نيران الحرب أهون من الانهيار الاقتصادي عند سيدات الأعمال في لبنان

سوزان معوض: في الحرب نعود إلى عملنا أما الآن الأموال محجوزة ولا عمل.
الخميس 2021/04/22
لبنان ينفر رأس ماله الوطني

تكشف روايات سيدات أعمال لبنانيات قساوة الأزمة الاقتصادية على نشاط أعمالهن، حيث تروي سوزان معوض معاناتها بعد توقف نشاط وكالتها ومصنع الورق التابع لها فيما لم يعد بإمكان عديد المستأجرين دفع الإيجار، ما سلط الضوء على أزمات الحرب التي لم تكن حسب هؤلاء بنفس هذا الخراب الذي استحال معه العمل وتحويل الأموال في ظل احتجاز البنوك للودائع.

بيروت - عايشت سوزان معوض الحرب الأهلية اللبنانية وأنشأت وكالة إعلانية ناجحة في الأيام المفعمة بالأمل التي أعقبت انتهاء القتال، لكنها تقول إن الانهيار الاقتصادي في بلدها يؤلمها بطريقة لم تفعلها حتى الصواريخ.

وتنحدر سوزان (56 عاما) من أسرة ميسورة الحال، وكانت في السابق تعيش حياة مترفة، حيث كانت تدير وكالتها بالإضافة إلى شركة لتصنيع الورق مملوكة للأسرة، وتقضي إجازات عديدة في الخارج وتُحصل إيجارات من العقارات التي تمتلكها.

أما الآن، فقد شارف نشاط وكالتها ومصنع الورق على التوقف، ولم يعد بإمكان المستأجرين دفع الإيجار، وتجد نفسها تفكر مليا في أسعار السلع في المتاجر خلال جولتها الأسبوعية للتسوق.

وتقول “أنا لم أخذل لبنان. لبنان خذلني وأوجعني”.

وفي ظل عدم وجود نهاية تلوح في الأفق بالنظر للشلل الاقتصادي والمالي، تشعر سوزان بحالة من اليأس لم تساورها خلال الحرب التي اندلعت عندما كان عمرها 12 عاما واستمرت 15 عاما.

وقالت “خلال الحرب، كان تقع بعض الصواريخ في يوم وفي اليوم الثاني تستفيق وتعود إلى المدرسة أو العمل. أما الآن الأموال محجوزة في البنوك ولا يوجد عمل”.

ومنعت البنوك اللبنانية، وهي أكبر دائني الدولة المفلسة، العملاء من الوصول إلى ودائعهم، بموجب قيود غير رسمية على رأس المال فُرضت دون تشريع منذ أواخر عام 2019 عندما بدأ الانهيار المالي في البلاد. وفقدت مدخرات الناس بالليرة اللبنانية معظم قيمتها، بينما يتعذر الوصول إلى الودائع الدولارية.

الأزمة أدت إلى هجرة العقول بأعداد كبيرة مما أثر على الاقتصاد وتسبب في تراجع الاستثمارات

وتؤدي الأزمة إلى هجرة العقول، حيث يهاجر المهنيون مثل الأطباء والأكاديميين والمصممين ورواد الأعمال بأعداد كبيرة، مما يؤثر بدوره على الاقتصاد المحلي، ويؤدي إلى المزيد من التراجع في الاستثمارات والطلب على الخدمات.

وعندما أسست سوزان وكالتها الإعلانية في عام 1992، كانت الحرب الطويلة تقترب من نهايتها وكانت الآمال كبيرة بالنسبة إلى مستقبل لبنان. وبعد بضع سنوات، ومع شعورها بالتفاؤل، باعت عقارا كانت تملكه في اليونان للاستثمار مجددا في وطنها.

لكن في ظل الضائقة المالية التي يعاني منها عملاؤها، تقلصت أعمالها بنحو ثلاثة أرباع خلال الأزمة الاقتصادية. وباتت سوزان نفسها تواجه ضغوطا مالية يومية. وقالت “صار عندي هاجس بظروف المعيشة”.

