نيتفليكس يظلم شاشات دور السينما

بالنسبة إلى أسرة مكونة من أربعة أشخاص تكلّفها مشاهدة فيلم في السينما 40 دولارا، بالإضافة إلى كونهم يحتاجون لشراء بعض المكسرات والمشروبات الغازية والحلويات. فقد تحول الذهاب إلى السينما إلى رحلة تكلف 60 دولارا، ورغم ذلك لا يزال الكثيرون يعتقدون أن دور السينما ستكافح شركات مثل نيتفليكس وأمازون وأبل من أجل البقاء على قيد الحياة.
الثلاثاء 2016/05/24
الأفلام تأتي إلى البيت، فلا داعي لملاحقتها

لندن - وصل الكثيرون إلى قناعة بأن أبواب دور السينما تغلق شيئا فشيئا كنتيجة حتمية لتراجع متزايد في عدد روادها الذين تحولوا إلى عملاء شركات تسعى لبث المحتوى في نفس وقت عرضه في السينما.

وتتنافس شركات، مثل نيتفليكس وأمازون وأبل تي في في للاستحواذ على أكبر عدد من العملاء الذين سئم العديد منهم إنفاق الكثير من الأموال من أجل قطع مسافة كبيرة بالسيارة للذهاب إلى السينما ومشاهدة فيلم. وبدلا من ذلك يفضل هؤلاء توفير الوقت والمجهود عبر مشاهدة الفيلم على شاشة تلفزيون المنزل.

وإذا ما خفت بريق دور العرض أمام شركات تعتمد على التكنولوجيا بشكل كبير لدفعها جانبا، فستكون دور السينما قد لحقت بصحف ورقية تكافح مواقع إلكترونية تحاول بدورها دفعها جانبا.

وتراجعت أرباح دور السينما وباتت حلقة واحدة من سلسلة كبيرة أحدثتها ثورة الإنترنت التي قضت على مبدأ الشاشة والورق.

ولم يكن لدى الكثيرين في السابق تكبد عناء الذهاب من أجل البحث عن أسطوانة “دي في دي” يتم وضعها في جهاز الكومبيوتر لمشاهدة فيلم واحد.

اليوم باتت الخيارات المعروضة على الإنترنت لا نهاية لها، وصار من الشائع أن يأتي الفيلم بنفسه في ما يشبه “الديلفري” (خدمة توصيل الطلبات للمنازل).

تعيش دور السينما تهديدا حقيقيا ناجما عن انتشار الأفلام على منصة نيتفليكس، لكن ذلك قد يجعل الأعمال السينمائية تسقط في البحث عن الربح وتفقد رونقها خلال السنوات المقبلة.

وكان الإسفين الأخير الذي دق في نعش السينما هو إعلان شركة نيتفليكس أنها ستشارك في إنتاج تكملة لفيلمي “كراوشينغ تايغر” (النمر الرابض)، و”هيدن دراغون” (التنين الخفي) الحائزين على جائزة الأوسكار، واللذين سيصدران خلال الصيف المقبل. وسيتم عرضهما في دور العرض، كما سيتم عرضهما عبر منصة نيتفليكس في الوقت نفسه.

وبالإضافة إلى ذلك سيأخذ الممثل الكوميدي والمنتج آدم ساندلر أربعة أفلام بشكل حصري ليتم عرضها على منصة نيتفليكس، وهناك الكثير من الأفلام عالية الجودة ستتخطى الشاشة العملاقة.

لماذا تنفق أكثر من 10 دولارات للذهاب إلى دور السينما من أجل مشاهدة أحد الأفلام، في الوقت الذي يملك فيه الناس شاشة عملاقة بالمنزل؟

وخلال الصيف أصدرت شركة وينشتاين (التي أنتجت فيلم ‘كراوشينغ تايغر’ مع نيتفليكس) فيلم الخيال العلمي “سنوبيارسا” (محطم الثلج). وعندما تم عرضه في القاعات، كان بإمكان المستخدمين مشاهدته في شكل فيديو بحسب الطلب في نفس اليوم الذي تم إصداره فيه.

