نوري المالكي مغادرا مهلوسا بـ "خيام يزيد"

الأحد 2014/04/20
المالكي رجل الأنفاق الخفية الذي صنع من الوطن نفقا

لو قيل لإبراهيم (الأشيقر) الجعفري زعيم حزب الدعوة الإسلامي السابق قبل عشر سنوات أن نائبه الذي كان يُعرف يومها باسمه الحزبي جواد المالكي سيزيحه من زعامة الحزب ويحتل مكانه، بل ويصبح رئيسا لوزراء العراق لثماني سنوات متلاحقة لكان سيغرق في الضحك ولاعتبر الخبر نوعا من السخرية السوداء.


شعور بريمر


فالحكيم الذي لم يمارس الطب بسبب انشغاله بقيادة حملات الحج الذاهبة من لندن إلى الديار المقدسة كان لا يرى في الأشخاص المحيطين به ما يؤهلهم لمنافسته، وهو البليغ الذي تمتلئ جمله الطويلة بالمواعظ والحكم الغامضة. غير أن شعور بريمر، رئيس سلطة الاحتلال بالملل من خطابات الجعفري كان يخفي مصيرا مختلفا للرجلين، الجعفري، المتكلم دائما ومن بعده المالكي، الكتوم دائما.

ففي حمّى السباق إلى الحكم في ظل سلطة الاحتلال، كان مفاجئا أن يقرر الجعفري الانسحاب من حزب الدعوة متيحا لنائبه الذي استعاد اسمه الحقيقي نوري المالكي، ليخلفه في زعامة الحزب الذي كان قد تأسس عام 1957. يومها أصبح واضحا أن انقلابا سريا كان قد وقع في صفوف الحزب الذي كان يحظى بشعبية واسعة بين صفوف الفقراء، بسبب ما كان شائعا عن تعرضه لحملات تصفية (قتل واعتقال) شرسة من قبل النظام العراقي السابق في سبعينات القرن الماضي. هل كانت إيران قد دعمت ذلك الانقلاب بعد أن مهد له بريمر؟


ابن التوافقين الأميركي والإيراني


الجعفري وهو الزعيم المعزول والذي عرف ببلاغته التي هي أشبه بالهذيان لم يقل كلمة واحدة احتجاجا أو تعليقا على الأقل. لقد تواطأ الجميع، ومن ضمنهم الجعفري على دفن سر ما جرى. وكما يبدو فانه كان هناك توافق أميركي ــ إيراني على صعود المالكي إلى المنصب الأول في السلطة التنفيذية في العراق.

ما خبرته إيران في المالكي أنه الرجل المستعد داخليا لتنفيذ الفقرة الأساسية في مشروعها الاستعماري فالرجل الذي لا ينظر إلى العالم إلا من جهة توزعه بين مذهبين: شيعي وسنّي سيكون وجوده في السلطة مناسبا لتكريس الثقافة الطائفية

ما يعرفه الإيرانيون عن المالكي وقد خبروه أثناء إقامته في إيران أدركته سلطة الاحتلال متأخرة، ولكن في الوقت المناسب، فوجدت فيه الرجل المستعد داخليا لتنفيذ الفقرة الأساسية في مشروعها الاستعماري. فالرجل الذي لا ينظر إلى العالم إلا من جهة توزعه بين مذهبين: شيعي وسنّي سيكون وجوده في السلطة مناسبا لتكريس الثقافة الطائفية، التي لن يكون بعدها الحديث عن عراق موحد إلا نوعا من الخيال التاريخي.

ولربما يكون من باب الدعابة أن المالكي حين أخبر بزيارة الممثلة الأميركية أنجلينا جولي إلى العراق قال مستفسرا “هل هي شيعية أم سنيّة؟”.


أبو المحاسن


دعابة تكشف عن الوجه الحقيقي لرجل كان ولا يزال يستمد ثقافته من أدبيات العالم السفلي، هناك حيث تنعدم الرؤية الواقعية وتحل الأوهام المستلهمة من الكتب الصفراء محل الحقائق. فالمالكي الذي درس الفقه في كلية علوم الدين لم يجد أمامه سوى جده (أبو المحاسن) وهو شاعر مغمور لكي ينال من خلال دراسة شعره شهادة الماجستير. وهو ما يؤكد انغلاقه العائلي، حتى في محاولته تأهيل نفسه أدبيا. وهو الانغلاق الذي يعطينا فكرة واضحة عن انغلاقه المذهبي.

صار المالكي اليوم يستعرض ماضيه العائلي، كما لو أن ذلك الماضي كان جزءا من سيرة المذهب الذي يقال إنه قاوم السلطة. فالرجل المولود في طويريج عام 1950 وهي البلدة المشهورة بركضتها الماراثونية في اتجاه كربلاء، حيث مرقد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب سيجد في تنصيب جده (أبو المحاسن) وزيرا لمدة شهر مناسبة للإعلاء من شأن عائلته، متناسيا أن الوظيفة الوحيدة التي مارسها بنفسه في حياته لم تتعد حدود القسم الإداري في مديرية تربية الحلة، حيث تقع بلدته.