وأضافت “دائما أفكر ماذا سأفعل؟ هل أدفع رسوم البلدية أو أتعاب الميكانيكي أو الكهرباء. أنا تحت ضغط وما كنت أفكر هكذا من قبل”.

وبعد أن كان جدول العمل مزدحما، باتت تعمل بالكاد لمدة ساعة يوميا عبر الإنترنت. وفي المستودع الكبير الذي توجد به أعمال تصنيع الورق، تضاءل النشاط وتباعدت عمليات تسليم المواد الخام.

وقالت وهي تشير إلى بعض أكوام المواد الخام “كنا بالعادي كل 48 ساعة أو كل أربعة أيام لا نستطيع التعبية. الآن كل هذا يأخذ منا وقتا لا يتجاوز أسبوعين أو ثلاثة”.

ولكن على الرغم من كل شيء، فهي لا تفكر في الهجرة. فبعد أن عاشت في الولايات المتحدة لمدة ستة أشهر في التسعينات، وواجهت صعوبة في التعود على الحياة هناك، لا تزال تريد العيش في وطنها.

وتقول “كل شي حاربت من أجله يوجد هنا. كيف أتركه لغيري؟ لا”. وتحرض الاضطرابات السياسية في لبنان إضافة إلى الأزمة الاقتصادية الخانقة الكفاءات على مغادرة وطنهم والبحث عن فرص أفضل.

Thumbnail

ويخطط بعض أصحاب المهن للرحيل ومنهم أطباء وأكاديميون ورجال أعمال ومصممون ورحل بعضهم بالفعل. ويعتمد هؤلاء في الكثير من الحالات على جنسيات ثانية اكتسبها الآباء أو الأجداد الذين غادروا لبنان في موجات الهجرة في الماضي. وتعني هجرة العقول تجريد لبنان من المواهب التي يحتاجها للتعافي.

ويعد رحيل مثل هذه الكفاءات شاهدا على فشل السياسيين اللبنانيين في شق طريق للخروج من أزمة صنعوها بأنفسهم، كما يشير إلى القلق المشترك على نطاق واسع بشأن استقرار بلد لم يتعاف تماما من حربه الأخيرة.

كما وجد الآلاف من الطلاب اللبنانيين في الخارج أنفسهم مهددين بعدم استكمال دراستهم بسبب عدم سداد أقساطهم الجامعية جراء تقييد المصارف لتحويلات العائلات مما دفع عددا منهم إلى مقاضاة البنوك غير أن ذلك لم يكن ناجعا مع ميل المصرف إلى استئناف الدعاوى القضائية.

ورغم الاعتصامات الدورية التي ينفذها الأهالي أمام المصارف وقطعهم الطرق احتجاجًا، ورغم إقرار البرلمان العام الماضي قانونًا يلزم المصارف ولمرة واحدة بتحويل مبلغ لا يتجاوز عشرة آلاف دولار لكل طالب جامعي خارج لبنان وفق سعر الصرف الرسمي للدولار، يؤكد الأهالي والطلاب في الخارج أن القانون بقي حبرًا على ورق.

واعتاد لبنان أن يفخر بنظام التعليم فيه، وكانت البعثات التبشيرية الأميركية والفرنسية قد أقامت مدارس وجامعات في القرن التاسع عشر أصبحت منصات لدفع الطلبة اللبنانيين إلى استكمال دراساتهم في الخارج، وهو ما أصبح الآن حلما صعبا للجميع باستثناء الأثرياء الذين تمكنوا من الاحتفاظ بما يكفي من ثرواتهم خارج لبنان. ويواجه بعض الطلبة صعوبات في تلبية احتياجاتهم حتى في دول منخفضة التكاليف نسبيا مثل روسيا.

ويكافح اللبنانيون ممن يدرسون في الجامعات الأجنبية في بيروت ضغوطا غير مسبوقة لاسّيما بعدما رفعت جامعتان خاصتان، وهما الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اللبنانية – الأميركية، سعر الصرف للرسوم الدراسية إلى 3900 ليرة للدولار في ضربة تزيد من قيمة الرسوم بمقدار ثلاثة أمثال تقريبا على الطلاب الذين يدفعون بالعملة المحلية.

10