نوري المالكي مظهر من مظاهر فشل السياسة الأميركية في العراق

الخميس 2014/07/03
هل تتخلى واشنطن عن رجلها الذي دمرت سياسته العراق

واشنطن - يتعرض رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الى انتقادات داخلية وخارجية خصوصا حيال استراتيجيته الأمنية وسياسته التي أكّد مسؤولون أميركيون أنها السبب الرئيسي وراء تدهور الوضع في البلاد.

في نوفمبر من عام 2010 واجهت الولايات المتحدة معضلة عويصة في العراق. فنوري المالكي، الرجل الذي اختارته واشنطن قبل أربعة أعوام ليصبح رئيسا لوزراء العراق، بعد أن كان شخصا شبه مغمور، كاد يخسر الانتخابات لكنه قام بمناورات بمساعدة من إيران للبقاء في السلطة.

كانت الساعة تدق إيذانا باقتراب موعد انسحاب القوات الأميركية. وأخذ الدبلوماسيون الأميركيون والساسة العراقيون يفكّرون في بدائل لقيادة العراق. لكنّ العراقيين كانوا قد انتخبوا برلمانا عالقا ولم يكن هناك مرشحون يحظون بتأييد قاطع. وخوفا من الفوضى استقرت واشنطن مرة أخرى على المالكي.

وخلال اجتماع ساده التوتر في المنطقة الخضراء شديدة التحصين ببغداد جلس دبلوماسيان أميركيان مع المالكي ورئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني ومع إياد علاوي السياسي الذي فاز تكتله بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات والذي كان تأييده ضروريا لحسم أي اتفاق. وفي وقت سابق من ذلك اليوم اتصل الرئيس الأميركي باراك أوباما بعلاوي ووعده بدعم أي حكومة تضم كل الأطياف الرئيسية في العراق.

وقال شخصان على معرفة مباشرة بما دار في الاجتماع، إن كلا من علاوي والمالكي هددا بالانسحاب وإن البارزاني وقف في مرحلة ما في طريق علاوي لمنعه من مغادرة الغرفة. وحثهم الدبلوماسيان الأميركيان على تنحية الخلافات. وأخيرا وافق العراقيون على اتفاق نهائي تحدّدت تفاصيله في مذكرة مكتوبة.

كان الاتفاق الذي وضعت لمساته النهائية في ذلك اليوم هو آخر اتفاق حقيقي لاقتسام السلطة في العراق ولاقى فشلا في ذات اللحظة تقريبا. وبسبب تعنت المالكي ومعارضيه لم يطبق الاتفاق على الإطلاق واتسعت الانقسامات الطائفية في البلاد. وحكم المالكي البلاد كمدافع عن الشيعة أكثر منه زعيما وطنيا لكل العراقيين.

دعم الولايات المتحدة لحكم المالكي سيؤدي إلى دكتاتورية وتجدد الحرب الأهلية وإلى هيمنة إيران على العراق

والآن بينما يرسخ مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية السنة قبضتهم على غرب العراق ويعلنون خلافة إسلامية ويهددون بحرب أهلية جديدة تطالب واشنطن مجددا بأن يشكل قادة العراق حكومة شاملة تضم الأقليتين السنية والكردية.

لكنّ مسؤولين سابقين وحتى بعض المسؤولين في إدارة أوباما الحالية يقولون إن هذه المساعي قد تنهار أيضا. وكان من المتوقع أن يقع الاختيار على المالكي رئيسا للوزراء لفترة ثالثة بعد أن فاز ائتلافه في الانتخابات التي أجريت في أبريل. لكن مع تدهور الوضع الأمني تتصاعد الضغوط حتى من داخل قاعدة سلطته الشيعية كي يرحل. وحتى وإن رحل فستجد واشنطن مشقة على الأرجح في التأثير بقوة على الوضع.

يقول أكثر من عشرة دبلوماسيين سابقين وحاليين إن العلاقات بين واشنطن وبغداد شابها تكرار زلات إدارة أوباما وسلفه الرئيس جورج بوش الابن. ويقول الدبلوماسيون إن واشنطن غير راغبة أو غير قادرة على التأثير على الساسة العراقيين ولا سيما الرجل الذي ساعدته على الوصول إلى السلطة.

