"نور" رواية عن المرأة العربية في المعتقل الكبير

“الإنسان سؤال لا إجابة. وكلُ وجود إنساني احتشدت فيه الإجابات فهو وجود ميت. وما الأسئلة إلا روحُ الوجود. بالسؤال بدأت المعرفة وبه عرف الإنسان هويته. الإجابةُ حاضرٌ يحاصر الكائن، والسؤالُ جناحٌ يحلق بالإنسان إلى الأفق الأعلى من كيانه المحسوس″، بهذا التحريض على السؤال كتب الروائي والمفكر المصري يوسف زيدان روايته الأولى “ظل الأفعى” ليظل السؤال هو هاجسه الأول والأهم في أعماله الروائية، فهو لا يكف عن طرح تساؤلاته الفكرية في أعماله التالية لعمله الأول سواء كان ذلك في “عزازيل” التي حازت على جائزة البوكر عام 2009، أو في ما تلاها من أعمال روائية مثل “النبطي”، وثلاثيته “محال”، “جونتنامو”، وأخيرا “نور”. “العرب” حاورت زيدان حول ثلاثيته الروائية وبالأخص الجزء الأخير منها “نور” الذي ألقى من خلالها الضوء على الكثير مما تعانيه المرأة في المجتمعات العربية.
السبت 2016/10/22
أنا لا أقدم نصوصا مغلقة

في ثلاثيته “محال”، “جونتنامو”، وأخيرا “نور”، يخوض زيدان نوعا مختلفا من التجريب عما سبق أن بدأه في أعماله السابقة التي غلب عليها الطابعان التاريخي والميثولوجي، ليُقدم قراءة فلسفية وفكرية في الواقع الراهن للإنسان العربي أو ربما تصويرا لحيرته وبؤسه وشعوره بالضياع.

بداية، تحدث زيدان عن ثلاثيته والأسباب الفنية والأدبية لاختياره شكل الثلاثية في الكتابة قائلا “الشكل الذي يتخذه العمل الأدبي هو إحدى الأدوات التي يلجأ إليها المؤلف كي يعطي نصا مناسبا لما يريد أن يقول، ليس هذا في الأعمال الروائية فحسب وإنما أيضا في سائر الأشكال الإبداعية والأعمال الأدبية”.

الروح الحائر

في “محال”، و”جونتنامو”، و”نور” لا توجد أجيال متعاقبة ولا توجد فترة زمنية ممتدة نضطر إلى تقسيمها إلى مراحل، كل ما في الأمر أن الرواية الأولى تحكي بلسان الراوي العليم عن الشخصيتين الرئيسيتين: الفتى والفتاة اللذين يمثلان الروح الحائر عند الإنسان العربي في مرحلة الشباب، فكان الهاجس الرئيس والفكرة المحورية للرواية الأولى التي يمكن أن تُقرأ منفردة أو في تكاملها مع الروايتين التاليتين: الضياع الذي يواجه الإنسان العربي في هذه الفترة الزمنية الممتدة من بداية التسعينات إلى وقتنا الحالي.

خطابٌ أنثوي مناهض

الأحداث الروائية في الرواية الأولى “محال” تدور في الفترة الممتدة ما بين بداية التسعينات إلى بداية الألفية الجديدة، وتركز على صلة الإنسان بالمكان والضياع الذي يواجه البطل ممثلا لشريحة كبيرة من الشباب العربي. أما الخطاب الأساسي في الرواية الثانية “جونتانمو” فمفاده أن الحبس يكون للأجسام إنما لا حدود للأرواح التي تُحبس، فالبطل يخوض تجربة الاعتقال وتمارس عليه الأفعال التي ارتبطت في أذهاننا بمعسكر غوانتانامو الشهير وتعامينا عن أن ما يحدث في معتقلاتنا أشد وأنكى.

كانت هذه أول صدمة على مستوى الوعي بالنص قبل كتابته والتجهيز له، ثم لاحظ زيدان أن معظم الذين خرجوا من معتقل غوانتانامو وعانوا من هذه التجربة البشعة عادوا إلى الحياة واندمجوا فيها وتجاوزوا هذه الفترة، وكان السؤال المُلِح هنا كيف يستطيع الإنسان أن يعبر تجربة مثل هذه؟ لا بد أن لديه طاقات معطلة تُستعمل في مثل هذه الظروف، طاقات ربما لا تسمح لها مجتمعاتنا بالتحرك مثل القدرة على الخيال وإعادة قراءة النصوص مثلما فعل البطل مع نصوص القرآن الذي كان يحفظه، لكنه خرج منه برؤى جديدة خلال تلك الفترة، الحلم الذي لا يمكن حبسه مهما كان طالما هناك وعي إنساني.

وعن طريق هذه القدرات استطاع هؤلاء أن يعبروا من أشد وأنكى التجارب التي يتعرض لها الناس في الكثير من الأحيان.