المخابرات السورية استدرجت معظم المعارضين العراقيين إلى حظيرتها، ولم يكن المالكي رقما لافتا كان واحدا من جمع أنيطت به مسؤولية تزكية اللاجئين العراقيين من معارضي النظام السابق وتسهيل عملية حصولهم على جوازات مزورة


الطاغية الديمقراطي


غير أن سيرة الرجل مشردا بين طهران ودمشق شيء وسيرته حاكما في بغداد شيء آخر. “ما ننطيها” باللهجة العراقية تعني بالفصحى “لا نعطيها” أما الضمير المتصل فيعود إلى السلطة. جملته التي ذهبت مثلا لتؤكد رغبته العميقة في الاستئثار بالسلطة بغض النظر عن الثمن الذي يمكن أن يُدفع وطنيا وإنسانيا وحتى أخلاقيا، هي واحدة من أهم مأثوراته.

لقد وصف بالطاغية من قبل معارضيه السياسيين ممن حملتهم عربة الاحتلال معه إلى العراق. غير أن المنشقين من حزب الدعوة وهم الأقرب إليه من الآخرين كانوا أكثر قسوة في وصف شخصيته. يصلح أن يوصف بالمستبد الريفي. حتى طائفيته فقد كان يشوبها الشيء الكثير من الانحياز الذي يبدأ بعائلته ليمر بمنطقته ولينتهي بحزبه. أما حين كشف عن تسلسل هوياته فقد قال “أنا شيعي أولا” وهو اعتراف لم يشعره بالحرج، بالرغم من أن الأطراف الشيعية الأخرى تعرف جيدا أنه أهمل عن عمد هويته الأولى كونه ابنا لحزب الدعوة.

وقد يكون مناسبا هنا أن نشير إلى أن المالكي الذي فضل أن يغادر إيران على أن ينخرط في الحرب إلى جانب القوات الإيرانية ضد قوات بلاده في ثمانينات القرن الماضي لم يكن قد اتخذ ذلك الموقف بناء على معارضته لفكرة الولاء لإيران. كان الرجل الذي يهوى حياكة المؤامرات والدسائس لا يجد في نفسه ميلا إلى المشاركة في قتال مباشر قد لا يؤدي إلى نتائج إيجابية.


هل كان لديه ما يفعله في دمشق


كانت المخابرات السورية قد استدرجت جميع المعارضين العراقيين إلى حظيرتها، ولم يكن المالكي رقما لافتا. كان واحدا من جمع أنيطت به مسؤولية تزكية اللاجئين العراقيين من معارضي النظام السابق وتسهيل عملية حصولهم على جوازات مزورة، من أجل إلحاقهم بقوافل العراقيين الذاهبين إلى بلدان اللجوء الأوروبي.

أما لماذا لم يغادر المالكي دمشق بجواز مزور وظل مقيما في حي السيدة زينب، باعتباره بائعا متجولا، فذلك واحد من أسراره. وهو ما يجعله اليوم منفردا بين أقرانه السياسيين، ومن ضمنهم أعضاء حزبه بكونه لا يتمتع بمواطنة أخرى غير العراقية. وهو ما دفع أحد الكتاب إلى الدعوة إلى عدم تضييق الخناق عليه من أجل أن لا يمارس نوعا من السلوك الانتحاري في نهاية حقبته الثانية. فالرجل لا يملك خيارات الهروب التي يملكها سواه من سياسيي العراق الجديد، وقد لا ترحب إيران بلجوئه وهو الذي لا يحمل جنسيتها مثل رفيق دربه علي الأديب.

تواطأ الجميع ومن ضمنهم الجعفري على دفن أسرار مرحلة كاملة وكان هناك توافق أميركي إيراني على صعود المالكي إلى المنصب الأول في السلطة التنفيذية في العراق

مشكلة المالكي الحقيقية تكمن في أن الرجل الذي بدأ حكمه بحرب أهلية حصدت عشرات الألوف من أرواح العراقيين لا يزال مقيما في لحظة حرب أهلية جديدة، يمكنها أن تشكل حلا يعفيه من استحقاقات خطيرة، صار عليه أن يواجهها.

لقد طفا الفساد في حقبته حتى بات العراق يقف في مقدمة لائحة الدول الفاسدة. وهو ما لم يكن أحد يتوقعه من رجل يدّعي الورع ومخافة الله.


أوضاع الشيعة في عهد المالكي

وإذا ما استثنينا سنّة العراق من المعادلة وفق الطريقة التي يفكر فيها المالكي، فلابد أن نقر أن شيعة العراق ما زال الجزء الأعظم منهم فريسة للفقر والبطالة والجهل والمرض وغياب الخدمات، وكان المالكي وقد استبد به هوى السلطة مزدوجا في رؤيته الطائفية.

لقد كان مصرا على استعمال فقراء الشيعة في حرب مفتوحة يشنها على بقايا بني أمية. فكانت صرخته واضحة المغزى يوم وصف خيام المعتصمين غرب العراق بأنها خيام يزيد. ولأن لقب (مختار العصر) قد وجد له هوى في نفسه فقد شاء أن يرفع عقيرته بالنداء “الدم بالدم” كما لو أنه يستعد لتمثيل مسلسل تاريخي. غير أن ما أهمله أنه يقاتل بجيش من الفقراء، الذين لا يزال الكثير منهم يقبع تحت خط الفقر. وهو ما انتهى به إلى الهزيمة.

المالكي الذي لم تظهره صورة واحدة مبتسما، كان عنوانا لحقبة مغبرّة، سيكون على العراقيين أن يدفعوا ثمن أخطائها، لا لشيء إلا لأنهم بصموا بأصابعهم البنفسجية على أوراق أتيحت لرجل عاش عمره كله في السراديب وفرصة أن يطمرهم بغبار تلك السراديب.

7