نووي إيران: ساعة الصفر تقترب ولا مؤشرات إيجابية في أفق المحادثات

بقي أقل من أسبوع للتوصّل إلى اتّفاق ينهي سنوات طويلة من المفاوضات المراوغة والفاشلة بين إيران والقوى الغربية، بشأن برنامج طهران النووي. وسيكون لهذا الاتفاق، الذي لا تلوح في الأفق أي بوادر {نهاية سعيدة}، تأثير على منطقة الشرق الأوسط حيث تتورّط إيران في الصراعات الدائرة في المنطقة. وفيما يتوقّع مسؤولون إلى تمديد المفاوضات، لأيام أخرى، بعد انتهاء مهلة 30 يونيو، يراقب عدد من القوى الإقليمية الموقف بإهتمام، إذ تخشى عديد الدول من أن التوصل لاتفاق ضعيف سيحول دون الحد من طموحات إيران النووية، كما أن انهيار المفاوضات سيشجعها على أن تصبح دولة نووية.
الخميس 2015/06/25
رفع العقوبات ضرورة ملحة بالنسبة للنظام الإيراني

طهران - تفصل أيام قليلة عن التوصّل لاتفاق نهائي بين إيران والقوى الست الكبرى حول البرنامج النووي لطهران، لكن ما يزال من غير الواضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتمكنان من التوصل بالفعل لاتفاق “تاريخي” ينهي أكثر من 12 عاما من الخلاف الغربي الإيراني؛ فيما المؤشّرات تنبئ بأن الطريق لايزال طويلا أمام اتخاذ قرار حاسم. وقد فشل الطرفان العام الماضي في تحقيق أي تقدّم ملموس، الأمر الذي فرض تمديد المفاوضات إلى نهاية يونيو الحالي.

وأحدث هذه المؤشّرات تصريحات المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، أول أمس الثلاثاء، التي جدّد فيها تأكيده على الخطوط الحمراء لبلاده في المفاوضات النووية مع الدول الكبرى، مطالبا “برفع فوري للعقوبات في حال التوصل إلى اتفاق ورافضا أي تفتيش دولي لمواقع عسكرية إيرانية”، متهما واشنطن بالسعي “لتدمير الصناعة النووية الإيرانية برمتها”.

وضاعف خامنئي، الذي ينظر إلى الملف النووي باعتباره مسألة أمن قومي، من فرص المشكّكين في تحقيق أي اتفاق معقول مع إيران، حين قال “يجب رفع كل العقوبات المالية والاقتصادية التي فرضها مجلس الأمن الدولي والكونغرس الأميركي أو الحكومة الأميركية على الفور، و”إلغاء العقوبات لا يجب أن يربط بتطبيق إيران لالتزاماتها”.

وأضاف المرشد الأعلى “خلافا لما يطالب به الأميركيون بإلحاح فنحن لا نوافق على فترة تقليص طويلة (لأنشطة تخصيب اليورانيوم) تبلغ 10 سنوات أو 12 سنة، وقد أبلغناهم بعدد سنوات التقليص الذي نقبل به”. كما شدد خامنئي على ضرورة أن تواصل إيران الأبحاث والتطوير في المجال النووي خلال هذه الفترة.

وتأتي هذه التصريحات، التي أدلى بها أمام جمع من كبار المسؤولين في البلاد يتقدمهم الرئيس حسن روحاني، قبل أسبوع من المهلة المحددة للتوصل إلى اتفاق نهائي بين إيران والدول الكبرى ترفع بموجبه العقوبات عن إيران مقابل تقديمها ضمانات كافية لإثبات أن برنامجها النووي سلمي بالكامل ولا يخفي خلفه شقا عسكريا سريا كما يتهمها الغرب بذلك.

ويسعى روحاني “المعتدل” إلى إنهاء عزلة إيران الدبلوماسية، وتحقيق اتفاق كفيل برفع العقوبات التي شلت الاقتصاد، لكن تصريحات خامنئي والقانون الذي صادق عليه البرلمان الإيراني، أول أمس الثلاثاء، بشأن تفتيش المنشآت العسكرية، يعكسان المقاومة التي يواجهها روحاني داخليا، ويؤكّدان مراوغة المحافظين الإيرانيين ومساعيهم للاستفادة قدر الإمكان من المفاوضات حول النووي مع القوى الغربية، خاصة وأن العقوبات بدأت تصيب النظام في مقتل مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية وانهيار الاقتصاد.

