نوري الراوي الذي فتح شناشيل العراق على الفن

الأحد 2014/05/25
نوري الراوي عاصر تحولات الرسم الحديث في العراق كلها

ما من فنان عراقي امتزج تاريخ الحركة التشكيلية بسيرته الذاتية مثل نوري الراوي. فالرجل الذي كاد يصل إلى التسعين (ولد عام 1925) لولا أن المرض سلمه إلى الموت مؤخرا استطاع أن ينجز أسطورته الشخصية بشعور عظيم من المسؤولية إزاء كل ما كان يقع إلي جواره من أحداث فنية هي في حقيقتها مرايا متشظية لأحلامه الكبيرة.


صورة الفنان شابا


لم تكن عين الشاعر (وهو من أوائل من كتبوا قصيدة النثر في العالم العربي) التي سكنته منذ أربعينات القرن الماضي إلا نافذة أطلت من خلالها يد الرسام الذي صاره فيما بعد. وما بين الشاعر والرسام كان هناك ناقد انطباعي يسهر على أدواته ليطورها بقدر هائل من الكدح والصبر والألمعية والإخلاص والصدق، حيث كان الراوي دائما حريصا على أن لا يكون صورة من أمسه. فيومه القادم كان عنوانا لسهره الطويل على ما يقع قريبا منه من أحداث فنية. لذلك كان يرى في كل ما يعمله الآخرون نوعا من الزاد الذي يعينه على المضي قدما في رحلته، وهي رحلة اخترقت الزمن، وتركت على كل بقعة أثرا من هذا الفنان الكبير الذي اخترع صورة فريدة من نوعها للفنان المستقل الذي وجد في الفن خلاصه، بل ومستقبله.

وإذا ما كان الراوي دائم الاحتفاء بما فعله فقد فعل ذلك لأنه كان يدرك أن الأصوات النقية التي تقيم في أعماقه إنما هي خلاصات لذلك النشيد الشامل الذي اجتهدت مئات الحناجر في صنع إيقاعاته. كان الراوي دائما حشدا من الفنانين الذين حلقوا بعيدا عن أزمنتهم ليكون لهم قصب السبق في التلويح بأكف بيضاء تشير إلى الجهة التي لم تكتشفها المخيلة بعد. فنه الذي ظل في منأى عن التأثر أو التأثير كان صنيع ذلك اللغز الذي حفظ له استقلاليته المحيرة، في بلد عصفت به التيارات السياسية، بل ودمرته إلى أن انتهى محتلا. كان الراوي الفرد الذي خص الجميع برعايته، وكانت الأصالة الشخصية هي شرطه الوحيد. وهو الشرط الذي جسده فنه خير تجسيد.


سيرته بين الكتابة والرسم


تأخر نوري الراوي في كتابة سيرته الذاتية (التي صدرت مؤخرا في بغداد). ولكن الراوي في كل ما فعله إنما كان يمشي على الطريق التي تقود إلى فكرته عن ذاته. لم يكن لديه ما يفعله طوال حياته سوى كتابة تلك السيرة، إن من خلال الرسم أو من خلال الكتابة التي كانت تجيء دائما مغلفة بالحرير وهو الذي عاش حياته كلها متأنقا يهفو إلى جمال أكثر.

صورته شابا وهو يصافح الملك فيصل الثاني في افتتاح أحد المعارض الفنية تؤكد أن شغفه الفني كان قد تحول إلى واحدة من حقائق وجوده. وفي العام 1957 بدأ بتقديم برنامجه الأسبوعي «الفنون التشكيلية» من تلفزيون بغداد بعد سنة من افتتاحه. وكان ذلك البرنامج الذي استمر الراوي في إعداده وتقديمه حتى العام 1987 نافذة يطل من خلالها الناس العاديون على عالم كان بالنسبة إليهم غامضا ونخبوي التداول

كانت علاقته بمادته الفنية (كلمة كانت أم خطا أم صبغة) أشبه بعلاقة الصائغ بالذهب: لا زوائد، لا ثرثرة مضنية، لا تقنية فائضة. كان قليله يندفع إلى الجوهر مباشرة ليمكث هناك. أحيانا تفضحه الصناعة، فلا يجد حرجا من تخليه عن المعنى المباشر. فهو يعرف بخبرته أن المعاني التي قيلت تكفي، وأن لا معنى في إمكانه أن ينقذنا من القبح، ففي الجمال وحده تقيم رقية الخلاص.

