نور الشريف نجم سينمائي لعب جميع أدوار الحدوتة المصرية

السبت 2015/06/13
نور الشريف الذي لم يتأخر يوما عن "توقيت القاهرة"

خرج علينا عاريا كاسرا كل قيود السينما العربية، فكان هذا المشهد في “البيبي دول” “ضربة معلم”، ولم يخفِّ نفسه في “جلباب أبيه”، فأصبح “أقوى الرجال” وأخذنا إلى عالم “ناجي العلي” و”الظاهر بيبرس”، فضح “الصعاليك” وعشنا معه “ليلة ساخنة” وعرفنا “العار”، إنه “الصرخة” في السينما المصرية، نور الشريف.

كان بمثابة الماركة المسجلة في الدراما العربية الرمضانية، قبل أن يختفي فجأة عن الشاشة الصغيرة، ولكن غيابه لم يمر مرور الكرام، حيث توقع الكثير من محبيه أن ثمة سبباً كبيراً منع النجم عن لقائهم الذي ينتظرونه في الماراثون الرمضاني كل عام.

في مواجهة المرض

التساؤلات كثرت، والشائعات أيضاً، فالبعض كتب أن الشريف سافر في رحلة علاجية مع ابنته سارة التي كانت تعاني من فيروس نادر، ليتبين لاحقا أن رحلة سارة مع المرض كانت قد انتهت قبل أن يقدم نور مسلسله “خلف الله”، ودار في الإعلام حينها أن نور الشريف يبحث عن منتج لمسلسله الجديد، وأن اختفاءه كان بسبب عدم العثور على ذلك المنتج.

ولكن الحقيقة التي كشف عنها مقربون من نور الشريف في ذلك الوقت، هي أنه يعاني من مرض لم يكشف حينها عن حقيقته، حتى كان الظهور الأول لنور الشريف في لقاء تلفزيوني بدا فيه حزينا جداً، مفصحاً عن مرضه، قائلا إنه كان يعاني من وجود ماء على الرئة، وقام بإجراء العملية وانتهى الأمر عند هذا الحد.

نور الذي رآه جمهوره، نحيلا بعد أن فقد الكثير من وزنه، تمنوا ألا يكون وضعه أكثر خطورة مما حاول أن يوحي، من بعدها انتهى الحديث عن مرض نور الشريف، كأيّ خبر يبدأ كبيرا ثم يقل اهتمام الناس به، وخصوصا في الظروف الصعبة التي مرت وتمر بها مصر.

دخل نور الشريف تصوير فيلمه “بتوقيت القاهرة” بعد غياب ست سنوات عن السينما، حيث كان آخر أعماله فيلم “مسجون ترانزيت” مع النجم الشاب أحمد عز، وقدم فيلمه الجديد مع أصدقاء عمره ميرفت أمين وسمير صبري، وتولّى عملية الإخراج المخرج الشاب أمير رمسيس، وعرض الفيلم وشارك في مهرجان الأقصر وحصل نور الشريف على جائزة عنه، ثم اختفى من جديد.

فيلم "المصير" الحائز على العديد من الجوائز الدولية، والذي قام بإخراجه المبدع الراحل يوسف شاهين، يقوم على بطولة نور الشريف المطلقة حين قام بتجسيده شخصية الفيلسوف العربي ابن رشد الذي كان قاضي قضاة قرطبة

الفيلم تحدث عنه نور الشريف كثيرا في مقابلاته التلفزيونية والصحفية ووصفه بأنه من الأفلام المهمة جدا في مسيرته الفنية ويقدم فيه شخصية متميزة يقول عنها “ربما من الأشياء التي جذبتني أيضا للفيلم اسم الشخصية يحيى شكري مراد، وهو نفس الاسم الذي قدمت به شخصية يوسف شاهين في فيلم “حدوتة مصرية”، لكن التجربة هنا اختلفت، حيث أجسد شخصية رجل يعاني مرض الزهايمر، ولديه ابن متزمت دينيا، وابنة تحب والدها وتتحمل مرضه، الشخصية تحمل حسا إنسانيا كبيرا، فهذا الرجل رغم مرضه لديه حلم أن يقابل إنسانة في حياته، ومع تطور مرضه نسي من تكون تلك المرأة أو اسمها، ليتجه إلى البحث عنها في شوارع القاهرة، آملا في لقائها، العمل ككل يرصد جزءا من التغيير الذي طرأ في سلوك البشر قبل ثورة 25 يناير، ويرسم بداية سيطرة التيار الديني على الإعلام والشارع”. لكن سرعان ما عاد نور الشريف إلى الاختفاء من جديد، ليتبين لاحقا أنه سافر إلى لندن بعد مروره بأزمة صحية جديدة.

