نيتشه والنساء

الثلاثاء 2014/10/21

كتب الكثيرون عن الحياة العاطفية للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844-1900)، ومنهم من تعمّق أكثر في حياته الجنسية، طارحاً عدة تساؤلات: هل كان نيتشه مثلياً؟ هل كان ثنائي الميول (Bisexual)؟ أم كان فقط محروماً من الجنس وكارهاً للنساء؟؟

بالعودة إلى البيت الذي نشأ فيه نيتشه، نجد أنّ أسرته كانت تتألف من والدته وجدّته واثنتين من خالاته، بالإضافة إلى شقيقته إليزابيث التي تكبُرُه بعامين. حيث توفي والده عندما كان في الخامسة من عمره، وقد جعلته هذه الوفاة تابعاً وخاضعاً بالكامل للنساء. كرّستْ هذه الأسرة النسائية نفسَها لتربية نيتشه وتدريبه بقسوةٍ على القيم المسيحية: ضبط الأهواء- التواضع- الغيرية..، فكانتْ هذه الحياة، بالنسبة إلى طفلٍ بشخصية نيتشه شيئاً لا يُطاق. كما يمكن من خلالها تفسير ردّة فعله العنيفة على الأخلاق المسيحية، ذات الجذور اليهودية والرواقية والكلبية (Cynism)، واصفاً الرحمة والتسامح والتضحية بأخلاق العبيد.

أثناء دراسته في الجامعة، كان نيتشه يتردّد على بيوت الدعارة، أو ربما فعل ذلك لمرة واحدة على الأقل، ومن هناك التقطَ جرثومة مرض الزُهري. ولم يتزوّج طوال حياته، ولا نعرف عنه سوى قصة حبّ واحدة.

تتنوّع آراء نيتشه عن المرأة وتتناقض، ففي بعض كتاباته نراهُ يُطري عليها بشكل كبير: “النساء يمتلكنَ الذكاء، الرجال يملكون الشخصية والمنصب”، وقال عن ذكائها أيضاً: “الغباء عند المرأة، ليس من الأنوثة”، ويقول كذلك: “هل هنالك حالة مقدّسة أكثر من الحَمْل؟”، وفي حاجة الرجل إلى المرأة: “الدواء المؤكّد للرجال، عند شعورهم بالهوان، هو عشق امرأة حساسة”.

لكنّ الآراء المنتقدة للمرأة تهيمن على كتاباته: “المرأة، في جوهرها، غير مسالمة”، وعن علاقتها مع الرجل: “في الحب وفي الانتقام، المرأة أكثر بربريةً من الرجل”، وأيضاً: “الرجل الحقيقي يريد شيئين: الخطر والتسلية، ولهذا فهو بحاجة إلى المرأة، لأنها أكثر الألعاب خطورةً”، ويقول في مكان آخر: “المرأة الكاملة، تقطّعكَ إرباً عندما تحبّك” وهنا يحيّرنا نيتشه في أمره، هل يقصد بهذه العبارة الذمّ أم الإطراء؟

إذاً، فلنقلْ إن نيتشه كان منجذباً إلى الجنس الآخر (Heterosexual)، وكان محروماً جنسياً، وكان عاشقاً للمرأة القوية، وهذه معضلته الدائمة: “الرجل بالنسبة للمرأة ليس سوى وسيلة، لتحقيق غايتها بإنجاب طفل. لكنْ ما تكون المرأة بالنسبة للرجل؟”.

لقد تعمّق نيتشه كثيراً في علاقة الرجل مع المرأة، فتظهر عنده كعلاقة مركّبة ومتناقضة ومعقّدة، لا يمكن تفسيرها بالثنائيات الجاهزة: (حب- كراهية، رغبة- نفور)، فنراهُ منهزماً أمام المرأة عمقياً، ومنتصراً عليها ظاهرياً، وكأنه يعيش حالةً من السادو- مازوخية.

تقدّم نيتشه بطلب الزواج من فتاة ألمانية تدعى (ماتيلده ترامبيداخ) عام 1876، لكنها رفضتْ طلبه. ويبدو أنه وقع في الحبّ الحقيقي لمرة واحدة في حياته، عندما التقى بالشاعرة الروسية لو سالومي (Lou Salome) عام 1882، والتي ستصبح عشيقة سيغموند فرويد لاحقاً.

تعرّف نيتشه على سالومي في روما، عن طريق صديقهما المشترك، عالم النفس الألماني بول ريه (Paul Ree)، وبعد يومين فقط من لقائه الأول مع سالومي، تقدّم نيتشه بطلب الزواج منها، فرفضته قطعاً. بول ريه هو الآخر كان مغرماً بسالومي أيضاً، وفي بعض الأحيان، كانت “العلاقة الثلاثية” ممكنة. لكنّ نيتشه وبعد فترةٍ قصيرة، خسر الاثنين: صديقه وحبيبته، ليدخل بعدها في حالةٍ من الاكتئاب والخذلان واليأس، بدأ فيها بتأليف أشهر كتبه “هكذا تكلّم زرادشت” عام 1883. ومن الواضح أن شخصية زرادشت، الرجل المتجوّل في بلدانٍ غريبة، هي شخصية نيتشه نفسه.

21