نوستالجيا شكلية تفقد "ليالينا 80" بوصلته الدرامية

مباراة فنية بين إياد نصار وخالد الصاوي تاهت وسط حبكة مفقودة.
الجمعة 2020/05/15
تشويق مفقود وأداء متذبذب

يعد المسلسل المصري “ليالينا 80” تطبيقا عمليا لفكرة الحنين إلى الماضي “النوستالجيا” التي تجتاح دولا كثيرة، ومع أنه جاء احتفاءً بالحكايات الاجتماعية، غير أن بوصلته بدت مفقودة، حيث ترك هدفه الأساسي في التعبير عن الطبقة المتوسطة ومشكلاتها في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، وانغمس في الإبهار البصري، وتقديم سمات شكلية لمرحلة تاريخية دون أن يتعمّق في أحداثها وتداعياتها.

القاهرة – يمثل “ليالينا 80” استكمالا لدراما العقود المصرية التي أصبحت دارجة عند كتاب السيناريو خلال السنوات الخمس الأخيرة ليجسّد فترة زمنية معينة، ويكمّل الفجوات لأعمال سابقة تم تقديمها تعيد استنساخ التاريخ القريب، بداية من فترة الأربعينيات، وحتى الأحداث القريبة التي عاشها الجمهور الحالي مثل ثورة 25 يناير 2011 والحرب ضد الإرهاب.

يأتي المسلسل بعد سلسلة أعمال تدور في الفلك ذاته، مثل مسلسل “حواديت الشانزلزيه” الذي تناول حقبة الخمسينيات من منظور اجتماعي، و”أهو دا اللي صار” الذي يأخذ الجمهور في رحلة زمنية عمرها قرن تنتهي بالسبعينيات، و”ليالي أوجيني” الذي أعاد تقديم الحياة الثرية في الأربعينيات، وقبلها “حارة اليهود” و”جراند أوتيل” و”طريقي”، ليصبح كتاب الدراما أقرب إلى باحثي التاريخ المعنيين بتتبع الفترات غير المطروقة دراميا.

ويقدّم العمل طبخة شاملة، تحتوي على جرعة من السياسة على لمحة خفيفة من الصراع الطبقي، على مسحة غير ظاهرة من الرومانسية، مع توابل من الخلافات الزوجية، لكنها كلها لم تحقّق انطلاقة مستمرة للأحداث التي توقّفت تقريبا، ومضت في منحنى عرضي متذبذب دون قفزات تشويقية.

العمل يقدم طبخة شاملة، تحتوي على جرعة من السياسة على لمحة من الصراع الطبقي، على مسحة غير ظاهرة من الرومانسية

ويبدو العمل للوهلة الأولى سياسيا صرفا مع بداية الحلقة الأولى بمشهد اغتيال الرئيس الأسبق أنور السادات، والجدل الذي اعترى الشارع المصري في حينه حول طريقة تعامله مع الجماعات الإسلامية التي سمح لها بالخروج من الشقوق لمحاربة تيار اليسار، ففرضوا سطوتهم الفكرية على المجتمع، وانقلبوا عليه حتى جاءت نهايته.

انتظر الجمهور تناولا عميقا لانطلاقة الحلقة الأولى التي تتماشي مع اسم المسلسل لكنهم فوجئوا بتوقّف علاقته بالأحداث التاريخية السياسية، ليتحوّل بعدها إلى عمل شبه اجتماعي مليء بالحزن دون اقتراب من أحداث فترة شهدت معركة لتقليم أظافر التيارات الإسلامية، وتداعيات الانفتاح الاقتصادي العنيفة، والتي شكّلت طبقة من التجار حقّقت ثراء سريعا.

تحوّل مسلسل “ليالينا” من الحلقة الثانية إلى تتبّع قصة أسرتين أولهما “هشام” (الفنان إياد نصار) وزجته “مريم” (الفنانة غادة عادل)، وينتاب علاقتهما العاطفية فتورا سببه رحيل الزوج للعمل بالخارج لفترة طويلة، وعودته ليجد زوجته أضاعت مدخراته على شراء أمور يراها غير ضرورية، وأهملت تربية ابنتهما التي تخرج لأوقات متأخرة من المنزل.

وفي المقابل، توجد عائلة رقية (صابرين) زوجة شهيد الحرب الذي تركها مع حفنة من الأبناء لتكابد وحدها مصاعب الحياة، وتضطر للنزول إلى العمل في متجر للحلويات في سن متقدمة للإنفاق على أبنائها.

