نوشيروان مصطفى تحالفات الأمس تتفجر في صراعات اليوم

السبت 2016/02/06
من أمير حرب إلى رجل إيران "الإصلاحي" في كردستان العراق

أوستند - قاتل النظام العراقي السابق، وحارب خصوم الحزب في المدن والجبال، أكثر من زعيم الحزب نفسه. أمضى عمراً في الوطن، على قمم الجبال، أكثر من الزعيم. وصنع أمجاداً عسكريّة وجماهيريّة وتنظيميّة للحزب أكثر من الزعيم. ألّف كتباً في الأدب والسياسة أكثر من الزعيم. ولكنه بقي طيلة ثلاثة عقود، نائباً للزعيم وحبيس ظلّه. وحين أراد إصلاح الحزب ومكافحة الفساد فيه، اصطدم بالحزب والزعيم وحاشيته، وحاشية الحاشية.

استقال (انشق) عن حزب الزعيم، فحاول الأخير إلهاءه، بتوجيهه إلى الثقافة والإعلام، وقيل إنه دفع له مبلغاً ضخماً من خزانة الحزب، كي يبدأ مشروعه الثقافي والإعلامي. أخذ الرجل الأعطية، وأوهم الزعيم بأنه فعلاً طلّق السياسة، ثلاث طلقاتٍ لا رجعة عنها. ولكن، بذلك المبلغ، أسس مشروعه السياسي على قاعدة ثقافيّة إعلاميّة متينة، وبات في صراعٍ مرير مع رفاقه السابقين وزعيمه السابق، ودخل في مكاسرات انتخابيّة معهم، وأطاح بهم، وأصبح يشكّل لهم رعباً حقيقيّاً. واتسعت دائرة صراعاته، لتشمل قيادات أحزاب كرديّة أخرى، متحالفة مع حزب الزعيم.

إنه نوشيروان مصطفى، زعيم حركة “كوران – التغيير” الكرديّة في إقليم كردستان العراق، والنائب السابق للأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني.

هل يمتلك هذا القيادي الكردي العراقي مشروعاً إصلاحيّاً حقيقيّاً؟ أم يتّخذ من الإصلاح ومكافحة الفساد، قاعدة انطلاق نحو السلطة، وتشكيل زعامة كرديّة عراقيّة، تنافس في قوّتها وجماهيريّتها، زعامتي مام جلال الطالباني، وكاك مسعود البارزاني؟

الزعيم العصامي

ولد نوشيروان مصطفى في محافظة السليمانيّة، بكردستان العراق سنة 1944. أثناء دراسته في جامعة بغداد، كليّة العلوم السياسيّة سنة 1964، بدأ العمل السياسي عبر الالتحاق باتحاد طلبة كردستان، ثم بالحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة ملا مصطفى البارزاني. ومع الأزمة الداخليّة التي عصفت بالديمقراطي الكردستاني سنة 1966، عبر استقالة مجموعة المكتب السياسي بزعامة إبراهيم أحمد، ترك مصطفى صفوف الكردستاني، وانخرط في تنظيم “عصبة كادحي كردستان”.

في غضون ذلك، أصدر مجلة “زركاري – التحرير” بداية السبعينات. فحكمت السلطات العراقيّة عليه بالإعدام، فهرب من العراق إلى النمسا، والتحق بإحدى جامعاتها. وبعد التوقيع على اتفاقيّة الجزائر بين شاه إيران وصدام حسين سنة 1975، وانهيار الثورة الكرديّة، نتيجة قطع شاه إيران الإمدادات العسكريّة عنها، ومع المرحلة الأولى لتأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني سنة 1975 في سوريا، ترك نوشيروان الدراسة والنمسا، وعاد إلى كردستان.

جلال الطالباني يتهم نوشيروان مصطفى بالتورط في ارتكاب مجزرة حلبجة في 16/3/1988، وأنه حين كان مسؤولا عسكريا للحزب، أمر قوات الاتحاد الوطني، ودون علم الطالباني، بالتعاون مع الجيش الإيراني لتحرير حلبجة من القوات العراقية. بينما يؤكد مصطفى أن الطالباني كان على علم، وهو الذي نسق مع قادة الحرس الثوري للهجوم على حلبجة

الاتحاد الوطني الكردستاني تشكّل حينها، من ائتلاف ثلاثة تيّارات رئيسة هي: كتلة “ثوّار كردستان” بزعامة الطالباني، وكتلة “كادحي كردستان” بزعامة نوشيروان مصطفى، وكتلة “الحزب الاشتراكي الكردستاني” بزعامة صالح اليوسفي، بالإضافة إلى مشاركة عدد من المستقلين. وانتخب مؤتمر الحزب جلال الطالباني زعيماً ونوشيروان مصطفى نائباً له. وبقي الوضع على هذا المنوال لحين إعلان مصطفى استقالته من الحزب سنة 2006.

