نوري الجراح: مدينتي الأولى تحترق فكيف لقصيدتي أن تكون بلا قلب

الأربعاء 2015/02/25
نوري الجراح: قصيدتي هي كل ما أملك لأعبر عن وجودي في العالم

الدار البيضاء (المغرب) – اختتمت الدورة الـ21 للمعرض الدولي للنشر والكتاب، الأحد الماضي، في العاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية الدار البيضاء، والتي انتظمت ما بين 13 و22 فبراير 2015. وكانت الجلسة الختامية للفعاليات الثقافية في هذه الدورة قد انعقدت باستضافة شخصيتين في ساعتين متعاقبتين الأولى للناقد عبد الفتاح كليطو، والثانية للشاعر نوري الجرّاح، بحضور نخبة من الأدباء والشعراء المغاربة والفلسطينيين، وقد شهدت قراءات شعرية، إضافة إلى جلسة حوارية حول الوضع الراهن للثقافة العربية.

أعلن الشاعر نوري الجراح أن “سقف التعبير ينبغي أن يكون عاليا، لأنه لم يعد ممكنا أن لا يكون كذلك”. ودعا الشاعر المبدعين والمثقفين العرب إلى رفع “سقف التعبير في أفق التغيير الشامل والحقيقي”.

هذا التغيير الذي لا يتحقق، في نظره، إلا عن طريق يقظة فكرية فعلية، تتحقق من خلال الفكر النقدي الحر.

هذا ما أكد عليه الجراح، وهو يختتم فعاليات الدورة الأخيرة من معرض الدار البيضاء للكتاب، نهاية الأسبوع الماضي، في لقاء استثنائي، توّج عشرة أيام من الفكر والشعر والحياة بين الكتب والناس في المغرب.


مجلة "الجديد"


لا يكف نوري الجراح عن الأمل والنظر إلى البعيد، والحلم بـ”الجديد”، رغم كل الموت والدمار الذي لا يهدأ، على حدّ تعبيره، وهو ينبهنا إلى أن “النار لن تقف حيث تشتعل اليوم”. لذلك، فلا مجال للخوف من المواجهة، لأن المخيف والمرعب هو ما نواجهه اليوم، وما يتربص بنا لا محالة.

بهذا العناد الجميل، وبهذا العنفوان، عاد نوري الجراح إلى المغرب، وهو يحمل قصيدة يجري فيها دمه والنشيد، ومشروعا فكريا جديدا اسمه “الجديد”، وهي أحدث مجلة يرأس تحريرها الشاعر الذي يعيش في المنفى الأوروبي منذ 35 عاما.

بدأ الشاعر نوري الجراح اللقاء بتوزيع العدد الأول من مجلة “الجديد” على الكتاب والمثقفين المغاربة، ويدعوهم إلى الكتابة فيها، وقد استمر اللقاء ساعة ونصف الساعة، وأدار الحوار مع الشاعر الكاتب المغربي سعيد عاهد، حيث قدّم نوري الجراح مجلة “الجديد”، بحضور ناشرها الدكتور هيثم الزبيدي، وبهذا الحدث المفاجئ للحضور أسدل ستار الدورة الحالية من معرض الكتاب.

وفي نهاية اللقاء تداول إلى جانب نوري الجراح وعبدالفتاح كيليطو، عدد من الشعراء الفلسطينين، رافعين أصواتهم بشعرهم في اليوم الأخير من المعرض، ومن بينهم الشاعران اللامعان غسان زقطان وزهير أبوشايب. نوري الجراح قدّم “الجديد” بوصفها دعوة إلى استئناف الحوار والجدل والسجال في المشهد الثقافي العربي، من خلال التركيز على الأسئلة الفكرية، على حدّ قوله، بواسطة يقظة عقلية، وعبر استنفار العقل وإثارته عن طريق الفكر النقدي الحر. على أن الرهان من هذه المجلة، في ما يقول الشاعر، هو “الإنصات إلى الصوت الجديد، صوت الفكر الجديد”. ذلك لأنه “إذا كانت الأيديولوجيا قد سقطت، فعلينا أن نبحث اليوم عن كلام العقل”.

مشروع "الجديد" دعوة إلى التفكير الحر وتعددية الرؤى، وإلى استئناف الحوار والجدل في المشهد الثقافي العربي

من هنا، يقوم مشروع “الجديد” على التفكير الحر، وعلى “تعددية الرؤى في الكتابة والتعبير، ما دامت ليست هنالك رؤية قسرية في التفكير والكتابة”.