اشتباك عائلي

ينقل العمل الاشتباك بين العائلتين الذي سببّه حادث سيارة ضم سائق التاكسي راضي ابن رقية (الفنان محمد عادل) وجميلة ابنة هشام (الفنانة رنا رئيس) ما تسبّب في فقدان الأخيرة البصر وبتر قدم الأول، إلى صراع بينهما مع تبادل كل طرف التهم حول المتسبّب في الحادث، وكان يفترض أن يصبح محور العمل، لكن الأحداث بعدها تجاهلته، وعادت إلى نقطة الصفر وتتبّع سيرة كل عائلة بصورة منفصلة.

ويرجع تذبذب المسلسل الذي كتب قصته أحمد عبدالفتاح، إلى اعتماده في نسج النوستالجيا الحزينة لفترة الثمانينيات على المشكلات التي تلقّاها “بريد الجمعة” الشهير بجريدة الأهرام الذي كان يحرّره الكاتب الراحل عبدالوهاب مطاوع، ليصبح العمل مجرد تعقيب اجتماعي للفترة الزمنية دون الغوص بقوة في تفاصيلها ومنحها عمقا أكبر بالكشف عن مسبباتها.

ويقول بطل العمل إياد نصار، إنه ليس سياسيا صرفا، ويهدف إلى التركيز على تأثيرات وفاة الرئيس السادات مجتمعيا، ويرى المشاهدون الحياة في فترة معنية وكيف أصبحت منفصلة تماما عن الواقع، مع تناول أسباب غياب الطبقة الوسطى والنتائح التي أسفرت عن ذلك.

ماجدة موريس: العمل يعيد استثمار ظاهرة الحنين الجارف إلى الماضي
ماجدة موريس: العمل يعيد استثمار ظاهرة الحنين الجارف إلى الماضي

ويشير نقاد إلى أن تلك النقطة ضاعت بحشر مشهد اغتيال السادات التي لا تتناسب مع السياق الدرامي، وربما هدفها فقط التذكير بجرائم المتطرفين الإسلاميين المستمرة التي لم تنته، فالطبقة المتوسطة لم تكن معنية بالحادث، وكان الأولى البدء بالقرارات الاقتصادية أو انتقاضة الخبز في السبعينيات وما صاحبها من تظاهرات عارمة وأعمال شغب ضد الغلاء، لتكون الخلفية السياسية والاقتصادية متماشية مع السياق.

وتمثل النقطة الأساسية التي لا يحيد عنها العمل في انشغال الأسر بتحقيق الأمان الاقتصادي على حساب دورها في تربية الأبناء أو المساهمة في تثقيف المجتمع بوجه عام، فـ”هشام” يتحدّث عن بغضه العمل في الخارج ويريد الاستقرار لتربية ابنته، عكس زوجته التي ترى أنها لا تزال تحتاج الكثير من أساسيات حياتها، وأن البقاء يعني الحصول على راتب هزيل.

ويعتبر المسلسل الطمع هو السبب الرئيسي في تأزّم العلاقات العاطفية بين البشر وجنوحهم للخطأ، فهشام يضطرّ إلى خداع زوجته وإيهامها بسفره للخارج والزواج من أخرى لسدّ الفراغ العاطفي الذي يعانيه، والعمل في تجارة العملة للحصول منها على مكسب سريع، وزوجته مريم تشرع في إقامة علاقة عاطفية مع رئيسها في العمل الذي يحاول التقرّب منهم باستمرار.

يعاني “ليالينا 80” من آفة دارجة في غالبية الأعمال التي تدور في أزمنة سابقة تتعلق بغياب العمق في التناول، وجور الصورة الجميلة على المضمون، والتركيز على إظهار الصيغة الشكلية للفترة الزمنية عبر سياقاتها الفنية والحياتية، مثل مشهد صدور ألبوم محمد منير  “شبابك” عام 1980 الذي حقّق أعلى نسبة مبيعات في تاريخ الغناء وقتها، أو ظهور علبة “كوفرتينا” أشهر ماركة شوكولاته محلية خلال تلك الفترة الزمنية.

يفضل بعض المؤلفين الرجوع بعجلة الزمن للوراء بحثًا عن الأحداث الاجتماعية والسياسية الخصبة التي تمكنهم من القيام بإسقاطات فنية على الواقع وإدانته، أو ممارسة النقد الاجتماعي دون خوف من الوقوع تحت طائلة المساءلة أو التقريع من بعض أصحاب المصالح.

