نوري المالكي: عازف الربابة السياسية الطائفية

الثلاثاء 2013/12/31

لست من هواة دق المسامير في النعوش، لكنني مثل غيري من العرب الذين يحبون الحياة مضطر للفرجة على هذه المقابر التي تفتح على طول الساحة العربية، ليوارى فيها العقلاء والمفكرون والمتفائلون والعابرون إلى أرزاق أطفالهم. وقد كان السياسي والمفكر اللبناني محمد شطح مع مرافقه وخمسة من جيران الموت المجاني و(كومة) من السوريين والعراقيين والليبيين والمصريين واليمنيين من أواخر هؤلاء العرب، الذين عبأوا قبور الحروب باسم الدين وتحت غطائه، الذي لم نعد نقوى على رفعه لكي لا نصاب بالهستيريا من هول ما نرى.

كل يحمل لواء الدين، شيعة وسنة ومتكسّبين، ليقتل أخاه في الدين. وكل في حدود عقله وتحريضات مفتيه وقادته هو الفرقة الناجية، التي ستدخل الجنة وتترك الآخرين خارجها لأنهم لا يستحقون النعيم المقيم. لقد تجاوزنا جميعا، بعد أن اشتدت بنا مسيرة التخلف، كل معقول في حياتنا وأصبحنا لا نجيد سوى رمي نبال التكفير والتصنيف والإلغاء والتشويه والقتل. نحن الآن نظن أننا نصنع آخرتنا بأنهار الدماء وأودية الأشلاء التي تتطاير مثل الورق في شوارع مدننا وعلى أطرافها.

نفعل ذلك بعد أن حوّلنا شعوبنا إلى أغنام نسوقها إلى حتفها وظلامية مستقبلها، حتى أنه أصبح بيننا عازف ربابة سياسية طائفية غير مسبوق اسمه نوري المالكي، يغازل عواطف شيعة العراق بسفك دماء إخوانهم السنة. وأصبحت فينا “داعش” التي تقتل المسلم على تفويته صلاة الفجر، وقد سبق الاثنين مجانين “القاعدة” الذين يكفّرون ويقتلون الحصى إذا لم يسمعوه يسبح باسم الله. وهنا بمقدورنا أن نضع خطوط تقاطع للكفر بالحياة والإنسان وقدسية الوجود والاستخلاف: متطرفون شيعة ومتطرفون سنة يقودهم التمذهب والتنطع الذي لا يبقي ولا يذر.

ومن رحم هذا التخلف العربي وهذا التنطع المقيت، على سبيل المثال، لم يفكر مايسترو الطائفية السياسية المالكي لحظة بخطورة ما يتفوه به على العراقيين والعرب والمسلمين أجمعين، حين قال أمام الملأ: “إن الذين قتلوا الحسين لم ينتهوا بعد.. هاهم اليوم موجودين.. والحسين بلون آخر لا يزال موجودا.. هو الذي يُستهدف من قبل هؤلاء الطغاة.. إذن أنصار الحسين وأنصار يزيد وعلى طول الخط يصطدمون في مواجهة شرسة عنيدة.. وهذا يعطينا رؤية بأن الجريمة التي ارتكبت بحق الحسين لم تنته بعد.. وإنما لا زالت فصولها التي نعيشها اليوم من الإرهابيين والطائفيين والحاقدين على الإسلام وأهل البيت عليهم السلام، وما يقومون به من أعمال إجرامية”.

وهكذا، في مسرح اللامعقول العربي، يتصدر المشهدَ الطائفيَّ رئيسُ وزراءٍ يحكم بلدا بحجم العراق، وليس مجرد إنسان بسيط سمع الناس يقولون شيئا فقاله. أي أن دق أسافين الطائفية الغليظة تحدث الآن من موظفين كبار ضمن خارطة طريق ترسم في دهاليز أجهزة المخابرات الأجنبية. والأغبياء العرب، المتمسكين بالكراسي والنفوذ، ينفذون هذه الخارطة عيانا بيانا ودون خوف من الله أو حياء من الناس أو احتراما لعقولهم.

