"نوميديا" رواية مغربية عن الشقاء الاجتماعي ولعنة الذاكرة

التباشير بالسقوط تجعل المرء يقف أمام حياته ليتأمّلها ثم يخضع ما فيها للمحاكمة عبر استعادتها، ليرى إن كانت تستحق أن تُدعى حياة، لكن ماذا لو كانت لوثة الذاكرة وشدّة الخسارات هي ما يشكّلها، بحيث يغدو الإنسان ضحيّة نفسه وقدره، في روايته “نوميديا”، الصادرة عن “دار الآداب”، يقدّم الكاتب المغربي طارق بكاري حكاية مراد أو أوداد، الطفل الأمازيغي اللقيط الذي عاش حياته من القاع وصولا إلى القمة ثم يعود إلى منشئه حيث سينهار.
السبت 2015/08/15
الرواية تتطرق كذلك إلى إشكاليات الهوية والانتماء في المغرب

رواية “نوميديا”، لطارق بكاري تبدأ باعتراف بجريمة قتل مراد والتآمر على حياته، وذلك في جزء من مسودات رواية أخرى تكتبها الفرنسيّة جوليا “ك” بصوتها، لنكتشف لاحقا حكاية مراد تحكى بصوته عن عودته إلى قريته إغرم مع عشيقته جوليا، التي تخادعه في سبيل إكمال مسودة روايتها. “نوميديا” تحكي قصة مراد لكن بعدة أصوات سردية، لتكون كلها حياة مراد أو أوداد الطفل الأمازيغي اللقيط الذي لاحقته لعنات أهل القرية، وأجبرته على الرحيل عن قريته ليتحوّل إلى كاتب مشهور ينتقد الإسلام الأصولي في المغرب والأعمال الإرهابية، مما جعله يتعرض إلى تهديد دائم بسبب مواقفه هذه، حتى أنها أودت بحياة صديقه مصطفى عوضا عنه.

لكن حقيقة هذا النجاح تخفي وراءها معاناة مراد الذي كان يزور طبيبا نفسيا ليحكي عن معاناته وذكرياته في قريته، وخصوصا بعد انتحار حبيبته خولة التي كانت حبلى بطفله بعد رحيله خلال سنوات الجامعة للدراسة خارجا، فتكون هذه المأساة بداية سقوطه في جحيم الذاكرة ما جعله يعود إلى قريته وفق نصيحة الطبيب النفسي كنوع من التطهير.

تتداخل الهلوسة مع الحقيقة التاريخية والحقيقة الروائية لنكون أمام رواية تختبر السرد نفسه وآليات التعامل مع الذاكرة لتنكشف تدريجيا جريمة قتل بدم بارد كان مراد ضحيتها، إلى جانب التطرق إلى إشكاليات الهوية والانتماء في المغرب.

الخرافة والتاريخ

ضمن السرد نكتشف عددا من الأصوات التي تشكّل حياة مراد هذه، فهناك مراد الذي يحدث جوليا عن أوداد وطفولته القاسية (هو مراد ذاته بعد تغيير اسمه)، ومعاناته والصعوبات التي واجهها في القرية.

في الرواية يتداخل كل ما هو خرافي مع ما هو تاريخي حيث تحضر الأحداث السياسية التي شهدها المغرب

كذلك نكتشف حقيقة جوليا التي تآمرت مع الطبيب النفسي لشراء ملف مراد المرضي لتدخل حياته، فهي ليست حبيبته، بل هي كاتبة فرنسية تريد أن تعيش مغامرة الشرق لكننا نكتشف تورطها عاطفيا مع مراد عبر مسودات روايتها التي تكتبها عنه وكيف عملت على تسميمه من أجل أن يبوح بكل شيء،وهو ما أدّى إلى دخوله في دوامة الهلوسة.