استثمار الحنين

وتقول الناقدة ماجدة موريس، إن المسلسل يعيد استثمار ظاهرة الحنين الجارف إلى الماضي والجماهيرية الكبيرة التي تصادفها ورغبة البشر في استعادة فترات زمنية سابقة بكل تفاصيلها من ناحية العادات والتقاليد والمشكلات، والمزايا والعيوب، واختلافها عن الحاضر مع المقارنات بين الأزياء وأنماط الحياة مع الواقع الذي يعيشونه.

ويلعب “ليالينا 80” على الحنين بصورة كاملة بطرح الأفيش الدعائي له مرسوما وملونا ومكتوبا يدويا بنفس طريقة الثمانينيات، وابتعد في مقدّمته الغنائية عن الأغاني السريعة وأعاد تقديم أغنية “ليالينا” للفنانة الجزائرية وردة بألحان معالجة من قبل الموسيقار المصري هاني مهنى، ليكمل موجات الشجن للفترة التي سبقت نهاية الأغاني الطويلة.

وتضيف موريس، لـ”العرب”، أن الرهان على الحنين في الدراما يحقّق النجاح دائما بشرط طريقة التناول والعرض والفكرة، فلا يعني كل قديم أنه مميز، وضربت المثل بنوعية الأعمال التي تتضمن جميع عناصر الحبكة وتحتل مرتبة متقدّمة ضمن الأفضل، مثل مسلسل “ذات” للفنانة نيللي كريم الذي تناول العلاقات الاجتماعية في عقود مختلفة في رحلة من الماضي حتى الزمن القريب لتمتزج النوستالجيا بالواقع.

ويضع نقاد مجموعة من الشروط التي يجب توافرها لتحقيق مسلسلات الأزمنة السابقة، أهمها السيناريو المحكم والإخراج الجيد والديكور والملابس المناسبة، ويفقد الإخلال بإحداها على حساب الأخرى العمل رونقه، فالجمهور يريد أحداثًا تدور في بيئة تتماشى مع الفترة الزمنية التي تدور فيها مع ممثلين يتحدّثون ويرتدون أزياء تناسبها أيضا ليشكّلوا في النهاية تصوّرات عقلية مُرضيّة حول العمل.

واهتم “ليالينا 80” كثيرا بالصورة الجيدة التي قدّمها المخرج أحمد صالح لملامح القاهره ورونقها فى فترة الثمانينات، حيث جال بالكاميرا في محلات وسط القاهرة الشهيرة، واستعاد موديلات السيارات القديمة وإعلانات الطرق الكلاسيكية، وملابس الممثلين والديكورات الخاصة بالمنازل، والصور المعلّقة داخلها التي سيطر عليها نجوم الأغاني الأجنبية .

وقد تكون أكبر مزايا العمل في المباراة لفريق الممثلين في مقدّتهم إياد نصار، رغم انحسار الكثير من مشاهده في خلافاته مع زوجته، لكنه جسّدها بطريقة تبعد الملل عن الجمهور، فحركة عينيه الصامتتين دون حوار أو الانفعالات القوية لحركات وجهه وتوظيف يديه في الحديث، جعلت الأداء مغايرا للمسلسلات التاريخية التي سبق له تقديمها.

ويجسّد خالد الصاوي أداءً لافتا للانتباه في دور أستاذ الفلسفة (جلال أرسطو) الذي فقد زوجته وابنته ويعاني من مشاكل نفسية، ويستحضر زوجته باستمرار في مشاهد رثاء وأجواء من الحوار الافتراضي دون افتعال، تتماشي مع رجل فقد أمله في الحياة، ويعاني هلوسات بصرية حادة وقدر كبير من الزهايمر، ويقع دائما في مشكلات بسبب خلطه بين الواقع والخيال.

ومع ذلك، لم ينجح العمل في استثمار التشويق الذي حقّقته مقاطعه الدعائية وارتباطه بقصة حياة جيل لا يزال حاضرا، وكان الأكثر تعرّضا لمؤامرات الزمن وتطوّراته ليشهدوا بأعينهم رحلة التطوّر التكنولوجي والمعلوماتي من الراديو الترانزستور وأشرطة الكاسيت التقليدية وأجهزة التلفاز التي لا تعرض سوى قناتين، إلى عصر الأقمار الصناعية المفتوحة ومئات القنوات الفضائية، والهواتف الذكية صغيرة الحجم.

17