رئيس تحرير “الجديد” يريد من المجلة أن تستحق اسمها، وأن تكون جديرة به، وبالتالي فإن من أولى واجباتها أن تحتفي بالجديد، وترتاد المغامرة الفكرية الجادة، وتراهن على المغايرة الإبداعية الخلاقة وعلى التجربة المبتكرة، عبر جرأة البحث وحوار الأفكار وجدّة السؤال وقوة السجال الهادئ والعميق.

هذا، ويجهر الجراح بالأمل إذ يرفع هذه المجلة إلى القارئ العربي، يقينا منه أن “المجلة كائن لا يزال له دور”، وأن المجلات تبقى “قابلة لأن تكون منبرا لطرح الأسئلة، قادرة على أن تحض على استئناف الحوار”، في عالمنا اليوم.

من هنا، تراهن “الجديد” على ما يسميه “الخروج من ثقافة المونولوغ إلى ثقافة الديالوغ، لكي لا يبقى سقف الحرية واطئا”.


قدر النشيد


وعن تجربته الشعرية وعلاقته بالشعر، أعلن الشاعر نوري الجراح أن “القصيدة قدر لغوي يحاور قدري الشعري”، وأن “قصيدتي هي كل ما أملك لأعبر عن وجودي في العالم”. وعن هذه التجربة الشعرية، كشف الشاعر أنه يكتب القصائد ويتركها طويلا بين أوراقه وأشيائه، فلا ينشرها إلا بعد وقت مديد. “أترك نفسي تبتعد عنها، حتى أتمكن من قراءتها وتأملها مثل قارئ”، إذ لا يمكن للشاعر أن يعود إلى قصيدته بسرعة، بعد كتابتها، ليكتشف عثراتها.

وعن المسافة الزمنية ما بين ظهور قصيدة وأخرى، وديوان وآخر، يرى الجراح أن الكتابة ممارسة لا علاقة لها بالزمن، إن لها زمنا خاصا، و”القصيدة قد أكتبها ولا أنشرها إلا بعد سنوات، أو قد أنشرها في وقت غير بعيد. القصيدة تمرّ عندي بمراجعات عديدة”.

الجراح يكتب القصائد ويتركها طويلا بين أوراقه وأشيائه فلا ينشرها إلا بعد وقت مديد

ويتساءل الشاعر “ما الذي يجمع القصائد لتكون في وحدة بعلاقة تجاورية؟ ويرى أن تاريخ الشعر العربي ليس تاريخ الديوان المعنون، بل تاريخ “أعمال الشاعر”. ولعل المعري هو أول من أطلق اسما على ديوانه في “اللزوميات” أو “سقط الزند”.

لكن المعري إنما أراد أن يقول لنا “إن هذا الديوان وحدة عضوية وعمل شعري واحد”. من هنا، يخلص الشاعر إلى أن “العلاقات التجاورية والجمالية هي ما يجعل النصوص قابلة لأن تجتمع بين دفتي كتاب، أو لا تجتمع”.

وفي سبيل التمثيل والتدليل على ذلك، استحضر الشاعر تجربته في “يوم قابيل” الصادر سنة 2012، في حيفا، وهي مجموعة شعرية “ضمت القصائد الجارحة في تجربتي، والأكثر قربا من فكرة النشيد الفردي الطالع من ألم التجربة التراجيدية الجماعية”. هكذا يقول الجراح، وقد جمع تلك القصائد وكأنما جمع معها أشلاءه التي سقطت مع الانتفاضة السورية الدامية.

عن هذه التراجيديا، يقول الشاعر إن “الانتفاضة السورية وضعتني مع امتحان بالغ القسوة مع نفسي، مع مخيلتي. ماذا أكتب ولماذا أكتب؟”، يتساءل الشاعر، وتجيب القصائد في “يوم قابيل”، وهي “الإجابة التي عبرت بالنموذج الجمالي الجديد عن كفاحي اليومي من أجل الخروج عن عاداتي في الكتابة. المواجهة الدامية بين الناس والاستبداد، أدخلتني في مواجهة دامية مع كل عاداتي في الكتابة، مع لغتي ومخيلتي وأفكاري وإيثاراتي الجمالية الخاصة، دخلت في حرب كاملة مع نفسي ضد كل تلك العادات”.

وما بين شهادة شعرية، وشهادة عن الوضع السوري، قرأ نوري الجراح بعضا من قصائده، ومنها مقاطع من مجموعته الشعرية الأخيرة “يأس نوح”، وهو ينشد “أنادي دمشقَ من جَبَلٍ تَهَدّمَ في مُخَيِّلتي/ اتْركي لي صَفْحةً منكِ، أو فكرةً عنكِ/ اتْركي لي/ في صَفيحِ الموتِ نافذةً/ أو شاهدةْ/ لأعودَ من موتي/ إلى موتي../ لم تبق مئذنةٌ/ تُرَدِّدُ حُزْنَ آلهتي/ عليّْ”. ثم ختم الشاعر بقصيدة تحت عنوان “أكتب قلبي” انفعل لها وتفاعل معها جمهور غصت به قاعة حيفا في معرض البيضاء.