إلى جانب القيادي البارز في الاتحاد الوطني الكردستاني كورسرت رسول علي، خاض نوشيروان مصطفى معارك الحزب، ضدّ خصومه السياسيين، كقائد ميداني، أكثر من الطالباني. ففي خريف العام 1980 تمّ الإعلان في قاعة اتحاد نقابات العمال بدمشق، عن الجبهة الوطنيّة التقدّميّة الديمقراطيّة (جوقد)، التي تألّفت من الاتحاد الوطني، الحزب الاشتراكي، الحزب الشيوعي العراقي، الحركة الاشتراكية العربية، حزب البعث العربي الاشتراكي (قيادة قطر العراق – الموالي للنظام السوري وقتذاك)، وجيش التحرير الشعبي – العراق، والمستقلون الديمقراطيون.

حضر المؤتمر عدد من ممثلي “الجبهة الوطنيّة التقدميّة” في سوريا، وشخصيّات سورية وفلسطينيّة ولبنانيّة موالية لحافظ الأسد ومناهضة لصدام حسين. ورفض الاتحاد الوطني انضمام الحزب الديمقراطي الكردستاني. وبحسب الكاتب الشيوعي العراقي، فيصل الفؤادي فإن هذا الإقصاء، أتى “بالتنسيق مع حزب البعث، قيادة قطر العراق”. ثم خرج الحزب الشيوعي العراقي والحزب الاشتراكي الكردستاني من (جوقد)، ليؤسسا مع الديمقراطي الكردستاني؛ الجبهة الوطنيّة الديمقراطيّة (جود).

اتسعت دائرة الصدامات المسلّحة بين الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني، لتشمل الحزب الشيوعي أيضاً. حينذاك، قاد نوشيروان تلك الصدامات، ليس بصفته نائباً للطالباني وحسب، بل لكونه أحد أبرز القيادات العسكريّة في الاتحاد الوطني. ورغم أن مصطفى كان يتزّعم التيّار اليساري المتشدد في الاتحاد الوطني، بصفته زعيم كتلة “عصبة كادحي كردستان”، إلاّ أن ذلك لم يمنعه من قيادة الهجوم على مقرّات الشيوعي العراقي في منطقة “بشت آشتان” بجبال قنديل في 1/5/1983، وارتكاب مجزرة مروّعة راح ضحيتها العشرات. وبحسب مصادر الحزب الشيوعي، فإن مدفعيّة النظام العراقي ساندت الهجوم. وفي إحدى مقابلاته التلفزيونيّة، اعترف مصطفى بارتكاب هذه المجزرة، معتبراً أنها أتت في سياق الصدام بين “جود” المدعومة من إيران، حسب قوله، وجبهة “جوقد”، وأنها لم تستهدف الشيوعي العراقي وحده.

وأثناء اشتداد المعارك بين الاتحاد الوطني الكردستاني ضد خصومه السياسيين، بدأت اتصالات الحزب بالنظام العراقي، في ما يعرف بمفاوضات 1983، حيث أدارها علي حسن المجيد (علي كيماوي) من الجانب العراقي، وجلال الطالباني من الجانب الكردي.

ويرى مراقبون أن نوشيروان مصطفى لعب دوراً ميدانيّاً مهمّاً في كل جولات الاقتتال الكردي – الكردي، بين الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني، سواء في الثمانينات أو التسعينات.

مهندس الانتفاضة

بعد حرب الخليج الثانية، وتحرير الكويت من جيش النظام العراقي السابق، اندلعت انتفاضة شيعيّة جنوب العراق، وكرديّة في شماله. وقتذاك، لم يكن الطالباني والبارزاني داخل كردستان. وتؤكّد العديد من المصادر أن نوشيروان مصطفى لعب دوراً استراتيجيّاً في الانتفاضة الكرديّة، لجهة التنظيم الإداري والعسكري والجماهيري، لدرجة أنه أطلق عليه حينها وصف “مهندس الانتفاضة”.