ولأن كل ما كان يفعله كان يؤكد انتسابه إليه: صنيعا ذاتيا فالتا من كل رقابة، متمردا علي كل هدف، فقد كانت أعماله الفنية وكتاباته تشف عن حرية مريحة عاشها كما لو أنها نوع من البداهة. وهو ما يهبه ميزة نادرة لم يتصف بها فنان أو كاتب عراقي آخر. لم تكن السعادة بالنسبة إليه هدفا وحسب، بل كانت أيضا المادة التي يصنع من عجينتها أشكاله التي لم تكن سوى رؤى محلقة مثل طيور لم يرها أحد من قبل. سعادته كانت معجزة في ثقافة كان الشقاء مرجلها.

هل كان الراوي يعيش منفصلا عن حاضره والمكان الذي يؤويه ويضمه إلى الآخرين؟ هذا السؤال يأخذنا مباشرة إلى مفهوم الفن الصافي الذي تبناه الراوي ولم يتخل عنه لحظة واحدة. لقد عاصر الراوي تحولات الرسم الحديث في العراق كلها. عاش مناخاتها المتقلبة وعرف أسرارها التي كان الخبث فيها يمتزج بالبراءة. غير أنه ظل يطارد جمالا غامضا لا تفصح عنه الأشكال بقدر ما تؤدي إليه. رسومه تسلّي مثلما هي كتاباته. لا يشعر المرء إزاءها بالضجر. فهي لا تستعرض خفتها بل تضع الخفة كلها في متناول أعيننا. من يقرا كتاباته يكون كمن يخترعها في لحظة هذيان.

إنه يصف الكلمات برشاقة، بعضها إلي جانب بعض، كما يفعل بالخطوط والأصباغ لا ليقول الشيء نفسه، وهو ما كان يفعله دائما، بل ليفاجئنا بذلك الشيء، مشاغبا وبريئا كما لو أنه لم يقله من قبل. مَن يتذكر نوري الراوي لا بد أن تغمره العافية. فنه نوع من الشفاء.

ابن جيله الوحيد


كان من الصعب تحديد إلى أي جيل فني ينتمي نوري الراوي. لقد تم الاعتراف به رائدا في وقت متأخر (عام 1993) بعد أن كانت أعماله قد منعت من الدخول إلى متحف الرواد. فالرجل الذي عاصر رواد الرسم في العراق كان قد تأخر عن دراسة الفن. لقد تخرج من معهد الفنون عام 1959 بعد أن كان قد أنهى دراسته في معهد المعلمين عام 1941. وما بين العامين كان حضوره الفني لافتا.

كانت علاقته بمادته الفنية (كلمة كانت أم خطا أم صبغة) أشبه بعلاقة الصائغ بالذهب: لا زوائد، لا ثرثرة مضنية، لا تقنية فائضة. كان قليله يندفع إلى الجوهر مباشرة ليمكث هناك وأحيانا كانت تفضحه الصناعة

صورته شابا وهو يصافح الملك فيصل الثاني في افتتاح أحد المعارض الفنية تؤكد أن شغفه الفني كان قد تحول إلى واحدة من حقائق وجوده. غير أن هناك محطتين أساسيتين في رحلة الراوي سيكون لهما أكبر الدلالة على الدور المتعاظم الذي لعبه في إشاعة الذائقة الفنية جماهيريا. ففي عام 1957 بدا بتقديم برنامجه الأسبوعي “الفنون التشكيلية” من تلفزيون بغداد بعد سنة من افتتاحه.