كذلك في الرواية هناك مذكرات حبيبته خولة والتي تحكي بصوتها كيف هجرها وكيف عانت وجنينها إثر رحيله ثم إقدامها على الانتحار، كذلك نضال التي تزوره فجأة في القرية والتي أيضا تهيم به حبا وتكتب ذلك شعرا، ثم فجأة تظهر نوميديا التي يتزامن ظهورها مع اكتشافه حقيقة جوليا وروايتها، لتكون نوميديا الملكة الأمازيغية الصمّاء آخر عذاباته والتي لا ندري إن كانت حقيقة أم خيالا لكنها أيضا شاركت في قتل مراد أو الوعل كما كان اسمه أيضا.

يتداخل في الرواية ما هو خرافي مع ما هو تاريخي حيث تحضر الأحداث السياسية التي شهدها المغرب إلى جانب الخرافات الشعبية التي تعبق بها الرواية وكأننا أمام نص مفتوح على التأويل ما يجعل كل مستوى من المستويات السردية قادرا على تقديم حكاية أو جزء منها، لتتكامل كلها في شخص مراد الذي يمثل المناضل اليساري الداعي إلى الحريات، ونهايته كمجنون لاحقه ماضيه وأصابه بمس نتيجة فتاة فرنسية (جوليا)، أرادت تحويله إلى مادة أدبيّة تشبع بها شغفها للكتابة وفضولها الروائي.

الكاتب ينسج رواية تختبر السرد نفسه وآليات التعامل مع الذاكرة

هذه التقنية التي تستخدم الحقيقة التاريخية مرجعا لها تجعل من الخيال أسلوبا لمحاكمة التاريخ وقراءة حقيقة أحداثه وأساليب تمثيلها، ليكون الخيالي/السردي سلاحا لتفكيك ما هو صورة عن التاريخي في محاولة اكتشاف حقيقته من وجهة نظر مختلفة.

كائنات جنسية

يحضر الجنس بصورة كبيرة في الرواية بصورتيه الشبقية والمجازية، وكأنه وسيلة مراد للاستمرار، وهذا ما يتضح في تعلق النساء به جنسيا، ففحولته التي أسرت النساء، تبدو كعلاج للخسارات، فكلما اقترب الموت واشتدت وطأته، أزداد شبق مراد وقدرته الجنسية، وكأن الجنس امتداد لجسد مراد النازف باستمرار في أجساد الآخرين.

جسد مراد المنهار يحاول أن يَبُث ما تبقى فيه من حياة في الآخرين، لكن مراد أقرب إلى الطاعون، نراه ينتشر في عشيقاته جسدا وذاكرة، حيث يحتلّ كلماتهن وهواجسهن، وخصوصا النساء اللاتي يَنهرن أمامه، بالرغم من أن جوليا كانت تمثّل في البداية وتخون مشاعره في سبيل روايتها كما أرسلت له تهديدات كاذبة بالموت كي تجعله يبوح، إلا أننّا نراها أدمنته وهامت بحبه، كذلك نضال حبيبته أيام الجامعة التي بالرغم من طول فترة الانقطاع بينهما نراها عادت إليه لترتمي في أحضانه، أما هو وبانصياع وشبق هائل لرغبات الجسد بوصفها مؤشره الأخير على الحياة نراه يمشي بينهم ضحية ذاكرته وخساراته التي تشكّل جزءا من حكايته السحرية.

الرواية تنتهي بانهيار الشخصيات المحيطة بمراد حيث تتلاشى من حياته، حتى جوليا التي أدمنت حبه تنهار بعد موته اللامؤكد، أمّا هو وفي مشهد شعري أقرب إلى مشهد العاصفة بمسرحية الملك لير لـ”وليم شكسبير” نراه يركض بين الجبال ويصرخ باسم نوميديا التي أحبها في خياله، صيغة مأساوية ورومانسية في ذات الوقت تلك التي نرى فيها مراد وهو يستسلم لموته ولمصيره بعد أن خانه الجميع إلا ذاكرته التي تحضر كشريط سريع وهو يجري نحو موته الذي ينتهي برصاصة لا نعلم من أين ولا إن كانت واقعا أو خيالا.

16