام لا يمكن أن تخدم مشروع إصلاح التعليم في الجزائر ولا تصب في مصلحته، ما تسبب في تسييسه”.

رامون الأندلسية

الجزائريون ورغم معرفتهم العميقة بدوائر السياسة وإرهاصاتها في ظل نظام يقوم على سياسة الرجل الواحد ممثلا في شخص عبدالعزيز بوتفليقة، وتوقهم الشديد إلى تغيير الوجوه المحفوظة في تاريخ البلاد مع وزراء سابقين تداولوا على هذه الوزارة، إلا أن بن غبريط بدت مجهولة الهوية بالنسبة إلى الكثيرين منهم.

نورية بن غبريط رمعون، كما هو اسمها كاملا، باحثة ومؤلفة فرانكفونية جزائرية، وهي أيضا أستاذة في علم الاجتماع. تم تعيينها في العام 2014 وزيرة للتربية في حكومة عبدالمالك سلال الثالثة. قبلها شغلت منصب مديرة المركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية لوهران وكانت ضمن لجنة بن زاغو التي عهدت إليها مهمة إصلاح المنظومة التربوية في الجزائر.

الجزائريون ورغم معرفتهم العميقة بدوائر السياسة وإرهاصاتها في ظل نظام يقوم على سياسة الرجل الواحد ممثلا في شخص عبدالعزيز بوتفليقة، وتوقهم الشديد إلى تغيير الوجوه المحفوظة في تاريخ البلاد، إلا أن بن غبريط بدت مجهولة الهوية بالنسبة إلى الكثيرين منهم

تتحدّر بن غبريط من أصول أندلسية لأسرة استقرت بتلمسان، ويقال إن موطن ولادتها الأصلي هو مدينة وجدة وكان ذلك في مارس من العام 1952. اسم بن غبريط رمعون ينسبه المهتمون والباحثون في السيرة الذاتية إلى عائلات أندلسية انتشرت في عدد من المدن الجزائرية، فيما ترجّح المصادر أن اسمها هو تعريب للاسم الإسباني “رامون” الذي فرضته السلطات الإسبانية على المسلمين الموريسكيين أثناء اضطهادها لهم.

تحصلت بن غبريط على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة باريس 5 – ديكارت عام 1982. مكنها ذلك من التدريس لعدد من السنوات في جامعة وهران قبل أن تكرّس جهدها للبحث في مجالات دراسات التنمية والتعليم والشباب والمرأة والأسرة.

يعتبر العديد من المحللين والمتابعين للوضع السياسي في الجزائر تعيين المرأة التي توصف بالمحيّرة أنه تزامن مع العهدة الرابعة للرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة وجاء مكمّلا لبعض الخيارات السياسية التي قام عليها مشروع الحكم في الجزائر.

فقبل أقل من شهر من تمرير العهدة الرابعة لبوتفليقة تم تعيين بن غبريط وزيرة للتربية في الجزائر. اسم جديد مجهول يحظى بحقيبة ثقيلة كهذه، حقيبة عمّرت طويلا في يد أبوبكر بن بوزيد لمدة 14 سنة ثم عبداللطيف بابا أحمد الذي لم يسعفه الحظ سوى بسنة يتيمة تخللتها إضرابات واحتجاجات نقابية عجّلت بإنهاء مكوثه على رأس الوزارة.

الجزائريون ولشدة الموقف الصادم الذي انتاب الكثير منهم هرعوا إلى وسائل التواصل الاجتماعي للبحث في هوية الاسم الجديد. لكن هذه المرة اختلفت القاعدة وضاع التائهون وراء اسم محيّر لشرائح واسعة منهم. لم يكن وزير التعليم وزيرا سابقا بوزارة أخرى ولا حتى رئيس جامعة، بل كان مديرة المركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بوهران.

أوّل ملاحظة سجلها الجزائريون حينها عن الاسم الجديد هي استمرار ميلان الكفة ناحية الغرب الجزائري، المنطقة التي يتحدّر منها الرئيس بوتفليقة. وبدا جليا التمشي الذي قامت عليه سياسة بوتفليقة في مداولة الأزمات وكيفية التحضير لعلاجها ولو آنيا بفضل نخبة من الأكاديميين الموالين لمشروعه المطبق على نظام الحكم في الجزائر.