نوشيروان مصطفى لم يرث من الطالباني حسه الفكاهي لكنه ورث منه حرصه على العلاقة الوطيدة مع إيران

وعقب سقوط النظام العراقي السابق وانخراط الاتحاد الوطني الكردستاني في العمليّة السياسيّة، ورئاسة الطالباني مجلس الحكم الانتقالي، تبنّى نوشيروان مصطفى توجّهاً إصلاحيّاً داخل الحزب، يطالب بالشفافيّة ومكافحة الفساد، وإعادة هيكلة مؤسسات الحزب. وفي هذا الإطار، قدّم مصطفى في أكتوبر 2004، وبالتنسيق مع قيادات أخرى في المكتب السياسي للحزب، مذكّرة إلى الطالباني تطالبه بالإصلاح ومكافحة الفساد الإداري والمالي داخل الحزب. وبات مصطفى عندها يتزعّم التيّار الإصلاحي.

تلّقى وعوداً بخصوص الاهتمام بمذكّرته وأخذها على محمل الجد، ومناقشتها والعمل بها. إلاّ أنه اتضح في ما بعد، بأن الأمر كان مجرّد وعود. وبعد يأسه من أحوال الحزب، واستبداد الفساد فيه، وميل الطالباني نحو التوريث، عبر بروز دور زوجته، هيرو إبراهيم أحمد، ونجله قباد الطالباني داخل الحزب، قدّم نوشيروان مصطفى استقالته من الحزب سنة 2006، معلناً اعتزال السياسة والاتجاه إلى العمل المدني والثقافي والإعلامي. وبحسب بعض المصادر فإن الطالباني أرضاه بمنحه مبلغ 10 مليون دولار، ليبدأ مصطفى مشروعه الثقافي والإعلامي.

لم يشأ مصطفى رفض هذه “المنحة” أو “الهبة” المالية السخيّة والدخول في صدام مع حزبه وزعيمه، كونه يدرك بأنه الخاسر في أيّ مواجهة من هذا النوع، من دون وجود أرضيّة مؤسساتيّة وجماهيريّة يقف عليها. صدّق الطالباني وحزبه بأن نوشيروان بلع الطعم، وقبل “المنحة – الرشوة” وتخلّى عن طموحه السياسي والإصلاحي، واتجه نحو العمل الثقافي والأدبي المحض. لكن الأمر، كان خلاف ذلك تماماً.

المشروع الجديد

قام مصطفى بتأسيس مؤسسة “وشّة – الكلمة”، وصدرت عنها جريدة أسبوعيّة، وموقع إلكتروني حمل اسم “سبيه – الغد”، ثم أطلق قناة فضائيّة باسم شبكة الأخبار الكردية (كي إن إن). وبعد فترة من الهدوء النسبي، شنّ سلسلة مقالات نقديّة لاذعة، تحت عنوان “نحن وهم” تنتقد الحزب وقيادته والفساد المستشري فيه، ولا تستثني أحدا، حتّى الطالباني. هذه المقالات، أحدثت مفاجأة وخضّة قويّة في كردستان العراق عموماً، وداخل صفوف الاتحاد الوطني الكردستاني على وجه الخصوص. واعتبرها البعض، نوعاً من المراجعات النقديّة يجريها أحد مؤسسي وأعمدة الاتحاد الوطني الكردستاني.

واعتبرها آخرون، محاولة انتقام وثأر من الحزب وزعيمه لأنهما أبقيا مصطفى ظلاً للطالباني. بينما اعتبرتها قيادة الحزب بأنها تستهدف سمعته وسمعة زعيمه وتاريخه النضالي. وبدأت فترة من التراشق السياسي على صفحات الجرائد بين نوشيروان ورفاقه السابقين، وصلت إلى ما يمكن وصفه بمرحلة كشف المستور ونشر الفضائح، وبخاصّة منها السياسيّة والعسكريّة ومدى التورّط في ارتكاب جرائم قتل وتصفية إلى جانب الاتهام بالخيانة. حيث اتهم الطالباني نوشيروان مصطفى بالتورّط في ارتكاب مجزرة حلبجة في 16/3/1988، وأنه كان مسؤولا عسكريّاً للحزب، وأمر قوات الاتحاد الوطني، ودون علم الطالباني، بالتعاون مع الجيش الإيراني لتحرير حلبجة من القوات العراقيّة.
قاسم سليماني يدير اللعبة من خلال لقاءاته في كردستان العراق وتنسيقه مع نوشيروان مصطفى وهيرو أحمد. ولم يكن غريبا أن يعلن مصطفى خلال زيارة له إلى إيران، أنه بحث هناك التحالفات المستقبلية التي سوف تتغير معها الخارطة السياسية. إذا ما تحقق دعم إيران له ليكون بديلا عن الطالباني
وهذا ما اعتبره نظام صدّام مبرراً لضرب المدينة بالكيميائي. فردّ عليه مصطفى بالقول “لو كنت مسؤولاً عن حلبجة، فمن المسؤول عن كل أعمال القتل الأخرى، خلال سنوات 1961، 1974، 1975، وحتى سنة 2003؟ مؤكداً أن الطالباني كان على علم، وهو الذي نسّق مع قادة الحرس الثوري للهجوم على حلبجة.