جابر يدخل قصر الشوق

نور الشريف والذي كان اسمه الحقيقي “محمد جابر محمد عبدالله”، هو من مواليد عام 1946 نشأ في حي السيدة زينب بالقاهرة، وحصل على دبلوم من المعهد العالي للفنون المسرحية بتقدير امتياز وكان الأول على دفعته عام 1967، وكان قد بدأ مشواره الفني منذ طفولته من خلال مشاركته في فرقة المدرسة المسرحية، حيث وقف على خشبة المسرح لأول مرة في حياته وهو طالب بالسنة الأولى من المرحلة الإعدادية، عندما التحق بمعهد الفنون المسرحية رشحه المخرج الراحل “نبيل الألفي” لتمثيل دور “روميو” في رائعة شكسبير “روميو وجوليت” بشعبة المسرح العالمي التابع للتلفزيون وقتها، كما تعرف على المخرج “سعد أردش” الذي أسند إليه دورا صغيرا في مسرحية “الشوارع الخلفية”.

الممثل والمخرج

عادل إمام كان له فضل على الشريف حين قدمه للمخرج حسن الإمام الذي أظهره في فيلم “قصر الشوق” ومنه كانت انطلاقته الاحترافية ليتألق بعدها بعدة أدوار متميزة في السينما والتلفزيون

عادل إمام كان له فضل على الشريف حين قدمه للمخرج حسن الإمام الذي أظهره في فيلم “قصر الشوق” ومنه كانت انطلاقته الاحترافية ليتألق بعدها بعدة أدوار متميزة في السينما والتلفزيون، استطاع في فترة قصيرة أن يحصد نجاحا كبيرا ويضع نفسه في الصفوف الأولى بين نجوم الفن العربي، نال الشريف خلال مشواره الفني العديد من الجوائز والأوسمة حيث حصل على جائزة أحسن ممثل عن دوره في فيلم “ليلة ساخنة”، وجائزة مهرجان “نيودلهي” عن فيلم “سواق الأتوبيس”، كما حصل على أربع جوائز عن فيلم “يا رب توبة”، وجائزتين عن فيلم “الشيطان يعظ”، وثلاث جوائز عن فيلم “قطة على نار” من جمعية كتاب ونقاد السينما وجمعية الفيلم، وغيرها من الجوائز العربية والعالمية الكثيرة.

حياة نور الشريف الفنية غنية جداً بالأعمال المتنوعة ما بين المسرح والتلفزيون والسينما، والتي يزيد عددها عن 244 عملا فنيا لم تقتصر على التمثيل فقط، حيث قام نور بإخراج عملين فنيين هما: مسرحية “محاكمة الكاهن” وذلك عام 1994، أما العمل الآخر فكان فيلما سينمائيا بعنوان “العاشقان” عام 2001.

نور الشريف الذي تقاضى مبلغ 150 جنيهاً مصرياً عن أول عقد وقعه في حياته، دخل مضمار الإنتاج السنيمائي من خلال مشاركته بإنتاج لستة أفلام كانت جميعها من بطولته تمثيلا، كان أولها فيلم “الخوف” عام 1972، وبعدها بعام واحد أنتج وشارك أيضا ببطولة فيلم “مدينة الصمت” إلى جانب ملكة الاستعراض الأولى حينها “نيللي”، مرورا بأفلام “دائرة الانتقام، قطة على النار، ضربة شمس” وصولا لآخر فيلم شارك بإنتاجه وهو فيلم “حبيبي دائما” عام 1980 الذي شاركته في بطولته زوجته الفنانة المصرية بوسي.

وكان من أبرز أعمال نور الشريف السينمائية فيلم “المصير” الفيلم الحائز على العديد من الجوائز، والذي قام بإخراجه المبدع الراحل يوسف شاهين، وقام الشريف بدور البطولة بتجسيده شخصية الفيلسوف العربي ابن رشد الذي كان قاضي قضاة قرطبة، ويصور الصراع الذي دار بين التوجه الفكري المتمثل بابن رشد الذي ينادي بالاجتهاد وبين التوجه الفكري المتمثل بالشيخ رياض الذي يدعو إلى التمثل بالسلف، ينتهي هذا الصراع بإحراق كتب ابن رشد، الفيلم كان بمثابة ثورة في عالم السينما المصرية.

شارك نور في الكثير من الأعمال السينمائية منها “كتيبة الإعدام”، “الكرنك”، “عمارة يعقوبيان”، “سواق الأتوبيس”، “ليلة ساخنة”، “ناجي العلي”، “الحفيد”، “أولى ثانوي”، “السكرية”، “قصر الشوق”، “العار”، “زمن حاتم زهران”، “أهل القمة”، “دم الغزال”، “دماء على الأسفلت”، “غريب في بيتي”، “مدرسة المشاغبين”، “ليلة البيبي دول” وغيرها الكثير.

