نوكيا عملاق الهواتف النقالة يحاول الخروج من الهاوية

السبت 2016/08/27
نوكيا هل تعود إلى الواجهة من جديد

إسطنبول- أما وقد صارت عودة شركة نوكيا إلى عالم الهواتف النقالة مؤكدة، بعد أن أعلن مسؤول تنفيذي كبير في نوكيا الصين عن الجدول الزمني لطرح هواتف وكمبيوترات لوحية تحمل علامة نوكيا التجارية وتعمل بنظام أندرويد نوغا الجديد، قائلا إنها ستطرح على الأرجح نهاية هذا العام، فإن المتابعات الإخبارية التي حاولت الإحاطة بما يجري في كواليس الشركة، لم تكن متحمسة له، وفي الوقت ذاته لم تكن متوجسة من إمكانية عودة الشركة إلى الواجهة من جديد، إذ كانت تداري شكوكها عبر استعادة الوقائع التي أودت بعملاق الهواتف النقالة إلى الهاوية، بعد أن تربع على عرش هذه الصناعة لسنوات طويلة، قبل أن يغادرها منكسرا ومهزوما أمام شركتي آبل وسامسونغ، اللتين استحوذتا على سوق الهواتف الذكية.

الحماس المطلوب للترويج لماركة نوكيا وهي تعود ملتصقة بهاتف ذكي جديد، يحتاج إلى وقت طويل ليصبح حاضرا، لا على شاشات الإعلانات في شوارع المدن الكبرى، إذ أن هذا شيء يسهل صنعه، بل لدى المستهلكين، الذين مازالوا يتذكرون عددا كبيرا من أجهزة نوكيا التقليدية، التي استخدموها قبل أن تحتل تقنيات الهواتف الذكية المشهد، فهل يكفي حضور نوكيا السابق في ذاكرة المستهلك، من أجل أن تعود العلاقة بينه وبينها؟

وربما يمكن لشخصين ارتبطا سابقا بعلاقة عاطفية ثم افترقا أن يستندا إلى الذاكرة من أجل العودة، أو عدمها، ولكن في السوق التجارية وفي مسار تطور حاجيات المستهلكين، لا يمكن الركون إلى العاطفة من أجل استعادة حضور السلعة، بل يجب أن تتوفر في السلعة ذاتها القدرة على تلبية الاحتياجات، ومن بعد ذلك يمكن الحديث عن استعادة الثقة.

أيام قليلة قادمة

الفترة الصعبة التي مرت بها نوكيا اتسمت بانخفاض إيراداتها بنسبة 40 بالمئة، وأرباحها بنسبة 95 بالمئة، وانهارت حصة الشركة في سوق الهواتف الذكية من 34 بالمئة إلى 4.3 بالمئة، في حين تراجع تصنيفها الائتماني إلى درجة "سيء". كما انخفض سعر سهم نوكيا بنسبة 60 بالمئة، وفقدت الشركة 13 مليار دولار من قيمتها السوقية

فريق نوكيا استعد للأسئلة وللتكهنات التي ستزداد مع طول مساحة الترقب، إذ أن الشركة لن تكشف عن هواتفها الجديدة وأجهزتها اللوحية قريبا، بل إنها ستطرحها في الربع الرابع من عام 2016، مع إمكانية أن تتأخر حتى الربع الأول من عام 2017 استنادا إلى عملية الاختبار والتطوير.

وفي الوقت نفسه وضع جمهور المتابعين أمام خارطة جديدة ستتبعها شركة “إتش إم دي” الفنلندية التي تأسست قبل فترة وجيزة، من أجل صناعة وترويج أجهزة هواتف محمولة بماركة نوكيا. فبعد أن قامت بشراء قسم الهواتف المحمولة من شركة مايكروسوفت الأميركية، أعلنت أنها ستجمع و توزع أجهزة الشركة في مصانع “إف آي إتش موبايل” التابعة لشركة فوكسكون الصينية، التي ستتولى بالتعاون مع شركة فوكسكون التايوانية تطوير هواتف تحمل علامة “نوكيا” وتصنيعها.