حركة التغيير

الإصلاح والتغيير اللذان فشل في تحقيقهما نوشيروان مصطفى داخل حزبه السابق، أرادا له أن يتحوّل من توجّه إعلامي – ثقافي ناقد إلى تيّار سياسي جماهيري معارض لعموم التركيبة الحزبيّة الكرديّة العراقيّة، عبر طرحه نفسه كبديل سياسي، يتبنّى مشروعاً إصلاحيّاً يقوم على فصل سلطة العائلة عن الحزب، وفصل سلطة الحزب عن مؤسسات الإقليم الخدميّة والسياسيّة والاقتصاديّة والتعليميّة والتربويّة، وفصل سلطة الإقليم عن مؤسسات المجتمع المدني، واستقلال القضاء وإبعاده عن تأثير الأحزاب وتدخّلاتها فيه. باختصار، الفصل بين السلطات داخل إدارة الإقليم الكردي العراقي. ذلك أن التركيبة القبليّة – العائليّة طاغية على أداء الحزبين الرئيسيين في كردستان العراق.

وبناء عليه، قرر نوشيروان مصطفى المشاركة في الانتخابات النيابيّة في إقليم كردستان في العام 2009، بقائمة مستقلّة عن قوائم الأحزاب الأخرى. وصادقت المفوضيّة العليا للانتخابات في العراق رسميّاً على قائمة “التغيير – كوران” ككيان سياسي، وحققت القائمة مفاجأة وحصلت على 25 مقعداً من أصل 111 في برلمان إقليم كردستان، بحيث أصبحت الحركة ثاني أكبر كتلة برلمانيّة بعد كتلة الديمقراطي الكردستاني.

هذا النجاح كان على حساب تراجع الاتحاد الوطني الكردستاني، وصدمة كبرى له، وفي معقله بمحافظة السليمانيّة. بينما تمّ الإعلان عن حركة “كوران – التغيير” كتنظيم سياسي، بعد أن حصلت على الموافقة الرسميّة من وزارة الداخليّة العراقيّة. وفي الانتخابات البرلمانيّة على مستوى العراق، التي جرت سنة 2010، أيضاً حققت الحركة إنجازاً كبيراً، وحصلت على 487181 صوتاً خوّلتها حصد ثمانية مقاعد، بحيث أصبحت خامس كتلة برلمانيّة في البرلمان العراقي.

أما في انتخابات برلمان الإقليم التي جرت سنة 2013، فقد حصل حزب نوشيروان مصطفى على مقعد واحد فقط، وبقي محافظاً على مكانته كثاني كتلة برلمانيّة. بينما في الانتخابات البرلمانيّة التي شهدها العراق في 30/4/2014، زادت حركة كوران مقاعدها في البرلمان العراقي من 8 إلى 14 مقعداً.

النتائج التي حققها نوشيروان مصطفى وحزبه، لم تقلق الاتحاد الوطني الكردستاني وحسب، بخاصّة مع الأزمة الداخليّة الخانقة والصراع بين الأجنحة التي يعيشها الاتحاد، بل صارت تقلق الديمقراطي الكردستاني أيضاً، بسبب تزايد نسبة التصويت لحركة كوران في مناطق نفوذ الديمقراطي الكردستاني. زد على ذلك، الوزن الجماهيري والسياسي والبرلماني الذي بات يشغله حزب نوشيروان مصطفى، الذي ألقى بظلاله على الاتفاقية الاستراتيجيّة بين الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني لتقاسم سلطة الإقليم فيما بينهما.