وأوضحت إيما سكاي، وهي باحثة بريطانية في شؤون الشرق الأوسط وكانت مستشارة للجنرال الأميركي ريموند أوديرنو، إنه رغم خسارة المالكي لانتخابات 2010 فقد خرج منها أقوى من ذي قبل. وقالت إنه “لم يواجه أي عواقب عندما تراجع عن التزاماته” بضم السنة للحكومة.

في ذات السياق، قال علي الخضيري، الذي عمل فترة طويلة مستشارا لعدد من السفراء الأميركيين في بغداد، إنه استقال بعد أن حذر في مذكرة في أكتوبر 2010 من أن دعم الولايات المتحدة لحكم المالكي سيؤدي إلى دكتاتورية وتجدد الحرب الأهلية وإلى هيمنة إيران على العراق. وذكر أن مسؤولين أميركيين وبريطانيين ممن اتفقوا معه في الرأي غادروا بغداد بحلول خريف 2010 لكنه مذكرته وصلت مسؤولين كبارا في البيت الأبيض ورفضوا كلامه.

مذبحة منظمة


قال جيمس جيفري، السفير الأميركي في بغداد من عام 2010 وحتى عام 2012، إن المساعي الأميركية لإعادة رسم العراق لم تكن واقعية قط. وأضاف أن إدارة بوش لم توضح للرأي العام حجم المجهود المطلوب وإن إدارة أوباما بددت التأثير المحدود الذي كان قائما.

جيمس جيفري: المساعي الأميركية لإعادة رسم العراق لم تكن واقعية قط

من جانبه يرى روبرت فورد، الذي خدم مرتينكدبلوماسي أميركي بارز في بغداد، أن واشنطن لم تكن في الغالب لتصبر على الساسة العراقيين “كي ينتهوا من مفاوضاتهم الطويلة والمملّة.” لكنه قال إن الأمر كان يتطلب في الوقت ذاته “أن تمنحهم الوقت للتوصل لتسويات تتوافر لها مقومات البقاء.”

شخصية طموحة للغاية


أمضى نوري المالكي سنوات في المنفى عضوا في جماعة شيعية سرية تسمى الدعوة. وكان لواشنطن دور في صعود ذلك السياسي البالغ من العمر 64 عاما. وفي عام 2006 عندما صعّد المسلحون السنة من نشاطهم وجد إبراهيم الجعفري رئيس الوزراء العراقي آنذاك -وهو شيعي- أنه لا يتمتع بثقة الزعماء الشيعة والأكراد والسنة وكذلك واشنطن.

ومع حرص إدارة بوش على إقناع الرأي العام بأهمية الحرب ومستقبل العراق لجأت إلى المالكي كمرشح توافقي. وقد وصلت وزيرة الخارجية آنذاك كوندوليزا رايس إلى العراق في زيارة لم يعلن عنها مسبقا واجتمعت مع المالكي وغيره من قادة العراق.

وفي مقر السفير الأميركي خليل زاد أبلغ المالكي مسؤولين أميركيين أن هدفه الأول سيكون تخفيف حالة عدم الثقة بين الجماعات الدينية في العراق. وقال خليل زاد للصحفيين في الآونة الأخيرة “كان يعتبر قوميا عربيا.. كان ملفه نظيفا مع إمكانية أن يكون زعيما قويا”. لكن فورد الدبلوماسي السابق قال إن الأميركيين أساؤوا تقييم المالكي.

وذكر كين بولاك، المسؤول السابق في البيت الأبيض والمخابرات المركزية الأميركية وخبير الشؤون العراقية، الذي التقى المالكي في مارس آذار وأطلع المسؤولين الأميركيين في وقت لاحق على نتائج زيارته أن رئيس الوزراء العراقي بدا منشغلا تماما بفكرة تهميش معارضيه السياسيين بعد انتخابات أبريل.