ولكم أن تتخيلوا بعد هذا التحريض الطائفي كيف سيشعر أو يتصرف الشيعي العراقي الذي يقول له رئيس وزرائه إن مواطنك وجارك السني لا يزال يطارد الحسين تحت راية يزيد. كما لكم أن تتخيلوا كيف سيشعر أو يتصرف السني إذا قيل له إن الشيعة يسبّون عمر وعائشة، وقد قيل ذلك ولا يزال من كثيرين لا يفرقون بين عقلاء الشيعة وحمقاهم المتكسبين باسم الذب عن حياض أهل البيت، كما يفعل المالكي الآن في كل خطاب يشتري فيه أصوات العراقيين، الواقعين تحت ظله الطائفي والمخدوعين بعسل كلامه عن أهل البيت المظلومين.

لقد ظن العراقيون، كما ظنت شعوب عربية أخرى، أن إسقاط طغاة الديكتاتورية سيوجههم إلى صناعة الحياة ومقوماتها الحقيقية، فإذا بهم في العراق وغيره يقعون في المطب الهائل لطغاة الطائفية وغلاتها من السياسيين الذين لا يعرفون من الحياة سوى وجهها المظلم ومهالكها التي تعيدهم إلى الخلف وترسلهم إلى المدافن وبيوت العزاء.

ولذلك لم تكن خارطة الطريق المضادة للطائفية، التي وضعها محمد شطح ووجّهها في رسالة إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني قبل أيام من اغتياله، مقبولة، بل ربما كانت مقدمة النار التي أحرقته وأحرقت من بجواره من الأبرياء، إذ أن عقل هذا الرجل (النظيف) مثل عقولنا غير قادر على تصور أن ما يراد للمنطقة، هو الاحتراق في أتون الطائفية. ولعله لم يطلع أو يفهم تحريضات المالكي وحزب الله على وجهها الصحيح، كما لا يفهم كثيرون، أو لا يريدون أن يفهموا خطورة تحريضات جماعات التكفير التي تخرجت من مدارس الكره في أفغانستان.

لقد ركزت رسالة شطح البريئة والصادقة، على الأدوار الخطرة التي يلعبها “حزب الله” المدعوم من الحرس الثوري الإيراني ضد مصلحة لبنان وضد نظامه وضد استقراره. ورسمت خارطة طريق لتحرك دولي من ضمنه إيران لإنقاذ لبنان بإعادة الاعتبار إلى سلطة الدولة فيه. وفي هذه الرسالة، المكتظة بالتفاؤل، يشرح شطح: “أنه يكتب هذه الرسالة لأن لبنان مهدد بوحدته، فيما إيران ستلعب في الوقت الحاضر، في إنجاح خياراتنا أو تفشيلها”. وقال: “نحن ما يهمنا في سياسة إيران الدولية الجديدة، هو اختبار اتجاهها الجديد تجاه لبنان”. ويسرف محمد شطح في تخيله لإمكانية الفهم الإيراني حين يقول: “أن سلاح “حزب الله” يعطل الحياة السياسية في لبنان، ويشل النظام السياسي اللبناني، ويوفر الحماية لخمسة متهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري، تطلبهم المحكمة الخاصة بلبنان” ثم تلفت الرسالة إلى أن إنقاذ لبنان يتم من خلال الالتزام بإعلان بعبدا لتحييد لبنان عن الصراع في سوريا.

وكما تخيلتم من قبل وجود رجل طائفي بحجم المالكي تخيلوا وجود رجل لا طائفي بحجم محمد شطح ولكم، بعد ذلك، أن تسرحوا بخيالكم ما وسعكم ذلك: لم يعد هناك مكان في دنيانا لغير الطائفيين الذين يستخدمون عقولهم وأقلامهم وأفكارهم. ومن تجرأ على أجندة الطائفية فهو، كما فعل شطح، حكم على نفسه بالموت. وبذلك ربما نفهم لماذا يتمسك المالكي وأمثاله بطائفيتهم ويشعلون نيرانها كلما خمدت، في العراق وغير العراق.

كاتب سعودي

8