بات الديمقراطي الكردستاني يلوّح للاتحاد الوطني بأنه ينبغي مراجعة الاتفاقية وتعديلها، بناء على المعطيات السياسيّة المستجدّة في كردستان العراق. هذا التلويح بالتهديد غير المباشر، فهمه مراقبون على أنه محاولة ابتزاز يمارسها الديمقراطي الكردستاني، بغية الاستفادة من حالة الضعف والتضعضع والأزمة الداخليّة التي تعصف بالاتحاد الوطني، وأن الأخير ينبغي عليه التنازل للديمقراطي الكردستاني، وإلاّ سيضطر حزب البارزاني إلى إبرام تفاهمات واتفاقات مع حركة كوران على حساب الاتحاد الوطني الكردستاني.

النتائج التي حققها نوشيروان مصطفى وحزبه، لم تقلق الاتحاد الوطني الكردستاني وحسب، بخاصّة مع الأزمة الداخليّة الخانقة والصراع بين الأجنحة التي يعيشها

ورغم أن نوشيروان مصطفى، ومشروعه الإصلاحي، فقدا خاصيّة المعارضة، باعتبار أن حركة كوران انخرطت في السلطة، واستلمت عدة وزارات في حكومة الإقليم، واستلام أحد قياداتها رئاسة البرلمان، إلاّ أن مصطفى مازال يشهر ورقة الإصلاح ومكافحة الفساد في وجه الحزبين الرئيسيين، وبخاصّة الديمقراطي الكردستاني. لكن المواطن الكردي العراقي، خبر كوران في المعارضة وفي السلطة، ولم يجد تلك التغيّرات الجديّة والجذريّة على مستوى الخدمات والبنى التحتيّة للإقليم الكردي، بعد انخراط الحركة في حكومة الإقليم! وفي الفترة الأخيرة، صار نوشيروان وحزبه يشكلان إزعاجاً حقيقيّاً وجديّاً للديمقراطي الكردستاني، بخاصّة في مسألة عرقلة التمديد لرئيس الإقليم مسعود البارزاني، المنتهية ولايته. هذا التوتر، تجاوز الإعلام وبرلمان الإقليم، ليصل إلى درجة اتهام الديمقراطي الكردستاني لنوشيروان مصطفى وحزبه بتحريك الشارع الكردي ضد الحكومة والهجوم على مقرات الديمقراطي الكردستاني وإحراقها مؤخّراً.

إيران من خلف نوشيروان

صحيح أن نوشيروان مصطفى، كان من أمراء الحرب والاقتتال الكردي – الكردي، إلاّ أنه قدّم مشروعاً إصلاحيّاً مميّزاً، لم يتم ترجمته على الأرض بعد. وصحيح أن نوشيروان لم يأخذ من الطالباني حسّه الفكاهي وحنكته وزئبقيّته، إلاّ أنه أخذ منه خلافه التاريخي مع الديمقراطي الكردستاني، كما أخذ منه أيضاً العلاقة الوطيدة مع إيران. فالاتهامات التي يوجهها نوشيروان مصطفى إلى حزب البارزاني على أنه حزب العائلة والقبيلة، ليست جديدة. ذلك أن الطالباني وحماه إبراهيم أحمد، سبق وأن قالاها في هذا الحزب، بعد الانشقاق عنه سنة 1966، وحتى فترة التسعينات، من دون أن ننسى بأن حزب الطالباني نفسه أصبح حزب العائلة والقبيلة. بمعنى، السلطة هي المحكّ الحقيقي لمصداقيّة نوشيروان مصطفى ومدى جدّيته في ما يتعلّق بمكافحة الفساد الذي كان هو أحد أركانه، داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، عبر سكوته طيلة هذه السنوات، لحين إشهاره ورقة الإصلاح ومكافحة الفساد.

قاسم سليماني يدير اللعبة بدوره من خلال لقاءاته وتنسيقه مع مصطفى وهيرو أحمد. ولم يكن غريباً أن يعلن نوشيروان مصطفى خلال زيارة له إلى إيران، أنه بحث هناك التحالفات المستقبلية التي سوف تتغير معها الخارطة السياسية، إذا ما تحقق دعم إيران لنوشيروان مصطفى ليكون بديلاً عن الطالباني في كردستان العراق.

كاتب سوري

12