وكانت عند ضيفنا أسئلة أخرى قبل الكتابة، مثل كيف أستطيع أن أتمثل شعور البطل، وهذا عالجه بطريقته الخاصة عبر عملية انعزال تام طوال فترة الكتابة ومعايشة اللحظات التي يتعرض لها السجناء مثل لحظة التعرض للشمس ليستطيع أن يقترب من شعور البطل في الرواية، وكان هناك تحد آخر هو أن يكتب رواية على لسان البطل قد تُصنف ظاهريا على أنها من أدب السجون، لكنها في واقع الأمر نص يحتفي بالحرية الإنسانية وهذه مفارقة كبرى.

يستطرد زيدان في حديثه عن الجزء الأخير من الثلاثية قائلا “في الرواية الثالثة ‘نور‘ الفتاة التي عانت بشكل لا يقل عن معاناة الشاب في المعتقل، ولكنها في المعتقل الكبير، معتقل المعتقد والتقاليد الموروثة والإمكانيات المُهدرة وإشكالية العلاقة بين الإنسانية المؤنثة والسماء، وهذه الرواية قد تصنف ظاهريا على أنها نسوية لكنها في حقيقة الأمر رواية فلسفية لأنها تناقش الموضوعات الثلاثة الأساسية في الفلسفة وهي؛ الله والعالم والإنسان.

‘نور‘ كتابة فلسفية عن الفتاة نورا وأصداء هذه الموضوعات الفلسفية عليها، من هنا جاء شكل الثلاثية لأسباب فنية ولتكتمل الرؤية، فإن تمت قراءة الروايات منفصلة كان لكل منها خطابها الخاص وإن قرأت مكتملة من أي نقطة بدأنا منها ندخل إلى الدائرة التي تجمع الروايات الثلاث، الدائرة تنتهي حيث تبدأ وتبدأ حيث تنتهي فهي محيطة بتفاصيل حياتنا وإشارة أخرى إلى أننا جميعا داخل الدائرة”.

صلة الإنسان بالمكان والضياع

الأنوثة المستعبدة

في روايته الأخيرة “نور” خطابٌ أنثوي مناهض لكل ما تعانيه المرأة العربية من استعباد وقهر، فها هي نورا فتاة مثقفة حالمة تسعى للتحقق والتحرر وترفض استغلالها تحت أي مسمى، تعاني من قهر مجتمعي مستحقر للأنثى ومشته لها في الوقت ذاته، وهي في الرواية جزء من سلسلة أنثوية وضعها المؤلف في ثلاثة أجيال

لا تختلف كثيرا عن بعضها، بعضهن تأقلم مع النسيج المجتمعي وصرن جزءا منه، والأخريات سقطن في “اللامعيارية” أو اخترن “الهجرة”. وهنا يقول زيدان “الأجيال الثلاثة النسائية ليست منفصلة، فلم أتحدث عن جيل مستقل عن آخر، وإنما التفاعل جار اجتماعيا وبالتالي فكريا وإنسانيا، عندما تتفاعل هذه الأجيال معا تنتج صورة إنسانية وبالتالي تعكس حال الإنسان في جانبه الأنثوي وتفصح عن دقائق علاقته بالعالم وبالآخر وبالسماء”.

نسأل ضيفنا هل سيرى الجيل الثالث من النساء ممثلا في الطفلة نور بصيصا من النور في المستقبل؟ ليجيب زيدان “الشواهد الواردة في الجزء الأخير من الرواية تدل على أن المرأة حتى ذلك الحين استطاعت أن تكسب رهانها على ذاتها وذلك في حدود العام 2010 وقبله بقليل، ما جرى بعد ذلك هو قصة أخرى، لكن قصتها تفسر الكثير مما نحن فيه الآن، ولا نستطيع أن نفهم ما نعيشه الآن إلا إذا رجعنا لنرى ما جرى في العشرين سنة الأخيرة بقراءة الوقائع والغوص في دلالاتها الخفية.

رؤى القارئ

في رواية ‘نور‘ الأنوثة المتآمر عليها والمراد القضاء عليها واشتهائها في ذات الوقت، فهي المُستعبَدة المطلوبة. المستبعدَة المخشي منها. المشتهاة والمسجونة، هذه التناقضات تحملها المرأة العربية وتسير بها في زماننا هذا الرديء، الذي لا هو يتحرر فينطلق ولا هو يموت فيستريح”.