وأنشأ المالكي قياداتللعمليات تتجنب المنظومة العسكرية التقليدية التي أصرت واشنطن على أن تشمل السنة والأكراد. وخلال فترة ولايته الثانية شغل المالكي منصبي وزير الدفاع والداخلية وعين موالين له في مناصب عسكرية رفيعة فيما كانت الولايات المتحدة تسعى لتعزيز الجيش العراقي.

المرشد الأعلى في إيران وقائد قوة القدس السرية قاسم سليماني لعبا دورا محوريا في كسب دعم زعماء شيعة آخرين للمالكي

وبحلول عام 2009 أسس المالكي وحدة خاصة للجيش تعمل مباشرة تحت إمرة مكتبه العسكري ووجهت لها اتهامات بارتكاب تجاوزات. وفي 2010 تكشفت واحدة من أكثر القضايا اللافتة حين اكتشف مفتشون في مجال حقوق الإنسان اعتقال ما لا يقل عن 400 سني في الموصل ضمن حملات عسكرية واحتجازهم دون اتهامات وما تردد من مزاعم عن تعذيبهم في منشأة بمطار عسكري في بغداد.

ردّ المالكي على ذلك بأنه لم يعلم بأمر المعتقلين إلى أن أبلغه مفتشو حقوق الإنسان. وألقى باللوم في عمليات الاحتجاز والانتهاكات على بعثيين تسللوا إلى صفوف قواته الأمنية. وقال كريستوفر هيل، سفير واشنطن لدى العراق في 2009 و2010 ، إن الولايات المتحدة حاولت بالفعل الضغط على المالكي لإنهاء حكمه الطائفي لكنها فشلت.

وتذكر كيف قاوم المالكي دفع أموال لمقاتلي العشائر السنية التي كان دعمها مهما لإنهاء أسوأ أعمال قتل طائفية منذ عام 2003. وقال هيل “كنت أضطر للذهاب إليه وأحيانا كل أسبوع لأتأكد فقط أن الأمور تسير على ما يرام حقا.. ولم تكن لغة الجسد تظهر إيمانا بالمشروع بأكمله".


كارثة متوقعة


يرى كثير من المسؤولين الأميركيين والبريطانيين المشاركين بشكل مباشر في الأحداث أن مارس 2010 هو الشهر الذي بدأ فيه عقد العراق ينفرط من جديد ويزداد التوتر في العلاقات بين واشنطن والمالكي.

وبحلول ذلك الوقت كانت الحرب الطائفية قد هدأت ومرت الانتخابات البرلمانية التي أجريت في ذلك الشهر بشكل سلمي ونزيه نسبيا. وحل ائتلاف دولة القانون الذي ينتمي له المالكي في المركز الثاني بفارق بسيط عن ائتلاف يغلب عليه السنة ويقوده علاوي وهو شيعي علماني شغل منصب رئيس الوزراء بشكل مؤقت. وقال المسؤولون إن المالكي لجأ للمحكمة الدستورية للحصول على حكم يسمح له وليس لعلاوي بتشكيل حكومة. وكان ائتلاف علاوي قد حصل على 91 مقعدا بينما حصل ائتلاف المالكي على 89 مقعدا. وبدا أن الحكم ينتهك الدستور العراقي الذي ساعد خبراء أميركيون على صياغته.

العلاقات بين واشنطن وبغداد شابها تكرار زلات إدارة أوباما وسلفه الرئيس جورج بوش الابن

وقال جيفري الذي شغل منصب هيل في أغسطس2010 إنه مع طول عملية اختيار رئيس وزراء جديد استخدم الدبلوماسيون الأميركيون كل ما أوتوا من نفوذ للتوسط في اتفاق حتى وهم يبحثون عن بديل للمالكي. وأضاف “كانت هناك معارضة شديدة له ولاسيما في الجيش الأميركي لذا كنت على استعداد لأن نسعى لتأجيل ذلك الشيء ونرى إن كنا سنجد بدائل.. ولم نجد بديلا قط”. واستغرق الأمر قرابة عشرة أشهر حتى أواخر ديسمبر 2010 للانتهاء من تشكيل حكومة. وشعر المسؤولون الأميركيون بالقلق من أن يؤدي الفراغ السياسي إلى إشاعة الفوضى مع انسحاب القوات الأميركية.