بن غبريط إلى جانب وزراء آخرين تمثل الوجود السياسي والفكري لفرنسا في الجزائر، الوجود الذي صار ظاهرة استفحلت في البلاد بعد التراجع الرهيب في أداء السلطة التنفيذية إثر مرض الرئيس بوتفليقة وبالخصوص بعد العهدة الرابعة

مشروع بوتفليقة التربوي

بعد وصول بوتفليقة إلى السلطة سنة 1999 أمر بإنشاء لجنة علمية لتقييم المنظومة التربوية وإدخال إصلاحات عليها. ترأس اللجنة بن علي بن زاغو رئيس جامعة باب زوار، أكبر جامعة في البلاد. كانت نورية بن غبريط أحد أعضاء هذه اللجنة التي قالت عنها إنها “تخرّج إرهابيين ساهموا في الأزمة الأمنية التي عاشتها البلاد عقب إلغاء المسار الانتخابي”.

استطاعت هذه الجزائرية أن تكسب ود النظام الجزائري في زمن التصريحات المسموح بأن تخرج عن المعهود والسالف حينها ولتظهر في مكانة المدافع عن المشروع التربوي الجامع في الجزائر الذي يقدر العقل قبل النقل.

شاركت بن غبريط في هذه اللجنة بتقرير يحمل عنوان “المدرسة والدين” رصدت فيه الأثر الذي يخلفه الدين على نفسية التلاميذ الجزائريين، منتقدة حضوره المكثف في المناهج الدراسية لتشرع في ما بعد في الدعوة إلى مشروعها التحديثي الذي صاغته على مقاسها.

المختصون في القطاع التربوي والعارفون بكواليس السياسة في الجزائر سجلوا أولى الخروجات الإعلامية للوزيرة التي أكملت دراساتها العليا في فرنسا. تفاجأ الجزائريون، حد السخرية الشديدة من ركاكة في اللغة العربية التي نطقت بها الوزيرة لأول مرة لدرجة العجز عن الإفصاح عن أبسط الجمل، لا بل إن بعض عباراتها فسحت المجال للتندر على مواقع التواصل الاجتماعي.

ما يسجل عن بن غبريط أنه في أحد اللقاءات التلفزيونية يتوجه لها صحافي بسؤال عن سبب عدم أخذها دروسا في العربية لتحسين مستواها، فتجيب الوزيرة بأنه ليس لديها الوقت الكافي لفعل ذلك.

حروب الوزيرة

أسبوعان فقط على تعيينها، تأمر بن غبريط بإلغاء محاضرة للأكاديمي والوزير السابق للتربية الدكتور علي بن محمد بعنوان “أساليب فرنسا في تعليم العربية إبان الاستعمار” بمناسبة عيد الطالب. يرد بن محمد على ذلك بالقول “إن هناك تيارا مربوطا سياسيا بفرنسا”، في إشارة إلى الوزيرة الجديدة. ويضيف “كيف يمنع أستاذ جامعي من إلقاء محاضرة أكاديمية ولا تتحدث عنه الصحف؟ لقد تلقيت تأكيدات بأن الوزيرة بن غبريط هي صاحبة قرار المنع”.

بن محمد كان وزيرا للتربية والتعليم في الجزائر سنة 1992، حيث ألقى في مجلس الوزراء آنذاك مقترحات بشأن استبدال اللغة الإنكليزية تدريجيا باللغة الفرنسية، وجعل التلاميذ يدرسون اللغة الأجنبية التي يختارونها بإرادتهم. لكن سرعان ما تمت الإطاحة به عبر فبركة عملية تسريب لامتحان الباكالوريا وتم تحميله المسؤولية وقدّم استقالته، لتلاحقه بن غبريط بعدها بأكثر من 20 سنة وتمنعه من إلقاء محاضرة أكاديمية.

تقرير بن غبريط الشهير في لجنة الإصلاح التربوي قبل سنوات يحمل عنوان "المدرسة والدين"، وفيه رصدت الأثر الذي يخلفه الدين على نفسية التلاميذ الجزائريين، منتقدة حضوره المكثف في المناهج الدراسية لتشرع في ما بعد في الدعوة إلى مشروعها التحديثي الذي صاغته على مقاسها

يؤكد مدير ديوان بن محمد في حصة تلفزيونية أن عملية التسريب كانت بتخطيط من الجنرال التواتي والسفير الفرنسي في الجزائر قصد التمكين للفرنسية التي خطّط بن محمد لتحل محلها الإنكليزية.

في العام 2015، وخلال إحدى ندوات تقييم إصلاحات المنظومة التربوية، تبدأ النوايا الخفية في الظهور، ويتحول ما كان مجرد إشاعات وكلام مقاه إلى مشاريع وخطط عمل. يصرّح المستشار الأول لبن غبريط فريد بن رمضان في إحدى الندوات بأن النية ستتجه إلى استبدال العامية باللغة العربية الفصحى، وذلك بحسب زعمه أن الأطفال في بدايات تعليمهم يجدون صعوبة في فهم الفصحى، مشيرا إلى أن دول العالم أجمع تدرّس في السنوات الأولى بـ”اللغة الأم”، أي العامية المحلية.