مدينتي تحترق


ولا يزال الكاتب المغربي سعيد عاهد يحاور الشاعر نوري الجراح، ويتنقل به بين عواصم عربية ومحطات شخصية، حتى عاد يسأله عن دمشق، فيجيبه نوري بأن “دمشق مدينة مخيلتي، مدينة مشاعري الأكثر رهافة، هي قصتي اليتيمة”. بالنسبة إلى المغاربة، فإن قصتهم مع دمشق تقف في مفترق الطرق بين الشام والأندلس، فهي المنبع والمصب، وهي تقابل بيت المقدس، منها جاء إدريس الأول.أما بالنسبة إليه، فإنها “السرير الأول، والنافذة الأولى، والكتاب الأول، وخفقة القلب الأولى، الأسطورة الأولى، والانتباهة الأبكر إلى جمال المدن وجمال الوجود.

للأسف، يضيف الشاعر بأسى، إن “هذه المدينة العظيمة تحترق أمام أعيننا جميعا بنار الاستبداد”، الذي فتح أبوابها للغزاة القادمين من عماء التاريخ. وهنا يهتف الشاعر: “مدينتي تحترق، فكيف لقصيدتي أن تكون بلا قلب”.

ما بين شهادة شعرية، وشهادة عن الوضع السوري، قرأ نوري الجراح بعضا من قصائده، ومنها مقاطع من مجموعته "يأس نوح"


رحلة أخرى


فضلا عن رحلته في الحياة، ورحلته الإبداعية مع الشعر، تحدث نوري الجراح عن “الرحلة كنص أدبي ونص تاريخي”، والتي اشتغل عليها، من خلال مشروع ثقافي كبير اسمه “ارتياد الآفاق”، على مدى عقد ونصف العقد من الزمان، وراكم فيها أعمالا رائدة وخالدة، من خلال تحقيق وتقديم، ثم نشر أكثر من 300 كتاب رحلي.

فكانت هذه التجربة عند الشاعر بمثابة “جولة حول العالم عبر آلاف الصفحات” التي حبرها ألف عام من الكتابة. وقد مثل هذا المشروع الثقافي الرائد جسرا بين المشرق والمغرب، وبين العرب والعالم. ويرى نوري الجراح في ما يراه أن “نص الرحلة يظل نصا مركزيا في الثقافة العربية، رغم تهميشه في مراحل كثيرة، كتابة وتدوينا”.

وقد قدمت الرحلة، في نظره، أمهات النصوص الكبرى، وخرائط لها صلة بهذه النصوص. متوقفا عند محطات هذا الجنس الأدبي أسماء ونصوصا وتواريخ، وتوقف الشاعر عند براعة المغاربة وتألقهم في كتابة الرحلة أو في دراستها على مستويات عدة، مستخرجين من نصوصها كنوز الحوار بين الثقافات، شرقا وغربا، من الرحلات الحجازية والمكية إلى الرحلات السفارية، في القرون الأخيرة، والتي “كتبت بأثر من صدمة الاكتشاف المتأخر، ودهشته”.

الخلاصة عند نوري الجرّاح أن المغاربة ومعهم الكتاب العرب الذين أبدعوا مبكرين في فن الرحلة، وبكتابتهم تلك الرحلات إنما أعادوا كتابة الخريطة العربية كلها، وكتابة المتوسط أيضا، بينما هم يستكشفون المعمور من العالم، وانتقلوا من ثمّ إلى قراءة الذات عبر قراءة الآخر، في نص أدبي مركب، غني ومتنوّع، يظل نصا قابلا للاستكشاف، كلما سنح البحث في علاقتنا بالآخر.

وإذا كان نص الرحلة قد غاب عن المكتبة العربية في ما يتعلق بعلاقتنا بالآخر، كما يرى الشاعر، فقد أخذ هذا النص لنفسه موقعا في مقابل الرواية الرسمية، ليكتب المنسي والمنفي والمسكوت عنه، من خلال هذه اليوميات والمذكرات التي كتبها علماء وكتاب، وحجاج وأسرى، وغيرهم ممن ارتادوا الآفاق، كما ذهب الشاعر، وأخيرا لا بدّ من أن يختصر المرء الحديث، رغم غنى تلك الجلسة مع نوري الجراح في ختام معرض الكتاب.


إقرأ أيضا


خمس عواصم عربية تحترق ولا منقذ سوى الفكر

15