نوستالجيا تتجاوز الواقع نحو أفق سريالي

الفنان المصري عزالدين نجيب العزف يستدعي تفاصيل منسيّة من حياة بسيطة غيّبتها وتيرة الحياة المتسارعة في معرض "العيش والحلم".
الخميس 2018/03/15
المرأة كائن عامل

القاهرة – في معرض “العيْش والحُلم” المقام حاليا بدار الأوبرا المصرية يواصل الفنان المصري عزالدين نجيب العزف على أوتاره الأثيرة وأيقوناته المُفضّلة، يستدعي تفاصيل منسيّة من حياة بسيطة غيّبتها وتيرة الحياة المتسارعة، تحضر الملامح الإنسانية في اللوحات بتحدّ لإثبات القدرة على المقاومة ومواجهة شظف العيش، يتحمّل الإنسان فيها عبء القدر المُولّد لنسخ مُتجدّدة من سيزيف، يحمل الصخور على أكتافه ويمضي متطلعا نحو أفق أكثر رحابة وجمالا، مُحمّلا برغبات في تجاوز الآني بهمومه ومشكلاته.
وتدور الحياة في هذه الأعمال بين قُطبين جدليين؛ ما بين الاستمتاع بمباهج الحياة والحلم بتجاوز الواقع المفروض، يحضر العيْش بجانبيه الإيجابي والسلبي، تتمثل أهمية الحياة وقيمتها في القدرة على التجاوز وتحدي الصعوبات، ويكون الحلم آنذاك هو مخرج الإنسان لمواصلة التحدي وتحقيق ما يتمناه خارج إطار الواقع الملموس والمادي.
والخيال هو المساحة الحرة للإنسان الحر يخرج فيها من أسر القيود المفروضة عليه ومن خلاله يمكن أن يعيش من جديد حياة مختلفة، وعبره تُبنى الحضارات حتى لو كان مرتبطا بالعقيدة والمقدّس أو الأسطورة، فهو وسيلة الإنسان للخلاص من قيود الواقع.
يُبيّن عزالدين نجيب في حديثه مع “العرب” أن ثمّة رغبة ألحت عليه لمعالجة الجدلية السابقة من خلال معرضه المُعنون بـ“العيْش والحُلم”، ومن ثم كان استخدامه للألوان الساخنة مبرَرا في سياق فكرته المتناثرة عبر اللوحات، فدرجات اللون الأزرق جاءت تعبيرا عن فضاء الحلم والخيال، فيما استخدم درجات الأصفر والبرتقالي للإشارة إلى وهج ودفء الحياة في أحضان الطبيعة.

 

"الأسرار الأكثر عمقا تسكن الأشياء الطبيعية الأكثر بساطة" قد تكون هذه العبارة للفيلسوف الألماني فيورباخ مدخلا مناسبا لقراءة وتذوّق لوحات الفنان التشكيلي والناقد المصري عزالدين نجيب في معرضه الأخير الذي اختار له عنوان "العيْش والحُلم" والمُقام حاليا بدار الأوبرا المصرية في الفترة من 13 إلى 24 مارس الجاري