ولأن حكاية نوكيا ارتبطت دائما بقصص فشل المدراء، فإن الشركة الجديدة قررت أن تغامر هذه المرة مع مدير يتمتع بخبرة مهمة في عالم نوكيا، ولهذا اختارت بيكا رانتالا الذي عمل في نوكيا لمدة 17 عاماً وكان يشغل فيها منصب نائب الرئيس لشؤون التسويق العالمي، إذ يتم الرهان على معرفته بفضاء عمله وإدراكه للمخاطر التي تعتري عودة الماركة إلى السوق، كما يتم توقع الكثير منه من خلال موقع كبير مسؤولي التسويق، بعد نجاحات مرموقة صنعها في عمله مع شركة روفيو المطورة للعبة “الطيور الغاضبة”.

إذاً فقد تم إعداد العدة كاملة للعودة المرتقبة، ولكن هل يكفي كل هذا، من أجل تجاوز الانكسار التاريخي الذي تعرضت له نوكيا، والذي جعلها الخاسر الأكبر، طيلة السنوات الماضية؟

هزيمة نوكيا

يتداول المتابعون لعالم التقنيات جملة شهيرة ينسبونها إلى ستيفن إيلوب المدير التنفيذي لشركة نوكيا، قال فيها “نحن لم نفعل شيئا خاطئا ولكن بطريقة ما خسرنا”، ورغم أن البعض يصحح المعلومة ويحيل الجملة إلى ستيف بالمر المدير التنفيذي السابق لمايكروسوفت، إلا أن الاعتقاد بأن انهيار نوكيا السابق، إنما يعود إلى السياسة الخاطئة التي اتبعها إيلوب يبدو صحيحا تماما، خاصة وأن التفاصيل كانت واضحة ومفهومة وبسيطة أمام جمهور المستخدمين الذين رأوا ولمسوا كيف استطاعت شركتا آبل وسامسونغ توفير سلسلة غير منتهية من التطبيقات الذكية في هواتف عملت كلتا الشركتين على الترويج لها، بينما ظلت نوكيا مترددة في اقتحام هذا الفضاء الجديد، وحينما بات عليها أن تفعل، قامت باختيار خاطئ، ما أدى بها إلى حافة الهاوية.

بدأت الحكاية في العام 2007، عندما أطلق الرئيس التنفيذي لشركة آبل الراحل ستيف جوبز هاتف أيفون، الذي شكل تهافت المستخدمين للحصول عليه تهديدا مباشرا لحصة نوكيا السوقية التي بلغت قبل ذاك قرابة الـ40 بالمئة، حيث تداعت هذه النسبة وتدهورت، مع توفر منتجات أخرى في السوق كانت تتقدم على منتجات الشركة الشهيرة التي طالما أذهلت العالم بطرحها لأنواع متعددة من هواتفها.

ستيفن إيلوب المدير التنفيذي لشركة نوكيا يقول "نحن لم نفعل شيئا خاطئا ولكن بطريقة ما خسرنا"، لكن الاعتقاد بأن انهيار نوكيا السابق، إنما يعود إلى السياسة الخاطئة التي اتبعها إيلوب يبدو صحيحا تماما

وفي العام 2010، حاولت نوكيا كبح جماح تأخرها، عبر تعيين إيلوب كمدير تنفيذي قادم من عالم شركة مايكروسوفت، ليتولى قيادتها في المنافسة مع آبل وسامسونغ، ليصبح بذلك أول شخص من أصول غير فنلندية يشغل منصب الرئيس التنفيذي للشركة الفنلندية. وكان يتقاضى راتبا سنويا قدره 1.4 مليون دولار.

لكن هذا القرار كان واحدا من الخيارات التي كلفت نوكيا الكثير، حيث ظهر أن توجهات إيلوب، كانت غير دقيقة في غالبيتها، وقد ارتكب حماقة كبرى عندما اختار نظام تشغيل ويندوز مايكروسوفت باعتباره المنصة الوحيدة في سلسلة هواتفها الذكية الجديدة “لوميا”. وأعقب ذلك تخلّيه نهائيا عن نظامي التشغيل “سيمبيان” و”ميجو”.

