نوعية الأثاث تصنع سعادة الأسرة وتحدد نمط حياتها

خبراء علم النفس يشددون على أهمية اختيار التجهيزات المناسبة للمنزل.
الأحد 2020/12/27
حسن الاختيار مهم للوصول إلى حالة من الانسجام والتعايش المشترك

يكشف المنزل وطريقة تصميمه ونوعية الأثاث الموجود فيه عن الكثير من جوانب حياة الأسر ونمط عيشها، وتسهم مثل هذه الأشياء في إضفاء قدر كبير من السعادة على إحاسيس العائلات، لكن الأهم من هذا كله ظروف حياة الأشخاص الذين يعيشون داخل المنزل.

تسهم قطع الأثاث وطرق ترتيبها داخل المنزل في تشكيل الكثير من جوانب حياة الأسرة، فهي من بين مكونات المنزل الأكثر إثارة للشعور بالسعادة، كما أنها تمثل حجر الأساس في تشكيل نمط حياة أفرادها والتأثير على صحتهم الجسدية والنفسية.

ويلعب أيضا تصميم المنزل ومساحته، مثل تقسيم الغرف وفضاءاتها، دورا كبيرا في التأثير على طريقة تفاعل أفراد الأسرة، إذ كشفت مجموعة من الأبحاث أنه كلما كان شعور الإنسان متسما بالإيجابية تجاه المنزل الذي يقطنه، اتسم تفاعله مع المحيطين به بإيجابية أيضا.

وما لبث خبراء الصحة يحذرون منذ عدة أشهر من أن الظروف السيئة داخل المساكن ومساحاتها الضيقة يمكن أن تساهم في تفشي الوباء بشكل سريع.

وشدد الخبراء على أهمية أن يكون المسكن لائقا، كعامل مهمّ في تحقيق السعادة وتحسين الصحة، بعد أن كشفت الأبحاث الحديثة عن وجود صلة قوية بين ارتفاع معدلات الوفاة المبكرة والمساكن المكتظة بالسكان.

أما المختصون في فن الديكور فدعوا إلى مراعاة مجموعة من العناصر المتعددة داخل المنزل قبل التفكير في تأثيثه، مثل الخطوط والمساحة والعمق واللون، حتى يكون هناك إيقاع جميل يمتاز بوحدة الشكل العام، وحتى لا يكون هناك اختلال في التوازن بين الفراغات وقطع الأثاث، محذرين من الإكثار من الإكسسوارات والتحف في غرف الجلوس، نظرا إلى أن كثرتها وعدم انتقائها بعناية يسببان النفور ويرهقان الأعصاب.

غير أن العديد من الأسر لا تعير أهمية كبرى للأثاث، ولا تستهويها التصاميم والديكورات داخل المنازل، إما بسبب غلاء المعيشة أو نظرا إلى الظروف الاجتماعية الصعبة أو جراء رداءة الذائقة الجمالية للبعض، فيما تنظر نسبة كبيرة من الأسر العربية التي استطلعت “العرب” آراءهم إلى المنزل على أنه مجرد سقف يأوون إليه مع نهاية كل يوم.

وتواجه المجتمعات العربية اليوم، تحديا خطيرا في ما يتعلق بضمان وصول الناس إلى مساكن آمنة على الصحة، وتحسين بيئة الأحياء الفقيرة والعشوائية، ونظم التخطيط والإدارة الحضريين.

وفي ظل الحجر المنزلي الهادف إلى احتواء وباء كورونا، تعيش الملايين من الأسر العربية في منازل صغيرة المساحة، وتفتقر إلى أبسط الخدمات الأساسيّة التي تلعب دورا في الحد من تفشّي الفايروس وتمنحهم الإحساس بالطمأنينة.

الأشهر الطويلة التي غيّرت فيها الأسر عاداتها ونمط حياتها خلال تطبيق تدابير الإغلاق سلطت الضوء على مفهوم “البيت السعيد” وعلى أهمية وجود مثل هذا الفضاء الذي يعد أمرا حيويا لصحة جيدة

وسلطت الأشهر الطويلة التي غيّرت فيها الأسر عاداتها ونمط حياتها خلال تطبيق تدابير الإغلاق، الضوء على مفهوم “البيت السعيد” وعلى أهمية وجود مثل هذا الفضاء الذي يعد أمرا حيويا لصحة جيدة، إضافة إلى أن الأسرة ستتمتع بالسعادة، لأن منزلها يلبي لها احتياجاتها.

وقالت امرأة تونسية تدعى فاطمة الربيعي إن الأهم بالنسبة إليها امتلاك مسكن يأويها هي وأسرتها ويريحها من معاناة الإيجار الذي أرهقها هي وزوجها وأبناءها، أما مسألة المساحة والأثاث فآخر ما تفكر فيه.

وأضافت الربيعي لـ”العرب”، “هناك أولويات في الحياة، فأنا في الظرف الراهن يتمثل هاجسي الوحيد في امتلاك مسكن، ولا تهمني مساحته بقدر ما يهمني أن أمتلك منزلا صغيرا يريحني وأفراد أسرتي من عناء التنقل من حي إلى آخر، ومن التشتت الذهني الذي يحدث لنا كلما طالبنا صاحب المسكن بمغادرته والبحث عن آخر”.

وعكف خبراء في علم الاجتماع طوال أعوام على رصد علاقة الأسر بمنازلها ونوعية الأثاث والتجهيزات المؤثرة على أداء العائلة والتفاعل العاطفي ومستوى الرضا عن الحياة، وصناعة القرار.