وقال علي الخضيري، مستشار السفراء الأميركيين، إن إيران وقائد قوة القدس السرية في طهران الجنرال قاسم سليماني لعبا دورا محوريا في كسب دعم زعماء شيعة آخرين للمالكي. وضغطت إيران على جماعة شيعية كبيرة موالية لرجل الدين مقتدى الصدر -الذي اختلف مع المالكي- لدعمه.

كشف وفضح


في 15 ديسمبر عام 2011 شاهد وزير الدفاع الأميركي آنذاك ليون بانيتا جنوده في مطار بغداد شديد التحصين وهم ينكّسون علم القوات الأميركية في العراق إيذانا بانتهاء مشروع واشنطن في العراق. وقال بانيتا في حفل متواضع غاب عنه أكبر سياسيي العراق الذين وصفوا الانسحاب بأنه انتصار للسيادة العراقية “التحديات لاتزال قائمة والولايات المتحدة ستكون مستعدة للوقوف إلى جانب الشعب العراقي.

أما إلى أي مدى وقفت إدارة أوباما إلى جانب العراق بعد عام 2011 لمنع تفاقم انقساماته الطائفية فمسألة قابلة للجدل.

وبينما كان بانيتا يتكلم كانت قوات حكومية قد أحاطت بمنزل طارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي وأكبر مسؤول سني بالعراق والذي اتهمه المالكي ومسؤولون آخرون بأن له صلة بعمليات قتل وتفجير وهو اتهام نفاه مرارا. وبعد أربعة أيام أصدرت وزارة الداخلية العراقية أمرا باعتقال الهاشمي الذي وفر من بغداد إلى إقليم كردستان العراق وحكم عليه بالإعدام غيابيا. وقال مسؤولون إن رد الفعل الأميركي كان ضعيفا للغاية.

وأبدى المسؤولون الأميركيون انزعاجا أكبر إزاء خطوة اتخذها المالكي بعد عام ضد مسؤول سني بارز آخر هو وزير المالية رافع العيساوي الذي يحظى بشعبية وذلك لمزاعم بأن له صلات بمسلحين.

وفي ديسمبر 2012 احتجزت القوات الحكومية عددا من حرس العيساوي الشخصي مما أثار احتجاجات في محافظة الأنبار مسقط رأس العيساوي الذي استقال في مارس آذار 2013. لكن هذه المسألة لم يسلط عليها الضوء في واشنطن حيث كان تركيز البيت الأبيض منصبا على تفاقم الصراع في سوريا.

كانت السفارة الأميركية ترى في العيساوي – وهو جراح سابق- سنيا معتدلا بالإمكان التعامل معه. وقالت سكاي إن مسؤولي المخابرات الأميركية تحروا أمر الاتهامات المنسوبة له وخلصوا إلى أنها باطلة. وقال مسؤول أميركي إن الدبلوماسيين الأميركيين سعوا في حالة العيساوي وآخرين إلى منع المالكي وغيره من السياسيين من تأجيج التوترات الطائفية.

واليوم ومع سعي أوباما لدفع القيادة السياسية بالعراق لصد تنظيم الدولة الإسلامية- فإن عليه أن يتغلب على شكوك العراقيين الذين يعتقدون أن الولايات المتحدة مازالت تدعم المالكي حتى في الوقت الذي تؤازر فيه السنة والأكراد. أما الأكراد الذين كان زعيمهم البارزاني مؤيدا للمالكي في 2010 فيشعرون بالظلم أيضا. وهم الآن يتهمون المالكي بعدم الالتزام بشروط الاتفاق.

وبينما يواجه العراق تفككا محتملا قال السفير الأميركي السابق جيفري إن المعضلة الأساسية نشأت خلال الاحتلال الأميركي وتتمثل في أن الديمقراطية مكّنت أغلبية شيعية تخشى حكامها السنة السابقين. وقال “كنا نسعى للديمقراطية وهذا ما كنا نفعله هناك. والديمقراطية قادت إلى هذه النتيجة".

7