كما قدم العديد من الأعمال التلفزيونية المتميزة منها “رجل الأقدار”، “العطار والسبع بنات”، “حضرة المتهم أبي”، “الدالي”، “الرحايا”، كما برع في تجسيد السير الذاتية في الدراما العربية مثل تجسيده لشخصيات تاريخية أمثال “عمرو بن العاص”، “هارون الرشيد”، “عمر بن عبد العزيز”. ليحفر اسمه في كلاسيكيات الدراما العربية عندما قدم “الحرافيش”، “لن أعيش في جلباب أبي” و”عائلة الحاج متولي”.

نور الشريف والإسلاميون

أجره الأول لم يتجاوز 150 جنيها مصري عن أول عقد وقعه في حياته، ليدخل مضمار الإنتاج السنيمائي من خلال مشاركته بإنتاج ستة أفلام كانت جميعها من بطولته تمثيلا، أولها فيلم "الخوف" عام 1972، وبعدها بعام واحد أنتج وشارك ببطولة فيلم "مدينة الصمت" الى جانب ملكة الاستعراض الأولى حينها "نيللي"

نور الشريف تنبأ بالكثير للإخوان المسلمين عقب الثورة المصرية التي أطاحت بحسني مبارك، وكانت توقعاته صائبة، ففي لقاء صحفي بتاريخ 17102011 قال إن موضوع التخويف من الإسلاميين لم يعد ذا جدوى في مصر، مضيفا أنه لا يخشى حكم الإسلاميين في مصر، وأن الشعب المصري إذا لم تعجبه تجربة الإسلاميين في الحكم فإنه قادر على قول ذلك لهم في أيّ وقت، وعن الحق بانتقاد الآخر قال الشريف “لنجب على سؤال أول مرتبط بالهدف من قيام هذه الثورة في الأصل أليس من أجل الحرية والديمقراطية؟ والحرية والديمقراطية تتيح لمختلف التيارات الفكرية والأيديولوجية أن تعبر عن رأيها، ولو رجعتم إلى تصريحات سابقة لي فقد تمنيت أن تقوم الأحزاب السياسية بإنتاج أفلام تعبر عن وجهات نظرها السياسية حتى يكون هناك تنوع سينمائي ويعكس تنوعا في الأفكار والمكونات المجتمعية، فحزب الوفد مثلا لا يحب جمال عبدالناصر وبالتالي فمن حقهم إنتاج فيلم ينتقدون من خلاله سياسة جمال عبدالناصر بموضوعية وليس بالتشويه، والمصريون من حقهم أن ينتقدوا حزب الوفد مثلا والإسلاميون من حقهم عرض وجهة نظرهم فنيا وسينمائيا”.

تعرض نور الشريف بسبب مواقفه الجريئة للعديد من الشائعات التي كادت تطيح بنجوميته وشهرته لولا الثقة التي يحظى بها من الجماهير واحترامهم له، حيث زعمت صحيفة البلاغ المصرية أنه تم إلقاء القبض عليه ضمن شبكة منحرفة، إلا أن الشريف تقدم ببلاغ للنائب العام اتهم فيه الصحيفة بسبه وقذفه، كما سرت شائعة بالوسط الفني في أعقاب طلاقه من بوسي، عن أن سبب الطلاق يرجع إلى اكتشاف بوسي علاقة سرية تربط نور الشريف بالممثلة التونسية ساندي التي نفت تلك الشائعات بنفسها، بوسي التي جمعتها علاقة حب وزاوج دامت أكثر من 30 عاماً انتهت في العام 2006، ورغم انفصالهما كزوجين إلا أنهما كانا دائما ما يتحدثان عن بعضهما بكل حب واحترام، كما أن بوسي ساندت نور منذ تعرضه للمرض، ورافقته في رحلة علاجه الأخيرة هي وابنتاهما مي وسارة.

ولكن المفاجأة الكبرى التي فجرها مأذون الفنانين أحمد عبدالحكيم الذي أعلن عن عودة نور الشريف إلى طليقته بوسي بعد 9 سنوات من الانفصال، وكشف خلال مقابلة تلفزيونية أجريت معه، أنه وقع عقد زواج الشريف وبوسي يوم 14 من شهر يناير العام الجاري 2015 عقب احتفالهما بخطبة ابنتهما الكبرى سارة التي شهد عريسها على عقد قران والديها.

حياة نور الشريف تتجدّد بعد تعافيه من المرض، وعودته إلى رفيقة عمره، مع مشاريع كثيرة لا يمل ولا يكلّ النجم الكبير الذي أدى دور الفنان “ناجي العلي” في فيلم عن حياته، ملتزماً برؤيته الوطنية والإنسانية العامة التي تحترم الفن والإنسان في كل مكان.

14