الانحدار إلى الهاوية

وفي كتاب “العملية إيلوب” الذي تضمن مذكرات هذا المدير التنفيذي يذكر بيكا نيكانين وميرينا سالمينين الكاتبان اللذان قاما بتدوينها، أنه في كل يوم قضاه إيلوب على رأس شركة نوكيا، “كانت القيمة السوقية للشركة تنخفض بنحو 23 مليون دولار الأمر الذي يجعله، كما تؤكد الأرقام، واحدا من أسوأ الرؤساء التنفيذيين في التاريخ”.

لقد شبه إيلوب نوكيا برجل يقف على منصة حفر نفطية تحترق في البحر، ويواجه الموت حرقا أو القفز إلى بحر هائج، وكان على حق في أن العمل كالمعتاد يعني الموت المحقق لنوكيا، ولكنه أخطأ عندما اختار مايكروسوفت كطوق نجاة للشركة. ورغم التحذيرات التي تلقاها من وحدات الدراسات التي كانت تقرأ وضعية السوق، إلا أن إيلوب كان مصرا على خطته، التي كان يروج لها قائلا ”من الأمور التي ينبغي الحكم عليها، هل تتمتع نوكيا اليوم بقدر من حرية الحركة يفوق ما كان لديها قبل سنتين؟ برأيي أن الجواب هو نعم بالتأكيد، والسبب في ذلك أن لدينا أعمالا في مجال الأجهزة في لوميا، وهي أعمال تتحرك الآن في الاتجاه الصحيح”.

ولكن الكاتبين لم يلقيا بأسباب الفشل على عاتق الرجل وحده، بل إنهما ينظران في عمق الوضع العام للشركة. فيذكران في مقالة نشراها وقائع تقول إن جزءا كبيرا من المسؤولية يقع أيضا على مجلس الإدارة الذي قاوم التغيير. “الأمر الذي جعل من المستحيل أن تتكيف الشركة مع التحولات السريعة التي طرأت على الصناعة. وعلى وجه خاص، كان غورما أوليلا الذي قاد تحول نوكيا من تكتل صناعي، إلى عملاق في عالم التكنولوجيا، مغرما بنجاح الشركة السابق. وقد فشل في إدراك التغيير الذي كان مطلوباً لتمكينها من الحفاظ على قدرتها التنافسية. كما شرعت الشركة في تنفيذ برنامج يائس لخفض التكاليف، والذي تضمن إلغاء الآلاف من الوظائف.

حكاية نوكيا ارتبطت دائما بقصص فشل المدراء
وقد ساهم هذا التمشي في تدهور ثقافة الشركة الحماسية النشطة التي حفزت موظفيها لخوض المجازفات وتحقيق المعجزات. فاضطر قادة مهرة إلى ترك الشركة آخذين معهم حس الرؤية والاتجاه الذي كانت تتمتع به شركة نوكيا، ولم يكن من المستغرب أن يترك الشركة أيضا العديد من أصحاب المواهب في التصميم والبرمجة”.

وفي النهاية كان لا بد من أن ينتهي كل شيء بالفشل، طالما أن الشركة لم تستطع أن تغير موقعها في السوق. فخلال الفترة التي أدار فيها إيلوب منصبه، انخفضت إيرادات الشركة بنسبة 40 بالمئة، وأرباحها بنسبة 95 بالمئة، وانهارت حصة الشركة في سوق الهواتف الذكية من 34 بالمئة إلى 4 .3 بالمئة، في حين تراجع تصنيفها الائتماني إلى درجة “سيء”. كما انخفض سعر سهم نوكيا بنسبة 60 بالمئة، وفقدت الشركة 13 مليار دولار من قيمتها السوقية.

في بداية شهر يوليو من عام 2013 أعلنت نوكيا عن إقالة إيلوب من منصبه. وفي بداية سبتمبر استحوذت شركة مايكروسوفت على جميع أعمال شركة نوكيا المتعلقة بالأجهزة والخدمات، بالإضافة إلى حصولها على ترخيص باستخدام براءات اختراعها في صفقة بلغت قيمتها 7.2 مليار دولار.