تثور ثائرة الرأي العام في الجزائر وتتهم الوزيرة بمحاربة ثوابت الأمة ومحاولة تغريب المدرسة الجزائرية، فتتراجع وترد على الجميع بأن هذه مجرد إشاعات، رغم أن ما قاله رئيس ديوانها مسجّل صوتا وصورة، وتكتفي بالقول إنها مجرد مقترحات لم يتم الفصل فيها بعد.

بعدها بأشهر قليلة تفجّر النقابات قضية أخرى أكبر وأخطر، وهي المفتشون التربويون الأجانب الذين استقدمتهم بن غبريط لمساعدتها في التمكين لـ”إصلاحاتها التربوية” كونهم جميعا من فرنسا، وبالضبط من مقاطعة مرسيليا. لكن بن غبريط حاضرة في ردها على كل القرارات التي تتخذها في كل مرة، فتخرج لتردّ بأنها مجرّد إشاعات أيضا. وأن النقابات تغالط الرأي العام بأن هذه الإصلاحات تجري في غرف مظلمة ولم تستشر فيها لا من ناحية الشكل ولا من ناحية المضمون، وتؤكد بأنه يتم الاعتماد على الكفاءات الأجنبية الفرنسية بالخصوص في هذا الصدد.

الجيش يدعم بن غبريط

مسألة أخرى تكشف النهج التغريبي للوزيرة الجزائرية خلال مسابقات التوظيف في قطاع التربية ليفاجأ المترشحون لمنصب الأساتذة في سابقة من نوعها، بأن اللغة الفرنسية صارت حصرا اللغة الأجنبية التي يمتحنون فيها، حيث ألغت بن غبريط ما كان ساريا فيما سبق الاختيار بين الفرنسية والإنكليزية، أي أن جميع الأساتذة في جميع المواد بمن فيهم أساتذة اللغة العربية والتربية الإسلامية وحتى الرياضة عليهم أن يكونوا متقنين للفرنسية.

وزيرة التربية الجزائرية نورية بن غبريط تثير في كل مرة تخرج فيها للإعلام حساسية الجزائريين حول مسألة الإصلاح التربوي

تبرّر بن غبريط ذلك بالقول “إن 90 بالمئة من المترشحين يختارون الفرنسية عندما يكون اختبار اللغة اختياريا”، متناسية عن قصد أو دونه أن الـ10 بالمئة الباقية يمثلون 100 ألف مترشح مستبعد ببساطة، وأن نسبة ما تحتاجه الوزارة بالفعل هي 2.6 بالمئة من المترشحين البالغ عددهم مليون طامح لوظيفة الأستاذ.

كل هذه الحوادث كانت كفيلة بأن يظن الجزائريون أن أيام الوزيرة صارت معدودة بسبب فضائح بهذا الحجم، لكنها تخرج للرأي العام في احتفال تخريج دفعة من أكاديمية شرشال العسكرية جالسة جنبا إلى جنب مدير المخابرات الجنرال بشير طرطاق، متبسمة ومتابعة لاستعراض قدرات الجيش الوطني القتالية في منظر يبعث العديد من الرسائل.

يرى الكثيرون أن بن غبريط إلى جانب وزراء آخرين تمثل الوجود السياسي والفكري لفرنسا في الجزائر، الوجود الذي صار ظاهرة استفحلت في الجزائر بعد التراجع الرهيب في أداء السلطة التنفيذية إثر مرض الرئيس بوتفليقة وبالخصوص بعد العهدة الرابعة.

يستند أصحاب هذا الرأي في أطروحاتهم إلى أن الوزيرة جاءت لتؤدي مهمة مرسومة سلفا تدخل في إطار التمكين للقوى التغريبية الموالية للمشروع الفكري الفرنسي في مقابل تراجع الثوابت الوطنية كاللغة العربية.

لكن في ظل صراعات أيديولوجية تقوم بالأساس على من كان الأسرع في اختطاف المدارس الجزائرية ليتحكم في عقول أبنائها، تبقى الأخيرة تتراوح في مستواها الضحل وتعاني من نفس الأمراض التي طالما عانت منها حتى قبل مجيء بن غبريط. فلا بن غبريط بسياستها “التنويرية” طوّرت المناهج وأساليب التدريس بالطرق الحديثة، ولا قضت على سوء التسيير الضارب بعمقه في هذا القطاع، ولا أنهت الرداءة المسيطرة منذ عقود عليه، بل اتبعت نفس الأساليب التقليدية البالية في التعامل مع المشكلات، فيما بقي تركيزها منصبا على اتهام الغير بمحاولة إفشالها وإسقاطها من على الوزارة.

12