كان ذلك البرنامج الذي استمر الراوي في إعداده وتقديمه حتى عام 1987 نافذة يطل من خلالها الناس العاديون على عالم كان بالنسبة إليهم غامضا ونخبوي التداول. هناك اليوم أجيال من الفنانين تشعر بالامتنان للرواي الذي نجح في أن يخلق بيئة شعبية للفن من غير أن يخضع للابتذال والسطحية. أما المحطة الثانية فإنها تقع في عام 1962 يوم تم افتتاح بناية المتحف الوطني للفن الحديث التي تسمى “كولبنكيان” في إشارة إلى عائلة أرمنية كانت قد انتفعت من نفط العراق فأهدته منشآت مهمة مثل ملعب الشعب ومدينة الطب وكانت بناية ذلك المتحف من بينها. غير أن ذلك المتحف ما كان له أن يقوم لولا ما بذله الراوي من جهود في إقناع الحكومة بضرورته وفي جمع الأعمال الفنية التي ستكون نواته.

في الحالين كان الراوي رجل تنوير، وجد في الفن وسيلة للتقدم بالمجتمع. كان الراوي يقدم رسالته على إنجازه الشخصي، وهو ما حفظ له دوره في التاريخ.


أشبه بالمنفيّ في الثقافة العراقية


ترك نوري الراوي القضايا الكبرى للآخرين، كان شعوره بالفقدان غايته النبيلة التي تعزز قدرته على الرسم والكتابة. مدينته الفاضلة التي رسمها في خلو من البشر كانت تخترع خطواته التي لم يلقها على الأرض. تلك اللوحات كانت تظهره حالما بمشية هي أسلوب حياة قدّر له أن يعيشها، لكن من خلال الرسم والكتابة.

لذلك كان الراوي أشبه بالمنفيّ في الثقافة العراقية. كان الغريب الذي تكشف حركاته عن اختلافه. هويته كانت مزيجا من أصوات وروائح وأشكال ومذاقات لم يختبرها أحد من قبل. لقد اخترع جنته، ذلك المكان الذي يشعر العراقيون اليوم بالحنين إليه بعد أن فقدوا حقهم في الحنين.

كان نوري الراوي شاعراً من أوائل من كتبوا قصيدة النثر في العالم العربي منذ أربعينات القرن الماضي، وما بين الشاعر والرسام كان هناك ناقد انطباعي يسهر على أدواته ليطورها بقدر هائل من الكدح والصبر

هل كانت رسوم الراوي نوعا من النبوءة؟ حين احتل العراق عام 2003 كان صوت الراوي من أكثر الأصوات المقاومة صفاء. لا شائبة، كانت المقاومة بالنسبة إليه هي الحل. لقد عاش الرجل حياته كلها مقاوما بالطريقة التي حفظت لفنه استقلاله وحريته، وها هو يرى أن كل شيء يذهب إلى عدم رخيص.

ليت القيامة وقعت، حينها يكون الراوي متأكدا من أن مدينته ستنهض من جديد. غير أن الاستعمار وهو عبث صبياني لا يمكن أن يكون سوى نوع من الانحطاط الذي يغدر بكل قيامة ممكنة.

في ثمانينه قدم نوري الراوي صورة الفنان وهو يتماهى مع رقي أسئلته الحضارية. لقد حل الخراب بمدينته الفاضلة وصار الغزاة يعبثون بمفرداتها، لذلك ظهر كما لو أنه بطل سومري.

علينا أن نتذكر دائما أن طريق الحرير مر بمدينته. الراوي هو ابن تلك اللحظة التي لن يغفلها التاريخ. هو ابن البداهة المترفة التي قربت الصين من روما. لذلك فإن نوري الراوي لا يمثل دور الشاهد بل يهمه أن يكون الحقيقة التي تشير إلى ما يتصل بها من وقائع المغفرة.

ننظر اليوم إلى رسوم نوري الراوي وكتاباته بعيني من يقرأ الكتب المقدسة أول مرة. لقد غاب الرجل الذي علمنا ما معنى الجمال.

8