الحماس أم العمل؟

المتابعون لعالم التقنيات يترصدون في هذه الأيام خطوات نوكيا الجديدة، إنهم يدققون في كل التفاصيل، ولكنهم يعرفون أن قدرة الشركة على العودة تبقى مشروطة بما ستقدمه كجديد في السوق. إذ لا يكفي أن تعود بجهاز يستخدم نظام أندرويد كي تدفع المستهلكين إلى اقتناء السلعة، بل يجب أن تضيف شيئا ملفتا، وإذا أخذ بعين الاعتبار أن الشركات المنافسة لم تتوقف عن الإضافات المتكررة في الأجهزة التي تطرحها بدورها، فإن هذا يضع على عاتق فريق نوكيا أعباء إضافية، وضرورة بذل جهود خارقة من أجل إعادة العلامة التجارية إلى الموقع الذي فقدته. فهل سيقدر هؤلاء على اجتراح المعجزة؟ ربما يحتاج الأمر إلى الكثير من دراسة واقع السوق، مع التخفيف قليلا من سقف التوقعات الحماسية، كي لا يصدم المستهلكون بفجوة ما بين واقع السلعة وأحلام صانعيها.

نوكيا جهاز داعش المفضل

نوكيا حاولت كبح جماح تأخرها

أخبار عودة أجهزة نوكيا إلى السوق، والتي بدأت بالظهور منذ العام 2015، لم تكن مثيرة بالقدر ذاته الذي أظهره تقرير كشفت عنه منظمة “كونفليكت أرمامينت ريسيرش” غير الربحية، المتخصصة في مراقبة الأسلحة الحربية والذخائر على المستوى الدولي، نشر في شهر أبريل الماضي، وجاء فيه أن عناصر تنظيم داعش يفضلون استخدام هاتف “نوكيا 105”، كونه رخيص الثمن وبطاريته تدوم طويلا، كما أنه كثيرا ما يستخدم لتفجير القنابل، رغم عدم وجود كاميرا به أو تطبيقات.

وبحسب شبكة “إن بي سي نيوز” الأميركية، التي نقلت التقرير، فإن المنظمة وثقت في دراسة لها حول المكونات المدنية في قنابل تنظيم داعش، التحفظ على 10 هواتف من هذا النوع، من مقاتلين تابعين للتنظيم في العراق ديسمبر 2014. وقالت المنظمة إن “داعش استخدم هذا الهاتف باستمرار دونا عن الهواتف الأخرى في صناعة نوع معين من العبوات الناسفة التي يتم التحكم بها عن بُعد”.

ويُستخدم هاتفان في هذه العملية، الأول فيهما تُرسل عن طريقه الإشارة إلى الدارات الكهربائية فينتج عن ذلك الانفجار. ورغم وجود هواتف محمولة عديدة رخيصة الثمن وتستمر بطاريتها لوقت طويل، وإنه لا يوجد شيء مميز فيها لتفجير العبوات الناسفة عن بعد، فإن عناصر داعش يصرون على استخدام “نوكيا 105”.

مدير العمليات بالمنظمة، جوناه ليف، يقول إن هناك سببين وراء تفضيل داعش لهذا الهاتف، وهما وجوده بكثرة وأيضا كونه مناسبا. ويضيف أن مقاتلي داعش تمكنوا من إيجاد طريقة للحصول على كميات ضخمة من نوعية الهواتف هذه، إما عن طريق سرقتها بكميات كبيرة وإما عن طريق شرائها، وهو ما لاحظوه في الـ”سيم كارد”، وهذا إن كان صحيحا فسيمكن صانع القنابل بالتنظيم من وضعها بأي نموذج أثناء تدريب المقاتلين على كيفية صناعة متفجرات. ولم يرد في التقرير ضلوع أي دولة أو شركة، حتى مايكروسوفت التي استحوذت على نوكيا، في نقل بضائع إلى التنظيم الإرهابي.

14