النهايات المفتوحة خيارٌ مُفضّل بالنسبة إلى يوسف زيدان في أعماله الروائية، فهو قليلا ما يضع نهاية محددة لنصه، إذ تحمل النهايات عنده الكثيرا من الرؤى التأويلية. في “نور” تجد البطلة ثلاثة اتصالات فائتة على هاتفها وتفكر في من ستعاود الاتصال، هل تلك الاتصالات أو الخيارات المطروحة أمام نورا في نهاية الرواية هي ذاتها الخيارات التي نحن بصددها الآن في العالم العربي، النكوص نحو تيارات ظلامية تحبس العقل العربي في سجون الماضي أو الانزلاق نحو الحداثة بالاقتلاع الكامل من الجذور العربية أو خيار ثالث غير مذكور وربما هو الأفضل؟ يجيب زيدان “هذه كلها رؤى القراء، وهي جزء من هدفي في إشراك القارئ في النص وإفساح المجال له لأن يضفي من ذاته الواعية فيكتمل النص بداخله فأنا لا أُقدِم نصوصا مغلقة، أقدم تساؤلات كبرى بلغة أجتهد لأن تأتي على مستوى من النصوع لتنفض الغبار عن اللغة التي نتداولها اليوم وحالها المتردي، وغرض أهم من ذلك كله هو الكشف عن جوهر الإنسان، فكان جزء من التكنيك الروائي هو إشراك القارئ في الأمر، هو ليس محايدا ولكنه جزء من النص يتفاعل معه في رؤاه ويتشارك في وضع نهايته”.

لا حدود للأرواح التي تُحبس

في رواية “نور” نحتٌ لتفاصيل دقيقة في حياة الأنثى وغوص عميق في مشاعرها وأفكارها، وهي في باطنها رواية نسوية تتفوق على الكثير من الكتابات النسوية النسائية، ويشير زيدان إلى أنه عانى كثيرا في كتابة الرواية ولذلك تأخرت، فعادة ما تستغرق كتابة الرواية منه شهورا في حدود العشرة أو السنة، لكن “نور” استغرقت كتابتها عامين كاملين، لأنه ليس من السهل التعبير بلغة أنثوية عن مشاعر الأنثى خاصة أنها ليست مشاعر فتاة بسيطة كما هو الحال في رواية “النبطي”، ولكنها فتاة مثقفة وواعية بشكل عميق بما يجري حولها، وبالتالي كانت لغة الرواية تمثل صعوبة عالية اقتضت أن يعيد الكتابة أكثر من مرة، وعمل اختبارات قراءة متعددة، مضيفا “مثلا المشهد الخاص بواقعة اغتصاب صديقتها أمل كتبته أكثر من عشر مرات وكنت كلما انتهيت من كتابته أقرأه على فتاة ثم امرأة ناضجة ثم رجل لأتأمل انعكاس النص على مرآتهم، فإن لم أجده يمس أعماق السامع أتركه وأعيد كتابته من جديد هادفا للوصول باللغة إلى القدر الذي تستطيع معه التعبير عن هذه اللحظة المريعة التي قد يكتفي الناس بإدانتها على نحو إجمالي، لكن لا يستشعرون مقدار القبح فيها. هذا عبء على اللغة وعلى التأليف للوصول بالمشهد إلى المستوى الذي ينعكس فيه بقوة على مرآة القارئ”.

النبرة السياسية

في الجزأين الأول والثاني من الثلاثية تعالت النبرة السياسية بشكل واضح، تعرض فيها المؤلف للكثير من القضايا السياسية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، لتتقلص المساحة الممنوحة لذلك الشأن في الجزء الأخير “نور”، وهنا يوضح زيدان أن الأحوال السياسية الجارية لن تفسرها السياسة وإنما تفسرها على نحو أدق الحالة الإنسانية العامة المتجلية في رواية نور، فالعبرة ليست بالمساحة التي نعطيها للهم السياسي، ففي صفحتين أو ثلاث فقط في نهايات رواية “نور” مفتاح لفهم ما لا حصر له من وقائع سياسية كانت تجري أو جرت بعد ذلك، ولا يمكن فهمها إلا انطلاقا من حوارها الأخير المُطوّل مع حبيبها الأول.

ويضيف “لم أهاجم قط الثورات العربية في الثلاثية أو غيرها. الثورات العربية انطلقت من ظروف موضوعية فكانت شرارتها الأولى منطقية ومبررة تماما، ولكن سرعان ما تدخل في المشهد أصحاب المصالح من الداخل والخارج، وتصارعت المصالح الخفية في معظمها فخرجت الثورة عن مفهوم الحركة الاجتماعية إلى ما انتهى إليه الحال في البلاد العربية التي ثارت ودفعت الثمن باهظا لتزداد الشعوب العربية خضوعا ويصبح على المواطن أن يقبل ما هو فيه وإلا فالنتيجة كما رأينا في البلاد التي انهارت، فإذا بالبلاد التي ثارت تعاني بعد الثورات من قهر أنكى وأشد”.

يوضح زيدان في ختام حديثه أنه يسعى من خلال الكتابة إلى الارتقاء باللغة والوعي العام. هذا النوع من الكتابة التي يسعى إليها هو أحد تجليات الثورة الثقافية التي كتب عنها في مقالاته، مفسرا “الثورة رغم أنها لا يقوم بها شخص واحد، إلا أنها يدعو لها شخص واحد، قد تنجح دعوته وقد يتم وأدها، قد يلتقط الناس منه الخيط وقد تنقطع عنهم السبل، لكنني أقوم بدوري.. أقول كلمتي وأمضي مثلما فعل الأوائل”.

15