وطرحت وسائل إعلام عدة حينها السؤال الكبير: لماذا تنفق أكثر من 10 دولارات للذهاب إلى دور السينما من أجل مشاهدة أحد الأفلام، في الوقت الذي يملك فيه الناس شاشة عملاقة في المنزل؟

وبالنسبة إلى أسرة مكونة من أربعة أشخاص تكلفها مشاهدة فيلم في السينما 40 دولارا، بالإضافة إلى كونهم يحتاجون لشراء بعض المكسرات والمشروبات الغازية والحلويات. لقد تحول الذهاب للسينما إلى رحلة تكلف 60 دولارا. يمكنك استئجار فيلم “سنوبيارسا” لمشاهدته في المنزل وأنت جالس وأمامك وعاؤك الخاص المليء بالمكسرات.

لكنّ كثيرين مازالوا يعتقدون بأن الذهاب إلى دور السينما أمر شيق.

ويقول جاكوب دونيلي، مؤسس موقع “سايبت وكوين بريف” لتحليل التكنولوجيا، “أوافق على أن رؤية أحد الأفلام على الشاشة الكبيرة أمر رائع ولا مثيل له. أحيانا نحتاج فقط لهذه الشاشة الكبيرة وشيء من الضوضاء الصاخبة والكثير من الاستمتاع”. وأضاف “لكن الفيلم الذي يستحق إنفاق 60 دولارا من أجل مشاهدته هو أيضا من الأفلام التي أرغب في مشاهدتها على إيماكس. الشاشة أكبر والصوت أعلى، وهذه أفضل تجربة لمشاهدة الأفلام ثلاثية الأبعاد”.

جاكوب دونيلي: الفيلم الذي يستحق إنفـاق 60 دولارا من أجل مشاهدته هو أيضا من الأفلام التي أرغب فـي مشاهدتها على إيماكس

وتابع “إن الذهاب لمشاهدة فيلم في قاعة السينما المجهزة بأحدث التجهيزات ومشاهدته على شاشة نموذجية لا يستحقان الكثير من المال. يمكنك الحصول على المزيد من الأفلام بمبلغ أقل”.

حلاوة روح

وبات مؤكدا أن دور العرض لن تختفي بين عشية وضحاها، بل على العكس لا يزال البعض منها يشهد في العديد من المناطق ازدهارا.

لكن بعض دور السينما الأخرى تأثر بشكل كبير بظهور شركات مثل هولو ونيتفليكس وأمازون التي تقدم محتوى جديدا أصدرته بشكل مباشر على موقعها، ومن ثمة تراجعت الحاجة للذهاب إلى دور العرض.

ويتطلب ذلك تحولا في الاستراتيجية متعددة الأوجه، إذ أن دور العرض التي كانت تحتوي في السابق على 20 شاشة، قد تضطر إلى استخدام عدد أقل من الشاشات، أو أنها يمكن أن تدمج الشاشتين الصغيرتين في واحدة كبيرة.

لكن يبدو أن نيتفليكس تسعى إلى ألاّ يغادر المرء منزله ثانية. إذا كان أحدهم يكره إنفاق أمواله في مشاهدة أحدث أفلام هوليوود في دور العرض، فإن نيتفليكس تسعى إلى التأكيد على أنها قادرة على منحه هذه الفرصة، عن طريق السماح له بمشاهدة جميع أفلام هوليوود الجديدة وهو متكئ على أريكته. وفي تقدير نيتفليكس هذا من شأنه أن يجعل الأفلام أفضل. ومن المؤكد أن أرباح نيتفليكس ستتحسن.

