نيجيريا تقبل على الانتخاب تحت وطأة الإرهاب

الخميس 2015/01/15
النيجيريون يعيبون على حكومتهم تعاطفها مع ضحايا حادثة شارلي إيبدو الفرنسية وعدم مبالاتها بضحايا هجومات بوكو حرام

أبوجا - الوضع المضطرب الذي تشهده مناطق عدّة في نيجيريا جراء الإرهاب الذي تمارسه عناصر جماعة بوكو حرام المتشددة، أضحى اليوم أشدّ حلكة وسوادا خاصة مع تتالي العمليات الوحشية لهذا التنظيم.

وفي ظل تنامي صيحات الفزع التي أطلقتها جهات دولية عديدة بغاية وقف هذا التمدد الإرهابي وكفّ خطره، خاصة أن البلاد مقبلة على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، الشهر المقبل، الثابت أنها لن تُنجز في ظروف عادية، عمد تقرير صادر عن شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) إلى رصد مجمل التداعيات التي يمكن أن تنجرّ عن الوضع النيجيري القائم.

لا تزال الأخبار المفزعة تتوالى من شمال شرق نيجيريا المحاصر، حيث تفيد تقارير بأنّ الهجومات الإرهابية التي تنفذها جماعة بوكو حرام المتشددة في تصاعد مستمر وتزداد وحشيتها يوما بعد يوم، حيث بلغت، مؤخرا، حدّ استخدام فتيات صغيرات يرتدين أحزمة ناسفة لتنفيذ العمليات. كما أنّ الجماعة المتطرفة حافظت، من جهة أخرى، على زخم هجماتها التقليدية، حيث استولت، الأسبوع الماضي، على بلدة باجا التي تقع على الحدود مع تشاد، وقامت عناصرها بإعدام عدد من المدنيين. في وقت تقبل فيه نيجيريا على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، تقول اللجنة الانتخابية إنه من المحتمل ألاّ تشمل المناطق التي تسيطر عليها بوكو حرام.

تصعيد إرهابي تشهده نيجيريا ازدادت معه حدة الاحتقان بين النيجيريين الذين خير عدد منهم مغادرة البلاد خوفا من بطش المتشددين، في ظلّ تواتر أسئلة كثيرة عن الظروف التي أسهمت في “تغوّل” هذه الجماعة ومدى تغييرها لاستراتيجيتها من جهة، والأسباب التي تحول إلى حدود الآن دون نجاح مؤسسة الجيش في ردّ خطرها وكبح جماحها من جهة أخرى.


ما حقيقة الأوضاع على الأرض؟


يرى عدد من المحلّلين أنّ استخدام الفتيات الانتحاريات في تنفيذ العمليات الإرهابية لا يُعدّ طارئا جديدا في ما يتعلق بأساليب بوكو حرام. ففي شهر ديسمبر الماضي، دخلت فتاة تبلغ من العمر 13 عاماً، وقد حُمّلت بحزام ناسف، سوقاً في مدينة كانو الشمالية، ولكنها لم تفجر نفسها.

القوات النيجيرية تفشل حتى في استخدام المعلومات الاستخباراتية الموثوقة المقدمة لها من قبل حلفائها

وكانت الفتاة المراهقة قد أُمرت من قبل والدها، وهو عضو في جماعة بوكو حرام، بحمل المُتفجرات. وبالتوازي مع ذلك فقد نفذت مراهقتان أرسلتهما الجماعة المتطرفة، المهمتان اللتان كلّفتا بهما، ممّا أسفر عن مقتل الفتاتين إضافة إلى أربعة مدنيين في هذين التفجيرين.

بالمقابل، يعدّ فشل الجيش النيجيري في المحافظة على مواقعه أمرا غير جديد هو الآخر. فقد أعلنت بوكو حرام عن تعيين خليفة تابع لها في المنطقة التي استولت عليها في شهر أغسطس من العام الماضي، والتي تتضمّن 10 بلدات في ولايات أداماوا وبورنو ويوبي. هذا وتسيطر الجماعة في ولاية بورنو على 13 منطقة من أصل 27 منطقة حكومية محلية، وعلى منطقتين محليتين في ولايتي أداماوا ويوبي، سيطرة كاملة، على الرغم من أنّ الوضع متقلب جدا. وكثيراً ما اقتصر رد الجيش على الصمت أو التهديد والوعيد.

