نوشك أن نخسر الحرب على الإرهاب

الثلاثاء 2016/12/27

بلا شكّ، نوشك على أن نخسر الحرب على الإرهاب. نوشك على أن نخسرها حتى قبل أن نخوضها. بل واضح أنّنا لم نخضها بعد، أو على الأقل لم نخضها بالحدّ الأدنى من الحزم المطلوب. لا شيء يدلّ على أننا مستعدّون لخوضها كما ينبغي، سواء في الأجل المنظور أو على المدى المتوسط. أكثر من ذلك، لا نتحرّك حين ننهض للتحرّك إلاّ في الاتجاه المعاكس، حتى غدوْنا نرى الجمود أرحم لنا من الحراك المفضي إلى المزيد من الاندحار. كلما نوينا التقدم في إصلاح مناهج التعليم عموما، ومناهج التعليم الديني على وجه الخصوص، إلاّ وعَلَتْ أصوات الغلاة بيننا تحريضا وتجييشا وتهييجا، ثم ماذا نفعل؟ نرتعب وترتعد فرائصنا فنعاود إنتاج مناهج أسوأ من الأول، أملا في درء فتنة تبقى راقدة دوما تحت الرّماد، في انتظار ساعة صفر أخرى، أو في انتظار الصفر الأخير. بالأحرى نخوض المعركة بالمقلوب، ففي أتون الحرب التي يشنّها علينا الإرهاب التكفيري المعولم، لا تزال السلطات المحليّة تصرّ على نفس المنهاج: مسح الأرض من الثقافة والفكر والمعرفة والنقاش العمومي والإبداع، ولا تزال تتمادى في ترك المثقفين الذين يقاتلون “الجهل المقدّس” معزولين بلا زاد ولا مدد، ثم تنتظر في كل مرّة سقوط أحدهم برصاص غادر حتى تخيف المزعج بالمجرم، وتشغل المجرم بالمزعج، وهكذا دواليك. إنه أسلوب “الآداب السلطانية” التي ورثته عن تقاليد الخلافة العثمانية. لكنه أسلوب متقادم، ما عاد ينفع سوى في دفع الأمور إلى حافة الانهيار. أحيانا أخرى قد لا تتورّع السلطات عن طعن المثقفين التنويريين في الظهر غيلة، وتقديمهم أكباش فداء لأجل إرضاء حرّاس المعبد، أولئك الذين لا شيء يرضي جشعهم في واقع الأمر؛ فإنهم مثل نار جهنم التي تسأل بعد كل محرقة، هل من مزيد؟

جاهزيّتنا تتجه من سيء إلى أسوأ. عام بعد عام يتضاعف عدد الشيوخ والدعاة، ويتناقص عدد المثقفين والفنانين والشعراء. عام بعد عام يتزايد عدد الجمعيات الدّعوية وشبه الدّعوية، ويتراجع عدد الجمعيات التنموية والثقافية. في كل يوم تبنى دور عبادة جديدة وأحيانا فوق الحاجة، وفي كل يوم تغلق مسارح ودور سينما ومراكز ثقافية. وبعد كل إصلاح مزعوم تزداد مناهج التعليم الديني عداء للعقل، ويتمّ إنتاج قوانين مكافحة الإرهاب أحيانا لغاية ضرب رقاب الليبراليين. فبأيّ الوسائل كنّا نودّ أن نكسب المعركة على الإرهاب؟

نوشك أن نخسر المعركة. لماذا؟ لأننا لم نفهم طبيعتها، أو بالأحرى أنكرنا طبيعتها: إنها ليست معركة ضدّ زعامات كاريزمية معيّنة بحيث يمكننا التخلّص منها أمنيا أو عسكريا لكي ننهي المشكلة كما ظنت إدارة باراك أوباما مثلا، والتي نفذت عمليات اغتيال دقيقة أملا في تضييق مساحة الحروب، لكنها معركة ضدّ فكرة متغلغلة، بالغة الخطورة، وتتخذ تجليات مختلفة، إنها فكرة “شريرة” بكل المقاييس لكنها تسري بين النفوس مثل العدوى، فتتخذ مظاهر متحوّلة مثل “الأرواح الملعونة”. ثمّ إن العدوّ هذه المرة ليس خارجيا بحيث يمكن صدّه عن طريق ترميم الصفوف الداخلية، لكنه قادم من الداخل، من داخل أعماقنا. إنها بالأحرى معركة أفكار أكثر ممّا هي معركة عساكر.

عندما انهزم العرب أمام إسرائيل في حرب 1967، وكانوا قد خاضوا الحرب لمدة ستة أيام، بدأ المحللون يختزلون أسباب الهزيمة في مستويات معينة. منهم من اعتبرها هزيمة عسكرية للجيوش العربية، وثمّة من اعتبرها هزيمة سياسية للأنظمة العربية، وهناك من اعتبرها هزيمة أيديولوجية للبورجوازيات العربية، إلخ. وقتها وقف المفكر السوري ياسين الحافظ ليقول، إنها هزيمة حضارة برمّتها وبكل أركانها، من تنظيم الأسرة إلى بناء الدولة، ومن مناهج التعليم المدرسي إلى علاقات الإنتاج، ومن سلوك القادة والزعماء إلى مزاج العامة والبسطاء. وقد شرح كل ذلك في كتابه “الهزيمة والأيديولوجية المهزومة”.

اليوم، قد يتوجّب علينا الاعتراف بأننا خسرنا الحرب على الإرهاب، بل خسرناها منذ الوهلة الأولى التي تركنا فيها الملف للقوى “الخارجيّة”، ثم انتظرناها أن تفشل حتى نلقي باللّائمة عليها، واكتفينا بتبرئة الذمّة بواسطة الإنكار، بل أجرينا تسويات مع الإرهاب حتى نضمن تأجيل إعلان الهزيمة، أملا في أن يهدأ الوحش الجامح فجأة من تلقاء إعيائه. والحال أننا نحن الذين نوشك على الإعياء. والآن بصرف النظر عن مآل داعش في سوريا والعراق وليبيا، والذي هو مجرّد تمثل تنظيمي متغيّر لفكرة ثابتة في الأذهان، فإننا نوشك على أن نخسر الحرب على الإرهاب، نوشك على أن نخسرها بكلّ المقاييس. مرّة أخرى، لن يتعلق الأمر بمجرّد هزيمة عسكرية للجيوش، ولا بمجرّد هزيمة سياسية للأنظمة، بل سيتعلق الأمر بهزيمة حضارة برمّتها.

كاتب مغربي

9