ويقول تيد سارندوس، وهو رئيس قسم المحتوى في شركة نيتفليكس، خلال كلمة ألقاها في منتدى السينما المستقلة في العام 2013 في لوس أنجليس بولاية كاليفورنيا “لم لا يتم عرض الأفلام على نيتفليكس في نفس يوم عرض الافتتاح في دور العرض؟”.

وتساءل “لما لا تتم الاستجابة لرغبات المستهلكين في مشاهدة الأشياء عندما يريدون ذلك، بدلا من إنفاق الملايين من الدولارات من أجل توجيه الإعلانات إلى أشخاص ربما يقطنون بعيدا عن دور العرض؟”. وأكد سارندوس “ليست الأفلام القصيرة فحسب وإنما الأفلام الطويلة أيضا.”

وتعرف شركة نيتفليكس على نطاق واسع بأنها مصدر للأفلام القديمة وآخر مواسم البرامج التلفزيونية، لكن الشركة في المقابل تسعى جاهدة إلى تقديم كافة المحتويات.

مقاومة

وتحصل نيتفليكس أحيانا على حقوق بث بعض الأفلام الجديدة وربما تنتج الأفلام والمسلسلات الخاصة بها. وقال سارندوس، إن نيتفليكس تخطط لبدء إنتاج الأفلام الأصلية على منصتها.

وتضاعفت أرباح نيتفليكس أربع مرات في الربع الثالث من العام الماضي، بما أن رصيدها من العملاء الباحثين عن بث الفيديوهات في الولايات المتحدة بلغ 31 مليونا، ويتصدر عدد مشتركي الـ”هوم بوكس أوفيس” (شباك التذاكر).

تيد سارندوس: لما لا يتم عرض الأفلام على نيتفليكس في نفس يوم عرض الافتتاح في دور العرض؟ ليست الأفلام القصيرة فحسب وإنما الأفلام الطويلة أيضا

وقالت الشركة إن المشتركين استقطبهم المحتوى الأصلي بما في ذلك سلسلة مثل “أورانج إز ذا نيو بلاك” و”هاوس أوف كاردز”. ومن شأن بث أحدث الأفلام أن يساعد في تضخيم تلك الأرقام.

لكن سارندوس يدعي وجود دوافع الاستحواذ لدى نيتفليكس، مما يدل على أن نظام التوزيع الحالي للأفلام من شأنه أن يسحق الإبداع السينمائي. وأوضح سارندوس أن الخطأ كله سببه دور السينما.

وقال “أنا لا ألوم أصحاب الأستوديوهات عما يفعلونه، ولا أعتبرهم من المخطئين لأن الأستوديوهات تحاول دائما الابتكار. تم تجريب نموذج الفيديو بحسب الطلب مرات ومرات، لكن أصحاب دور العرض أخمدوا هذا النوع من الابتكار”.

وأضاف أن “سبب دخولنا هذا الفضاء ومحاولة نشر بعض أفلامنا الطويلة بهذه الطريقة، هو أنني أشعر بالقلق لأن أصحاب دور العرض لا يحاولون خنق الابتكار والتوزيع، ولا هم يسعون إلى القضاء على قاعات العرض فحسب، بل أيضا القضاء على صناعة السينما برمتها”.

وأثارت تصريحات سارندوس ردود فعل غاضبة لدى أصحاب دور العرض. وقال جون فثيان، وهو رئيس الرابطة الأميركية لأصحاب دور العرض لموقع “ديد لاين”، “إن العمل الوحيد الذي سيكون مدعوما في نفس يوم العرض بالقاعات وعلى منصة نيتفليكس هو منتج نيتفليكس”.

وتشير تجارب سابقة إلى أن خطة سارندوس قد لا تكون سهلة التحقق. ففي العام 2011، خططت شركة يونيفرسال للإنتاج الفني إلى طرح أفلامها للتأجير في نفس يوم العرض بالقاعات مقابل 60 دولارا للفيلم الواحد. لكن دور العرض قتلت هذا المسعى.

13