من جهة أخرى، كان الهاشتاغ السائد “JeSuisBag” (كلنا باجا) بمثابة تعليق لاذع على؛ ردّ الفعل القوي من جانب الحكومة الفرنسية والعالم، بما في ذلك السلطات النيجيرية، على عمليات القتل التي استهدفت مقر صحيفة تشارلي إيبدو في باريس، في مقابل الصمت الذي تتعامل به السلطات في أبوجا مع المأساة التي وقعت في باجا. تلك البلدة التي يبدو أن بوكو حرام قد اختارت أن تعاقبها بعقوبة خاصة بعد الاستيلاء عليها في 7 يناير. وربما يكون ذلك بسبب التحدي الذي أظهره الحرّاس المدنيّون المتطوعون، الذين يُقال إنهم قاموا بالجزء الأكبر من المقاومة في محاولة للحفاظ على البلدة بعد سقوط الثكنات العسكرية في 3 يناير.

وفي ما يتعلق بحياة المدنيين العزّل وظروفهم المعيشية في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم بوكو حرام، لا تزال التفاصيل غامضة وغير مكتملة، فقد كان رد فعل معظم الناس على وصول بوكو حرام إلى مناطق عيشهم، هو الفرار منذ البداية مما زاد من شح المعلومات، بينما لا ترحب الجماعة السلفية بالصّحفيين من أجل نقل الأوضاع كما هي. غير أنّ الروايات الواردة من تلك المناطق تشير إلى أن المسلحين، كما وعدوا، يتبعون تطبيقا صارما للشريعة الإسلامية، التي شملت عمليات بتر للأطراف لبعض الأشخاص الذين زُعم أنّه تمّ القبض عليهم لثبات إدانتهم في عدد من الجرائم.


ما هي أسباب الأداء الضعيف للجيش؟


تُعد نيجيريا، وفق تقرير شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) دليلا على أنّ الإنفاق العسكري لا يحقق الأمن بالضرورة. فقد بلغت ميزانية الدفاع لعام 2014، (2.1 مليار دولار) ووصل إجمالي المبلغ المخصص للأمن (5.8 مليار دولار)، أي أنه استحوذ على النصيب الأكبر من نفقات الحكومة.

ومع ذلك فإن العذر المعتاد هو أنّ بوكو حرام تمتلك أسلحة أحدث من القوات النيجيرية، على الرغم من امتلاك الأخيرة لمروحيات حربية وطائرات هجومية وطائرات استطلاع من دون طيار. ولعلّ التقرير الأقرب إلى الواقع في ما يتعلق بهذه المسألة، هو ذاك الذي صدر، مؤخراً، عن محكمة عسكرية نيجيرية، واشتكى فيه الجنود من تزويد كلّ منهم بـ60 طلقة فقط من الذخيرة ونقلهم إلى الجبهة في شاحنات تحميل وتفريغ (قلاّبات). بالإضافة إلى عدم تمكينهم من رواتبهم للأشهر الخمسة الماضية.

من جهة أخرى، يقول مراقبون إنّ الفساد هو العدو الأكبر لنجاح المؤسسة العسكرية وتقدّمها، حيث يستنزف كبار الضبّاط الأموال والوقود المخصّص للقوات.

هذا إضافة إلى الفشل المتكرّر في عمليات تدمير الذخائر والمعدات قبل تسليم المواقع إلى بوكو حرام، والذي يعد عاملا مؤسفا آخر (في ظل تاريخ نيجيريا الحافل في المشاركة في عمليات حفظ السلام) شأنه شأن عدم كفاءتها العسكرية.

في ذات السياق يؤكد المراقبون أنّه لا شكّ عندما تتوفّر القيادة والإمدادات الجيّدة للقوات فإنّها تفوز في المعارك التي تخوضها، ولكن الوضع هنا مختلف وضبابيّ الأسباب، فهنالك تقارير متكررة وردت عن فشل القوات النيجيرية حتى في استخدام المعلومات الاستخباراتية الموثوقة المقدّمة لها من قبل حلفائها.

وهاهي الحكومة الآن تسرف في إبرام عقود غامضة لشراء معدات عسكريّة جديدة، تضمّ المزيد من طائرات الهليكوبتر والعربات المدرّعة المضادة للألغام، وربما سرب جديد من طائرات “مكافحة التّمرد” التي لم يسبق لأيّ سلاح جويّ آخر أن استخدمها.