 ويقول “التجربة اللونية للفنان جزء من خبرته في معالجة موضوعاته الفنية، لكنها لا تكون متعمّدة، فلا يتعمّد الفنان اختيار ألوان ساخنة أو باردة، وإنما الحالة النوعية له هي التي تفرض عليه اختياره للألوان، وهنا في هذا المعرض جاءت حالة الإشراق اللوني نتاج حالة تعبيرية رمزية عن الحياة والحلم”.
ويُقدّم نجيب من خلال لوحاته صورة متكاملة عن الحياة، من خلال تفاصيل عابرة يُعيد صياغة رؤيته الخاصة نحو مكامن الجمال التي ربما قد تكون غائبة عن الواقع الفعلي بشكل كبير، لكنها حاضرة في ذاكرة الفنان في نوستالجيا أبدية لا تغادره.
وفي لوحة “وجبة الإفطار” التي ترتكّز بصريا على قِدور فول على إحدى عربات الشارع تعكس في بساطتها ووضوحها حنين لتفاصيل يغيب الإحساس حاليا بروعة ارتباطها بالحياة المصرية، وهو ما يظهر أيضا في لوحات مثل “دورة الخبز”.
وثمّة حضور خاص وقوي للمرأة في معرض التشكيلي عزالدين نجيب التي يأتي حضورها هنا في لوحاته كصانعة للحياة وحاملة لهمومها ومسرّاتها وكرمز للكفاح والتحدي.. المرأة هي نقطة البداية في الحياة أيضا حسبما يصوّرها نجيب في لوحات “حلم الوليد” و”البداية”.
وفي أربع لوحات بعنوان “دورة الخبز” يظهر تركيز بصري على مجموعة من النساء أثناء مراحل إعداد الخبز في رؤية مُغلّفة ببساطة الحياة الريفية، وفي “صانعة السلال” و“صانعة الفخار” تحضر المرأة لتحافظ على الحرف اليدوية من الاندثار في فضاء بصريّ يقتصر على الفخار أو السلال بحضور المرأة الصانعة.
وعلى الجانب الآخر المُمثّل في “الحُلم” ثمة فضاءات من الخيال والميتافيزيقيا أحيانا، ارتكن الفنان إلى تجسيدها عبر حضور أنثوي لافت من خلال لوحات مثل “فرس السندباد” و“القرين” و“الطير المسافر”، كما أن التطلّع إلى الحرية جاء من خلال تجسيدات أنثوية في أكثر من لوحة كما في “انطلاق” و”حلم العاشقين”.
ويلفت نجيب إلى أنه دائما ما ينحاز إلى المرأة في أعماله وفي معارضه الخاصة التي تجاوزت الثلاثين، فكثيرا ما يمنح دور البطولة للمرأة في لوحاته للتعبير عن أفكاره ومشاعره.
بدأ عزالدين نجيب التفكير في المعرض منذ عامين، حسبما يشير في حديثه لـ”العرب”، إلاّ أنه منذ عام بدأت فكرته في السيطرة عليه، بعدما واجه صعوبات في إطلاق شرار المعنى والبحث عن فكرة إثر مناخ عام غير مشجع على إنتاج أفكار تتجاوز ما هو مُستهلك، إلاّ أنه خشي أن يعتبره البعض يمارس نوعا من الاجترنار لما قدّمه من قبل أو عدم القدرة على تفهم الرؤية الجديدة في معرضه الحالي التي قد تعتمد على أفكار قديمة، لكن تناولها جاء مختلفا.

أحاديث جانبية برؤى نسوية
أحاديث جانبية برؤى نسوية 

وعلى امتداد مشواره الفني، حرص نجيب على الاهتمام بالمأثورات الشعبية والبيئة المصرية التي وجدت مكانة واضحة لها في هذا المعرض من خلال لوحات مثل “معصرة الزيتون” و“الصوامع الفارغة” و“العيش في بطن الجبل” و“العودة من النبع”.
ويفسر الفنان ذلك الاهتمام برغبته في استدعاء ملامح واقعية من زمن ماضي معروف في القرية والبيئات الطبيعية التي زارها في مصر من أسوان وحتى رشيد، وجاء الاستدعاء أقرب هنا إلى حالة النوستالجيا وليس الإعادة أو التشخيص المباشر، ففيها يجد المعاني المفقودة وملامح من رحلة عمر طويلة.. نوستالجيا جعلته ينظر إلى الواقع نظرة تتجاوزه لتطرح رؤية خاصة عنه بشكل أقرب من الحلم.
ولم ينقطع اهتمـام نجيـب بالبيئة المصرية، وفي إطـار رؤيته الفنية للمأثورات يحتفي الفنان في أعماله دوما بعدد مـن الأيقونات، وفي هذا المعرض يحضـر الخيل والشمس والقمر كعناصر ساهمت في إضفاء حيوية على اللوحات المحتفية بجمال الحياة ورهاناتها، ففي “صهيل” لوحة مفعمة بالحـركة لثـلاثـة من الخيول تتطلع نحـو الأفق الواسع، وفي “الشمس والجذور” استخدام جريء لألوان ساخنة في مقابلة بين رغبة الانعتاق وتجاوز الواقع والجذور الراسخة.
ويُشبِّه نجيب رحلته تلك بنهر يحمل معه عناصر من المخزون التاريخي للحضارة المصرية والعادات والتقاليد والرموز والغيبيات والحلم والسحر، وهو ما يتبدى من خلال اهتمامه بالتراث الحرفي أيضا الذي أنفق ما يقرب من ربع قرن في رعايته من خلال جمعية “أصالة” لرعاية الفنون التراثية والمعاصرة.
وعزالدين نجيب فنان ينتمي إلى جيل الستينات من القرن الماضي، رفد الساحة التشكيلية المصرية بالكثير من الأعمال الفنية المتميزة المُعبرة عن شخصية مصرية فريدة لم تُقتلع من جذورها ولم تُغادر بيئتها. ورغم عصف العديد من التيارات من حوله ظل متمسكا بقناعاته الفكرية والفنية عن ذلك الفن المصري الأصيل الذي هو ضرورة لإنتاج أعمال لا تغترب عن واقعها وإن كانت لا تقدّمه بصورة تشخيصية مباشرة.

16