رفع العقوبات المتعلقة بالنووي الإيراني لا يعني رفع العقوبات المتعلقة بدعم الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان

وقد أبرمت طهران ومجموعة خمسة زائد واحد (الولايات المتحدة والصين وفرنسا وبريطانيا وروسيا وألمانيا) اتفاق إطار مرحلي في الثاني من أبريل في لوزان. وبات أمام الأطراف المتفاوضة الآن مهلة حتى 30 يونيو لتوقيع اتفاق شامل ونهائي يضمن الطبيعة السلمية البحتة لأنشطة إيران النووية مقابل رفع العقوبات الدولية المفروضة عليها.

ورغم التوصّل إلى اتفاق حول بعض التفاصيل التقنية بخصوص النووي الإيراني، إلا أن هناك نقطتين رئيستين مازالتا محلّ خلاف وهما: زيارة المراقبين الدوليين للمنشآت العسكرية الإيرانية والرفع التام للعقوبات التي فرضتها الدول الغربية ومجلس الأمن على إيران.

عقبة المواقع العسكرية

الكلمة النهائية في المسائل الأساسية في إيران، وبينها طبعا الملف النووي، تعود إلى المرشد الأعلى، الذي يرى في تمسّك المراقبين والمجتمع الدولي بزيارة المواقع العسكرية طلبا مبالغا فيه؛ وفيما لم يتمّ التوصّل إلى حلّ لهذه النقطة، مع ملف العقوبات، فلن يتحقّق أي تقدّم ملموس في هذا الملف بحلول 30 يونيو 2015.

وكانت فرنسا وبريطانيا أكدتا أن أي اتفاق سيتم التوصل إليه بين إيران ومجموعة 5+1 يجب أن “يتضمن نظام تحقق متقدما يشمل حتى المواقع العسكرية”.

وقد أكّد وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس أن بلاده لن تؤيّد أي اتفاق مع إيران إلا في حال كان “واضحا بأنه يمكن القيام بعمليات تفتيش لكافة المنشآت الايرانية بما فيها المواقع العسكرية”. ويقول المراقبون، إن تفتيش المواقع العسكرية لإيران ضروري لرصد أي مخالفة يمكن أن ترتكبها إيران خاصة وأن المجتمع الدولي لا يثق كثيرا في وعودها.

وقال دبلوماسي غربي إن “عمليات التفتيش على المواقع العسكرية من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة ومقابلة العلماء الإيرانيين أمر مهم للمراقبة وضمان عدم اختفاء الأشياء”.

حسن روحاني: لا تزال هناك العديد من الخلافات حول تفاصيل الاتفاق النووي

الأمر الذي اعتبره المرشد الأعلى الإيراني على خامنئي “مطالبا غير معقولة” من جانب القوى العالمية، مردّدا مزاعم طهران بأنها لا تطمح “لتطوير سلاح نووي”. ووعد خامنئي بـ”عدم السماح بأي تفتيش للمواقع العسكرية من قبل أجانب”.

وفي خطوة لتأكيد ذلك، صادق البرلمان الإيراني، أول أمس الثلاثاء، على قانون يحظر تفقد الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمنشآت عسكرية في إيران، بما قد يعرض الاتفاقية النووية المخطط إبرامها للخطر.

وكانت معلومات وصلت إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 2011، مفادها أن طهران قد تكون أجرت أبحاثا حتى سنة 2003، وربما بعد ذلك التاريخ، لامتلاك القنبلة الذرية، وهذا ما سماه الدبلوماسيون “البعد العسكري الممكن” للبرنامج النووي الإيراني. ويتطلب التحقيق بشأن هذا البعد أخذ عينات من بعض المواقع التي يعتبر جزء منها عسكريا، واستجواب علماء إيرانيين بخصوص أبحاثهم.

وتطالب الوكالة منذ سنوات بتفتيش منشأة بارشين العسكرية بضاحية طهران، التي تعدّ من أبرز المواقع وأولها التي ترغب في العودة إليه أكثر من غيره بعد زيارتين سابقتين في 2005. فبحسب الوكالة الأممية ثمة مؤشرات تبعث على الاعتقاد بإمكانية القيام بعملية “تنظيف” فيها.

تأثير العقوبات

بقدر ما تكتسي مسألة تفتيش المواقع العسكرية أهمية كبرى لدى الطرفين المعنيين بالمحادثات النووية، تكتسي مسألة العقوبات المفروضة على إيران، أيضا، أهمية كبرى، وهي من نقاط الخلاف الرئيسية في المحادثات؛ حيث تطالب طهران برفع العقوبات فور التوصل إلى اتفاق، بينما قالت القوى الدولية إنه لا يمكن رفعها إلا على مراحل واعتمادا على التزام طهران ببنود الاتفاق. ويتطلب رفع العقوبات الدولية في العادة قرارا ملزما صادرا عن أغلبية أعضاء مجلس الأمن من دون أي من الدول الخمس الدائمة العضوية (الذين هم جميعا طرف في المفاوضات) من أجل إقرار النقض.