التاريخ السيئ والعـنف الملازم للانتـخابات النيجـيرية سـيحولان دون إتـمام عملـية الاقتـراع بسلام


ما هي التداعيات والانعكاسات؟


الأوضاع المأساوية التي تعيشها نيجيريا انجرّت عنها تداعيات إنسانية زادت من معاناة النيجيريين، كما نتجت عنها كذلك انعكاسات سياسية جراء تباين وجهات النظر وتغلغل “نظيرة المؤامرة” لدى السياسيين وعدم وعيهم بحقيقة الخطر الذي يكاد يعصف بالبلاد، تتلخص في:

* التداعيات الإنسانية: تقول الحكومة النيجيرية إنّ القتال قد تسبب في نزوح حوالي 1.5 مليون شخص داخل البلاد.

وعلى الرّغم من الشكوك حول المنهجية التي تستخدمها الوكالة الوطنية لإدارة الطوارئ، التي أعلنت عن هذا العدد، إلا أن الأمم المتحدة تستخدم هذا الرقم أيضا.

من جهته، يشير مركز رصد النزوح الداخلي إلى أنّ الناس عادة ما يفرون إلى الولايات المجاورة باوتشي وجومبي ووتارابا، ووسط نيجيريا ومنطقة “الحزام الأوسط”.

تلك المناطق، بدورها، تتأثر بالعنف الذي تمارسه الجماعات المتطرفة، وإن كان بدرجة أقل، الأمر الذي يؤدي إلى “زيادة التنافس على الموارد بين النازحين داخليا والمجتمعات المستضيفة في هذه المناطق القريبة من الصراع”. ولا شك أنّ تدهور الأمن الغذائي في منطقة تضمّ بالفعل بعض أسوأ المؤشرات المتعلقة بسوء التغذية ووفيات الأطفال في نيجيريا هو سبب آخر للقلق. وفي ظل ارتباك الأسواق المحلية وانخفاض الدخل الزراعي حذرت شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة، من أنه “في غياب المساعدات الإنسانية الموجهة توجيها جيدا، لن يتمكن قرابة 3 ملايين شخص من تلبية احتياجاتهم الأساسية من الغذاء بحلول يوليو 2015”.

5.8 مليار دولار إجمالي المبلغ المخصص للأمن في نيجيريا سنة 2014

*الانعكاسات السياسية: الثابت أن هذه الأجواء المشحونة، ستؤثر على الانتخابات المقرّر إجراؤها يوم 14 فبراير المقبل، بشكل ينذر بإمكانية أن تحفها مخاطر عدّة لا على الصعيد الأمني فحسب، بل على الصعيد السياسي كذلك، خاصة أنّ عددا من المقربين من الرئيس النيجيري الحالي جودلاك جوناثان، الذي ينحدر من أصول جنوبية، قد ألمحوا منذ وقت طويل إلى أنّ بوكو حرام هي مؤامرة من قبل السياسيّين في الشّمال لإفساد فترة حكمه.

وعلى الجانب الآخر، تسود في الشمال، الذي من المتوقع أن يصوت بأعداد ضخمة لصالح منافس جوناثان، محمد بوهاري، نظريّة شعبوية مفادها أن بوكو حرام ما هي إلاّ حيلة اخترعتها الحكومة بغية إضعاف منطقتهم.

وبين هذا وذاك تدعي اللجنة الانتخابية الوطنية المستقلة أن 80 بالمئة من الأشخاص الذين يحق لهم التصويت في شمال شرق البلاد لديهم بطاقات تصويت رسمية، وهي نتيجة لا تصدّق تقريبا نظرا لحالة انعدام الأمن في المنطقة. كما أنّ هنالك غموض حول كيفية إجراء الانتخابات وفق القوانين الانتخابية الحالية في المناطق المتضررة من النزاع.

وفي ظل التاريخ السّيئ والعنف الملازم للانتخابات النيجيرية، وفق مراقبين، من المستبعد أن تكون عملية الاقتراع سلمية، أو أن يقبل أي من الطرفين المتنافسين بالهزيمة بهدوء وعن طيب خاطر. وبغض النظر عن الطرف الفائز في الانتخابات، فقد تحدث اضطرابات واحتجاجات دموية، لن يستفيد منها سوى بوكو حرام.

ولكن الجانب الإيجابي في الأمر هو أن ثمة إدراكا اجتماعيا وسياسيا متناميا حول أهمية المطالبة بالتغيير. وإذا ما ساد صوت العقلاء، فقد تخرج نيجيريا من رحم هذه العملية بحكومة ديمقراطية أقوى، ما يشكل ضربة أكثر فعالية للأفكار المتطرفة ومن يمثلها.

6