واستطلع الباحثون آراء مجموعة كبيرة من الأسر بشأن طرق تفاعلها داخل المنزل، وتحديد مستوى الموافقة على جُمل مثل “أشعر بضغوط داخل منزلي” أو “يشعر أفراد العائلة بقبول وضعهم”، ومن ثم توصل الباحثون إلى نتيجة مهمة وهي أن هناك علاقة بالفعل تربط بين نوعية المسكن والتجهيزات المتوفرة فيه والعائلات الأكثر سعادة.

أسلوب حياة جميل
أسلوب حياة جميل

ويعتقد عالم الاجتماع الألماني مارك برادي أن إجراءات الإغلاق المرتبطة بتفشي وباء كورونا، أجبرت البشر على أن ينظروا إلى منازلهم من منظور جديد، وكأنهم “يعيدون دراسة وفحص علاقة قديمة”.

لكن برادي يرى أيضا أن المشكلات المتعلقة بمدى جودة الحياة في تلك الشقق الضيقة – التي أُلقي الضوء عليها في فترة الحجر الصحي – ستُثار في المستقبل جنبا إلى جنب، مع مشاعر القلق العام التي تسود المجتمع، بشأن الوضع في سوق الإسكان.

بيد أن البعض من الخبراء يعتقدون أن الحالة المادية للشخص لا تلعب في أغلب الأحيان دورا كبيرا في تحديد شكل بيته وانتقاء نوعية أثاثه، مشيرين إلى أنه بإمكان الشخص أن يصنع أثاثه بنفسه، وكذلك الأثاث بإمكانه أن يحدد ملامح حياة الناس وسلوكياتهم اليومية.

وقال أندريه كوبيتز، الخبير بمجلس تصميمات الشكل بفرانكفورت “لا يوجد دليل يثبت اختلاف الذوق بين الرجال والنساء، ولكن المرأة تشتري عادة الأثاث وفقا لاحتياجاتها، أما الرجال فينظرون إلى المظهر الخارجي للأثاث، ويميلون إلى شراء قطع الأثاث التقليدية مثل الأريكة والمقعد وغيرها”.

وأضاف “النساء يتمتعن بقدرة أكبر على إعطاء مظهر جديد للغرف من خلال تغيير أماكن بعض الأشياء، فهن دائما ينظرن إلى منازلهن على أنها متكاملة ويسألن أنفسهن، ماذا لدينا وماذا يناسبنا”.

وفي تفسير أسباب افتقار الرجال للخبرة في هذا المجال أوضح كوبيتز “يوجد بكل مجلة للمرأة قسم للأثاث وتصميمات المنازل، ولا يوجد شيء كهذا في المجلات الرجالية، كما لا يملك الرجال الخبرة الكافية ليتخذوا على أساسها قرارا سليما”.

وأشار إلى أن المرأة لا تهتم بامتلاك أريكة أو مقعد له 25 وظيفة تقنية بل تفضل شراء أريكة يمكن استخدامها أمام التلفزيون وفي غرفة النوم.

ورجح كوبيتز أن اختلاف الأذواق يرجع إلى وجود فوارق بين الأشخاص بشكل عام وليس بين الرجل والمرأة تحديدا، مشيرا إلى أن سياسة التسويق هي التي تفرض اختلاف أسلوب الحياة بين ما تفضله المرأة وما يحبذه الرجل.

وأشارت آن يونج من شركة يونج فرومبرجر الاستشارية الألمانية إلى أن “الرجال في الغالب يفتقرون إلى المهارة في شراء الأثاث”، فهم من وجهة نظرها “يميلون إلى شراء الطراز المعروف ليظهروا أمام أصدقائهم على أن لديهم خبرة في تصميمات الأثاث”.

وقالت يونج “بمجرد دخول الأثاث الجديد إلى المنزل لا يهتم الرجال بترتيبه، ولكن الأمر مختلف بالنسبة إلى النساء، فهن يغيرن أماكن قطع الأثاث أكثر من مرة من أجل إدخال البهجة على المنزل”.

ومن جانبه أوضح هورست سيب الخبير برابطة مهندسي الديكور المبدعين بألمانيا أن “للمرأة الكلمة العليا في ما يتعلق بغرفة النوم، بينما يمكن أن يتخذ الرجل القرار بشأن أماكن أخرى من المنزل مثل الصالون”.

ونبه علماء النفس إلى أهمية الأخذ بعين الاعتبار دلالات الألوان وتأثيرها في حياة الّإنسان، مشيرين إلى أن الألوان الساطعة للجدران الداخلية في المنزل تسبب الإجهاد والاضطرابات النفسية.

وبناء على نتائج دراستهم الأخيرة أكد باحثون من جامعة كورنيل الأميركية أن الألوان الساطعة داخل المنزل مثل الألوان الحمراء الغامقة والبرتقالية الفاقعة تسبب الكآبة وأمراضا جلدية ناتجة عن الاضطرابات النفسية.

ونصحوا باستخدام ألوان هادئة مثل الأزرق، خاصة في غرف النوم، لأنه مهدئ للأعصاب ومخفف للتوتر وخصوصا بالنسبة إلى الذين يتميزون بسلوكيات عدوانية.

وعموما يرجح الباحثون أن المزج بين الألوان ربما يكون أكثر فعالية وإيجابية على نفسية الإنسان.

كورونا يسلط الضوء على مفهوم "البيت السعيد" وعلى أهمية مثل هذا الفضاء الذي يعد أمرا حيويا لصحة جسدية ونفسية جيدة
كورونا يسلط الضوء على مفهوم "البيت السعيد" وعلى أهمية مثل هذا الفضاء الذي يعد أمرا حيويا لصحة جسدية ونفسية جيدة

 

21