وفرضت كل من الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي عديد العقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي، منذ أن كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة في سبتمبر عام 2005، أن طهران لم تكن ملتزمة باتفاقاتها الدولية في ملف الطاقة.

العقوبات المفروضة على إيران من نقاط الخلاف الرئيسية في المحادثات، حيث تطالب طهران برفع العقوبات فور التوصل إلى اتفاق

وقادت الولايات المتحدة، التي كانت عرّابة البرنامج النووي الإيراني في خمسينات القرن الماضي، جهودا دولية لعزل طهران ماليا ومنع الترفيع في معدل صادراتها النفطية قصد الحد من جهود إيران المحتملة لتطوير قدراتها النووية من أجل حيازة الأسلحة النووية ودفعت الحكومة الإيرانية إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات. وتنقسم هذه العقوبات المفروضة على إيران إلى نوعين: عقوبات مرتبطة ببرنامج إيران النووي سيتم تعليقها أو رفعها، وأخرى غير مرتبطة بالملف النووي وبالتالي المفروض أنها لن تشهد تغييرا بالتقليص منها أو إلغائها. لكن، يبدو أن إيران تسعى لاستغلال رغبة الغرب في تحقيق اتفاق معها بأي ثمن، لتكون الرابح الأكبر، وتتخلّص من كل العقوبات التي أثقلت كاهلها وأضعفت اقتصادها وباتت تهدّد النظام الولي الفقيه.

وكان للعقوبات الدولية تداعيات خطيرة على الاقتصاد الإيراني. حيث قدر وزير الخزانة الأميركي جاكوب ليو أن الاقتصاد الإيراني تراجع في أبريل عام 2015 بحوالي 15-20 في المئة مما لو لم يتم فرض العقوبات في عام 2012، وهو ما كلف إيران خسارة ما قيمته 160 مليار دولار من عائدات النفط وحدها.

وفي الآونة الأخيرة، هبطت أسعار النفط وقد ساهم سوء الإدارة الاقتصادية في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، في انكماش اقتصادي. أثارت عدة سنوات من التقشف المطالب العامة لزيادة الإنفاق المحلي، بما في ذلك البنية التحتية لصناعة النفط التي أصبحت في حالة سيئة.

يدخل الماراثون الدبلوماسي الهادف للتوصل إلى اتفاق تاريخي يحول دون امتلاك إيران سلاح نووي، مراحله النهائية

متى يتم رفع العقوبات

يصف المحلل السياسي في مجلس العلاقات الدولية، زاكاري لوبي، طبيعة الجدول الزمني لتخفيف العقوبات بأنها من بين أكثر القضايا تعقيدا خلال مفاوضات التوصل إلى اتفاق شامل. وتتوقع إيران أن يتم إلغاء “تنفيذ” مجموعة كبيرة من العقوبات بعد التوصل إلى الاتفاق.

وتفيد الأنباء أنه سيتم وقف تنفيذ العقوبات، بدلا من إلغائها، بعد التحقق من الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن إيران اتخذت كل الخطوات الرئيسية المتعلقة بالطاقة النووية. وعلى نحو مماثل، قال الاتحاد الأوروبي سوف يتم “إنهاء العقوبات الاقتصادية والمالية المتعلقة بالطاقة النووية… وفي نفس الوقت تقوم الوكالة من التحقق من تنفيذ إيران لالتزاماتها النووية”.

لكن اختلفت التصريحات العلنية الأميركية والإيرانية حول ما إذا كانت العقوبات سترفع في مرة واحدة. وقال أوباما “سيتم التخفيف تدريجيا وفق ما تقوم به إيران من خطوات من أجل التوصل إلى اتفاق”، وفي نفس الوقت قال روحاني إن العقوبات المالية وقرارات مجلس الأمن الدولي “سوف يتم إلغاؤها في اليوم الأول من بداية تنفيذ الاتفاق”.

وبين أخذ وردّ يدخل الماراثون الدبلوماسي الهادف للتوصل إلى اتفاق تاريخي يحول دون امتلاك إيران سلاح نووي، مراحله النهائية.

ويفصل أقل من أسبوع عن ساعة الصفر لتحقيق الاتفاق النهائي، الذي سيكون على درجة كبيرة من التعقيد حيث يضع جدولا زمنيا محددا لرفع العقوبات والخطوات من جانب إيران، إضافة إلى آلية التعامل مع انتهاكات محتملة؛ كما أن أي نتيجة سيتم التوصّل إليها سيكون لها تأثير على منطقة الشرق الأوسط وما يجري فيها من أحداث.

7